ماذا تقول تصورات المستقبل؟

(1) عن سكن البشر: في هذا السياق يذهب الاختصاصيون (ولاسيما في كتاب مهم صدر مؤخراً بعنوان لا تخفي دلالته وهو «القنبلة السكانية») إلى أن عام 2025 وهو بالطبع قريب نسبياً من الزمن الراهن كفيل بأن يشهد قيام 27 من صنف الميغا ــ مدينة وبمعني المدينة المهيمنة أو البالغة الضخامة من حيث عدد سكانها (أكثر من 10 ملايين نسمة). والمعني في هذا السياق بالذات أن القنبلة السكانية المذكورة أعلاه لا تتمثل في مجرد زيادة عدد السكان في العالم.. ولكنها تتجسد أساساً في ما يُطلق عليه الخبراء الوصف التالي:

.. تيار كاسح نحو التحول الحضري. وترجمة هذا التيار تأتي على شكل نشوء مدن بالغة الضخامة: مراكز حضرية سوبر متضخمة تتخذ مواقعها، كما يضيف هؤلاء الخبراء. في أصقاع شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط إلى جانب جنوب شرقي آسيا ثم الصين وأندونيسيا حيث الفقر ضارب أطنابه ومن ثم فتلك المدن المستجدة يمكن للأسف أن تواجه مشاكل بيئية، فضلاً عن مشاكل وأزمات اجتماعية تنطوي للأسف على تيارات العنف والجريمة، وكلها من أمراض التكدس وعلل الازدحام.

البيوت الخضراء

وباختصار فإن نهاية القرن الحالي ــ سنة 2100 سوف تشهد 70 في المائة من سكان عالمنا (وسيبلغون 10 مليارات من البشر) وهم مقيمون في المدن ومراكز الحضر بكل ما يعنيه ذلك من مشاكل وربما إيجابيات أو تحولات.

أما الوجه الآخر من تطور المستقبل.. فيتمثل فيما يرصده ــ وربما يرجوه الخبراء ــ من نشوء وانتشار ظاهرة يطلقون عليها أيضاً الوصف التالي: البيوت.. الخضراء

هي محصّلة انتشار وتعمّق الوعي البيئي، وتتجسد في محاور سكنية تحرص على ترشيد استخدام الطاقة، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة البديلة عن المصادر الأحفورية التقليدية (النفط والغاز الطبيعي) بكل ما يصدر عنها من غازات الاحتباس الحراري ذات المحتوي الكربوني الضار بصحة الكائنات الحية. والمعني أيضاً هو أن نسبة متزايدة من البيوت في أقطار الشمال الأوروبي ــ الأمريكاني باتت تستخدم طاقة الشمس أو طاقة الرياح وما في حكمها.. وهو ما يبشر بتّوسع حجم هذا الانتفاع من تلك المصادر التي تجمع بين النظافة وبين التجدد بعيداً عن التلوث وضماناً من النفاد أو النضوب.

نانو روبوت

(2) عالم الطب.. الصحة.. والعلاج: يتوقع العلماء أن لا يمضي عقدان إثنان من زماننا الحالي إلا ويشهد عالم العلاج ما يعرف بأنه «نانو روبوت» وهو أسلوب مازال قيد التطوير والتجريب في المختبرات الأمريكية السوبر ــ متقدمة. ويقوم على أخذ عينات من الجينات الوراثية (د.إن.إيه ) حيث يزَّود الجسم المهدد بأورام السرطان بهذه الأجسام التي تتخذ شكل أنسجة تحوي مضادات تدخل الجسم وتستكشف بدايات الإصابة فإذا بها تتهيأ للمقاومة.

.. نفس الاستخدامات لكائنات الذكاء الاصطناعي ــ روبوت المستقبل يمكن أن تحل خلال عقود قليلة من الزمن محل عناصر البشر المكلَّفين برعاية المرضى وخاصة المُقعدين أو الذين أعجزهم المرض الطويل العضال إن «الروبوت» أقوى بداهة من الممرِّض أو الممرضة ومن ثم فهو الأقدر على رفع المريض وحمله وخدمته بصورة مبرمجة وبالغة الكفاءة. في نفس المضمار. يمكن أن نتوقع مع الباحثين في جامعة «برنستون» الأمريكية المرموقة إنتاج أجهزة طبية لاسلكية تتمثل مهمتها في إرسال موجات مخصوصة تحوي تنبيهات أو إنذارات خلال التشخيص الطبي أو إجراء العمليات الجراحية لتفيد وتحذر بأن ثمة مخططاً خبيثاً أو نّية شريرة تريد مثلاً أن تستأصل من جسم المريض المهيض عضواً: كِلية أو جزء من الكبد.. إلخ لزوم البيع في سوق نخاسة الأعضاء، وهو ما أصبح متفشياً في بعض الأقطار من جنوب العالم.. وربما في شماله.

الشريحة المختبر

على عكس المسار يتطلع الاختصاصيون إلى مستقبل قريب يشهد ــ كما تقول دراسة مجلة « المستقبلي» التي نحيل إليها في هذه السطور ــ ما يوصف على النحو التالي:

.. صحة أحسن وأطباء أقل

ومن ذلك مثلاً طرح ما يوصف بأنه «الشريحة المختبر» وهو الشريحة الإلكترونية الصغيرة التي يتم بين طياتها تسجيل وإيداع أهم المعلومات الحيوية الخاصة بكل مواطن، فيما يتم أيضاً توفير مثل هذه المعلومات وما في حكمها مع التوسع المستقبلي من خلال استخدام جهاز في حجم الهاتف المحمول ــ النقّال ومزود بإمكانات تحليل دم المواطن وبحيث يتمكن السيد المذكور من إبلاغ نتائج التحليل الفورية على هاتفه إلى العنصر الطبي المختص.

تعود هذه التنبؤات الطبية إلى استخدام الشرائح الممغنطة وهو ما يتم في جامعة «ستوني بروك» في أمريكا حيث يستخدمون جهازاً بسيطاً ومصَّغراً لاكتشاف وتشخيص الإصابة بالمرض بعد أن يقوم المريض بالنفخ، مجرد النفخ، خلال الجهاز المكوَّن من شرائح مزودة بأسلاك بالغة الدقة «نانو ــ أسلاك» كما يسمونها وهي تكشف عن، أو تُوجّه إلى، وجود أمراض أو ميكروبات مُعدية.

قضية اللغة

(3) مجتمع المعلومات: هنا يتصدر الساحة قضية اللغة المنطوقة أو اللغات المحكية على صعيد أي مجتمع بشري. ثمة 6900 لغة محكية في طول عالمنا وعرضه. والمشكلة أن أكثر من نصف هذا العدد مرشح ــ في رأي خبراء الألسنيات ــ للانقراض خلال المائة عام القادمة، وعليك خير. والسبب يتمثل في أن أكثر من 95 في المائة من سكان العالم يتكلمون واحدة من باقة لغوية قوامها 400 لغة لا أكثر ولا أقل، في حين أن نسبة ال5 في المائة لغة المتبقية تعاني التشتت بين عدد يقل ويذوي بإطراد من الناطقين بها.. ولدرجة يورد اختصاصيو منظمة اليونسكو الدولية المعنية ــ كما هو معروف ــ بقضايا التربية والثقافة ــ حقيقة طريفة تفيد بأن ثمة لغة معرضة بداهة للانقراض بين سكان أستراليا الأصليين حيث لم يعد يتكلم بها سوى خمسة أفراد هم أربع سيدات مسنّات.. أما الخامس فهو ببغاء.. عجوز أيضاً!

من هنا يقول اختصاصيو مجتمع المعلومات بأن لغات الأقلية محكوم عليها بالانقراض مع ذوبان جماعات الأقلية ضمن الكيانات الاجتماعية الأوسع نطاقاً والأكثر تقدماً.

أفريقيا الموعودة

في نفس السياق ــ يَعِد مجتمع المعلومات بأن تشهد قارة أفريقيا بالذات اتساعاً في نطاق الإصلاحات السياسية. ويُرجعون الفضل في ذلك إلى الكائن الذكي البسيط الذي دخل، بل اقتحم، حياة العالم منذ عقدين من الزمن وربما أقل وهو الهاتف المحمول.. الخليوي.. النقال أياً كان اسمه، فما بالنا وقد توسع استخدامه من مجرد الاتصال مع البشر إلى مستوى التواصل مع شبكة المعلومات العولمية ــ الإنترنت وهو ما أدى بداهة إلى زيادة أهم عنصرين تروّج لهما المنظومة الدولية وهما: الشفافية والمساءلة

وهنا يحذّر الخبراء أيضاً من مغبة استغلال هذه التطورات في شيوع استخدام البث الإلكتروني المصّور مع تزايد دقته وفعاليته في نشر ثقافة الإثارة الجنسية التجارية (البورنو) مما قد يوصّل إلى أجيال من الشباب الذي يعاني آفة الإدمان لهذا الصنف من المواد المتهتكة في إباحيتها وهو إدمان مدّمر للوقت ولحالات الاتزان العاطفي والانفعالي والجسدي في آن معاً.

طفرة علمية

(4) العلم والتكنولوجيا: هنا تتسع الطروحات ويعلو سقف الطموحات؛ فقد أثبتت التجارب البشرية مدى ما قدمه العلم وتطبيقاته التكنولوجية من خدمات بل من منجزات.. وفتوحات تحولت بها حياة البشر إلى الأفضل والأرقى على السواء، ابتداء من اكتشاف حجريْن صغيرين استطاع الإنسان البدائي قدحهما فأشعل النار.. إلى عصر اكتشاف الآلة إرهاصاً بالثورة الصناعية.. إلى زمن المخترعات المشهودة خلال القرن العشرين.. وها هي عمليات استشراف المستقبل في مضمار العلم والتكنولوجيا.. تومئ إلينا بإرهاصات أكثر من واعدة.. ومنها على سبيل المثال:

٪ .. .

البغل الإلكتروني

٪ 2020 .. ا ب .

٪ .. .. .. .. ا ب.. 400 20 .

٪ .. .. .. .

زيادة المسلمين

(5) شئون العالم السياسية ..وشجونه: في هذا المحور الأخير من منظومة التنبؤات التي عرضناها تبدأ عملية الاستشراف بإطلالة تلقيها مجلة «ذي فيوتشرست» على مستقبل العالم ــ الإسلامي بالذات تقول:

ـ المسلمون يتزايد عددهم بمعّدل يكاد يقرب من ضِعف تزايد السكان من غير المسلمين في العالم. هذا ما رصده منتدى «بيو» المعني بالدين والحياة العامة» وبالتالي سوف يشكل المسلمون ما يصل إلى أكثر من ربع سكان عالمنا (26.4 في المائة) في سنة 2030.

٪ .. ذ ذ .

لكن الصين تنتظرها جائزة مرموقة نحاول اختصارها فيما يلي على لسان البروفيسور «لورنس بينز» أستاذ اللغويات.

ـ يكاد يتساوى الاستخدام اللغوي على شبكة الإنترنت بين الإنجليزية والماندارين (الصينية المعتمدة). ومع ذلك نجد أن استخدام لغة الصين مازال إلى ازدياد: ومن عجب (في نظرنا اليعربى) أن أسرع لغة تتوسع على شبكة الإنترنت كما يؤكد الخبير الأمريكي أيضاً هي: اللغة العربية. لغتنا حماها الله.

نظرة مستقبلية للحياة البشرية

في الجزء الثاني ــ الأخير من هذا الاستكشاف المستقبلي الذي أحلنا فيه إلى ما أورده آخر الأعداد الصادرة مع ختام العام الحالي (عدد نوفمبر ــ ديسمبر2013) من مجلة «المستقبلي» الأمريكية ــ تعرض المجلة إلى المجالات المحورية الخمسة التي تمسّ حياة البشر خلال السنوات المقبلة، ومنها ما يتعلق بتطوير سبل التشخيص والعلاج باستخدام تطويرات كائن الذكاء الاصطناعي (الروبوت) حيث يتمثل الهدف في استشراف المزيد من الدقة والراحة والكفاءة لصالح مريض المستقبل بطبيعة الحال.

وفي مجتمع المعلومات يشغل الهاتف المحمول بكل تطبيقاته المتقدمة مكانة مرموقة في عملية الاتصال أو في التوعية السياسية (وخاصة في إفريقيا) فيما تُفيد التنبؤات المتخصصة بأن عام 2020 كفيل بأن يشهد بدوره أخر جيل من مطبوعات الكتب أو الصحف على السواء.

وفي مجال العلم والتكنولوجيا تذهب التنبؤات إلى ازدهار السياحة الفضائية وإلى تزويد الجيوش بكائنات الروبوت التي تتولي حمل الأثقال بدلاً من الجنود البشر.. وكأنها تعيد دور الجياد والبغال في حروب الماضي. أما في مجال السياسة والشئون العالمية فتدل عمليات الاستشراف على زيادة عدد المسلمين في العالم إلى أكثر من ربع سكانه في عام 2030 ــ فيما تدل أيضاً على أن اللغة العربية هي أسرع اللغات من حيث استخدامها على شبكة الإنترنت العالمية، ومن المعروف أن زيادة عدد المسلمين لا ترجع في الأساس لزيادة عدد المعتنقين أو الداخلين في الإسلام، بقدر ما ترجع إلى طبيعة الشعوب والأسر المسلمة في زيادة النسل، ولا يهمهم الظروف المعيشية أو الاقتصادية، بل إن الشعب الفلسطيني الذي يعيش أكثر من نصفه في مخيمات لاجئين في دول مختلفة يعد أكبر شعب في التناسل، بينما روسيا التي تملك وحدها سدس يابس الأرض وأطرافها مترامية من أقصى غرب الولايات المتحدة إلى أقصى شرق أوروبا، وتعاني روسيا من نقص حاد في السكان لا يغطي كل هذه المساحة الكبيرة، لدرجة أن مدناً كثيرة في مناطق نائية في روسيا باتت خالية من السكان وشبه مهجورة.

مجلة «المستقبلي» (ذي فيوتشرست) الصادرة كل شهرين عن جمعية مستقبل العالم بالولايات المتحدة تحرص على أن تشفع تنبؤاتها بنوع من الاحتراس الفكري أو هو الاستدراك العلمي حين تنبه قارئها الذكي قائلة:

ــ إن النظرة المستقبلية الشاملة التي نحاول أن نلقيها على ما عساه يحدث خلال السنوات أو العقود القليلة المقبلة (حتى عام 2050 مثلاً) لا يُقصد بها في الأساس أن تحوي «تنبؤاً» بالمستقبل بقدر ما أنها «محاولة» لحفزنا على التفكير، ودفْعنا إلى العمل على بناء مستقبل أفضل للبشرية ولصالح أجيال الحاضر والمستقبل على السواء.

أما من جانبنا العربي الذي نبسطه عبر هذه السطور فقد عرضنا خلال الجزء الأول من هذا المبحث إلى القضايا الأربع الأولى من قائمة التصورات المستقبلية التي أوردتها مجلة «المستقبلي» في أحدث أعدادها الصادرة، وهو أيضاً ختام أعداد المجلة للعام الحالي (نوفمبر ــ ديسمبر 2012) وضمّت القائمة التي تَنَاولها الجزء الأول: قضايا الاقتصاد والطاقة إلى جانب قضايا الموارد ــ البيئة ثم قضية الأغذية والزراعة.

أما في هذا الجزء الثاني والأخير فالقائمة المستجدة التي نعرض لها فيما يلي من سطور، فهي قائمة خماسية كما قد نسميها حيث تضم كلاً من قضايا السكن أو «الموئل» كما تعرفه مصطلحات منظومة الأمم المتحدة، ثم قضايا الطب ــ العلاج، وقضايا مجتمع المعلومات، والعلم والتكنولوجيا وصولاً إلى قضية ــ الختام وتتعلق بالشئون العالمية في أبعادها السياسية.