كان ذلك في مثل أيامنا هذه منذ 52 عاماً.. يومها شهد خريف سنة 1960 جماهير الناخبين في الولايات المتحدة، وهم يركّزون النظر ويرهفون السمع ويسددون اهتماماتهم بكل تركيز إلى شاشة التلفزيون.. ذلك الكائن الذي كان مستجداً بصورة أو بأخرى على حياة العصر.. صحيح أن كان عمره في أميركا قد أوفى على سنوات عقد ويزيد من عمر ذلك الزمان، إلا أن الأصح أن كان الراديو هو الوسيلة الأقرب إلى تلك الأجيال المخضرمة من أفراد الشعب الأميركي، وإن زاحمه التلفاز، الذي جعل الساسة والحاكمين أقرب إلى عقول هؤلاء الأفراد وإلى وجدانهم، وخاصة بين صفوف أجيال الشباب.
ريتشارد نيكسون
الحدث الذي كان مرتقباً في ذلك التاريخ كان المناظرة المتوقعة بين أهم مرشحيْن على المنصب رقم واحد في أميركا ـ منصب رئيس الجمهورية ـ الذي ظل السباق الرئاسي من أجله مندلعاً على مدار فترة الترشيح التي بدأت مع مطلع عام 1960، ثم ظلت شعلته متقدة طيلة أشهر العام المذكور بين اثنين من ساسة الأميركان في تلك الحقبة:
كان أولهما ريتشارد نيكسون (47 سنة في تلك الفترة) وقد رشح نفسه لرئاسة بلاده، تسبقه وتلحقه سمعة السياسي المحنّك ورجل الدولة الذي لا يشق له غبار.. كيف لا وقد ظل "ريتشارد ميلهاوس نيكسون" نائباً للرئيس "دوايت أيزنهاور" على مدار الفترتين اللتين أمضاهما الجنرال العتيد في مكتب الرئاسة البيضاوي بالبيت الأبيض.
وهي حقبة الخمسينات من القرن العشرين، وبالتحديد الفترة 1953 ـ 1961. وخلالها اتسعت شهرة نيكسون.. النائب الرئاسي الشاب، والنجم الصاعد وقتها في أجواء الحزب الجمهوري، الذي كان يُعد، ولايزال كما نتصور ـ هو حزب رجال الأعمال وبارونات الاقتصاد وملوك البورصة وعتاة الرأسمالية ــ التايكونات؛ كما يقول المصطلح المتواتر في أدبيات السياسة الأميركية.
جون كينيدي
المرشح المنافس: كان بدوره نجماً طالعاً في سموات الحزب الديمقراطي ــ المعارض وقتها. كان شاباً بكل معنى الكلمة.. باعتبارات السن (أصغر من المنافس نيكسون بأربع سنوات..) وباعتبارات الأصل العائلي الأيرلندي، وهو أصل يراه الوجدان الأميركاني عريقاً وأصيلاً بمعنى من المعانى (أول المهاجرين إلى العالم الأميركي الجديد جاؤوا من أيرلندا واستوطنوا الساحل الشرقي الشمالي)..
ثم كان "جون فيتزجيرالد كينيدي" يطرح نفسه على الساحة السياسية في أميركا.. وبالذات من قاعة مجلس الشيوخ الذي انتخب عضواً في هيئته ــ من موقع السياسي الشاب المثقف.. رب الأسرة البسيطة.. المؤلفة من زوجة جميلة وأنيقة (جاكلين) ومن طفلين يشكلان نموذجاً عاطفياً مرتجى لملايين الشباب في طول الولايات المتحدة وعرضها.
وحين انعقدت المناظرة المرتقبة.. وأطّل وجه المرشحيْن على شاشات تلفزيون الأبيض والأسود وقتها.. بدا الأمر وكان التنافس سجالاً والمزايا متكافئة أو شبه متكافئة بين الطرفين:
.. رفع نيكسون شعار الخبرة.
.. ورفع كينيدى شعار الأمل.
الرئيس الكاذب
وكان ذلك في ذروة الحرب الباردة بين معسكري الشرق السوفييتي، ومعسكر الغرب الرأسمالي. وزاد من تأجج هذه الذروة نجاح المعسكر السوفييتي قبل "المناظرة" المذكورة بثلاث سنوات في إطلاق أول قمر اصطناعي في التاريخ تحت عنوان "سبوتنيك"، ما شكل وقتها تحدياً بالغ الشراسة أمام أميركا على وجه الخصوص.
وأيا كان مضمون وفعاليات المناظرة الرئاسية إياها ـ فقد جاءت لتحسم الأمر لصالح جون كينيدي، الذي أطل على جموع الناخبين سياسياً واعداً ورب عائلة شابة.. وإنساناً مفعماً بالأمل، في مقابل نيكسون الذي كانت لغته ومصطلحاته أقرب إلى السياسي المحترف، وهو ما باعد بينه وبين جماهير الناخبين.
ورغم أن تصاريف القدر.. وهي عجيبة في بعض الأحيان.. تكشّفت فيما بعد عن اغتيال الرئيس كينيدي نفسه ـ بعد هذا التاريخ بسنوات ثلاث.. وعن فوز نيكسون نفسه بالرئاسة ليدخل إلى البيت الأبيض في مطلع عام 1969 ــ ثم في استقالته المدوية من منصبه الرفيع في ذيول وأصداء فضيحة ووترغيت الشهيرة.. مشيعاً بانتقادات ــ حتى لا نقول لعنات سياسية ــ بلغت ذروتها في شعار رددته "ميديا" الإعلام في سنة 1974 في عبارات تقول: هذا الرجل كذب على الأمة.
جدية المناظرات
المهم أنها جاءت مناظرة كل من "ريتشارد وجون" لتحسم أمر التنافس المتقارب بين الطرفين الجمهوري والديمقراطي من جهة، ثم لتؤكد أن مثل هذه المناظرات الرئاسية ينبغي أن تؤخذ بكل ما تستحقه من جدية واهتمام.. فهي ليست مجرد رفع شعارات أو "طق حَنَك" كما يقول أشقاؤنا من عرب الشام.. ولا هي ترديد مقولات منمقة ومحفوظة ــ سابقة التجهيز كما قد نصفها.
ولكن المناظرات الرئاسية الأميركية تتم على مرأى ومسمع من الملايين، سواء كانوا ناخبين أو كانوا محللين سياسيين أو كانوا إعلاميين، وكل منهم لا يبخل بالرأي أو التحليل أو إعلان الموقف، مستعداً لتشريح كل ماتحتويه فعاليات المناظرة السياسية بين مرشح الديمقراطيين والجمهوريين وبما يتيح فرصة التعرف على مقولات المرشح وعلى أسلوب تفكيره وعلى نوعية انتماءاته.
وعلى طريقة انتقاداته وعلى نمط استجاباته الفورية، بل اللحظية، إزاء ما قد يلاقيه من تحديات ومواقف من جانب خصم المناظرة، فضلاً عن طريقة عرضه لإنجازات نفذها ان كان في مواقع الحكم (رئيساً يتطلع إلى حقبة التجديد الرئاسية الثانية والأخيرة كما يقضي بذلك دستور البلاد) أو كان سياسياً مخضرماً ومستجداً على حلبة المنافسة، ويتطلع من جانبه أن يصبح رئيساً للبلاد.
أوباما ورومني
في ضوء هذا كله.. يمكن من جانبنا العربي ــ الشرق أوسطي إن شئت ــ أن نتعامل مع أحدث مناظرة سياسية خاض غمارها ــ كما هو معروف ــ كل من "باراك أوباما" عن الحزب الديمقراطي الحاكم، و"ميت رومني" عن الحزب الجمهوري المعارض.
وربما نبادر لنقول ان الاهتمام بهذه المناظرة، وما في حكمها، إنما ينبع من اهتمامنا بالشأن الأميركي، باعتبار الدور المحوري الذي مابرحت أميركا تضطلع به في شؤون عالمنا وأيضاً من باب التطلع إلى الإفادة من هذا النموذج الذي نراه متقدماً وفعالاً في ممارسات التحول الديمقراطي، وبمعنى أن يطلع الناس على نوعية ولاة أمورهم من منظور الفكر والتعبير والحوار وتلاقح الأفكار بعيداً عن أساليب القمع والعنف أو الجبر أو الاضطرار، ناهيك عن الممالأة والنفاق.
في كل حال؛ فقد كانت مناظرة مساء أول أربعاء من شهر أكتوبر مثاراً لاهتمام المحللين الأميركيين، الذين عبرت عنهم ــ بأسلوبها المتسم بقدر لا يخفى من السخرية ــ الكاتبة "جيل كولنز" في مقالها بشأن افتتاح "موسم المناظرات" ورغم اتجاهها لصالح الديمقراطيين، إلا أن كولنز (نيويورك تايمز، عدد 4 أكتوبر) لم تتورع عن تصوير "رئيسها" باراك أوباما بأنه بدا أمام جماهير المشاهدين مرهقاً وكأنما راوده شعور بالسأم أو الضجر.. لدرجة أن تخلّف ــ في تصورها، وفي تصور الكثيرين كما أضافت ــ عن المستوى الذي كانت تأمله منه ملايين المشاهدين.
تقول الكاتبة الأميركية:
ربما يتصور الرئيس أوباما أن هذه المناظرات أمراً عبثياً.. وقد يكون على حق.. ولكنني أتصور بكل تأكيد أنه كان عليه أن يحتفظ بأفكاره هذه لنفسه.
أخطاء أوباما
على العكس ــ تضيف جيل كولنز ــ بدا المنافس (الجمهوري) رومني أكثر حيوية وأوفر نشاطاً. لكنه، كما حرصت كولنز على أن توضح أيضاً، "ظل يرسم على ملامحه تلك النظرة المضحكة التي ظلت مرتسمة كلما تناول خصمه أوباما أطراف الحوار.. بدا رومني أقرب إلى شخص يحاول تحاشي رائحة كريهة تنبعث في أرجاء المكان.. بل ظهر كمن يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يقول لك مثلاً ان سيارته بصراحة أجمل وأرقى من سيارة سيادتك".. نفس الانتقاد وجهه إلى أوباما واحد من كبار معجبيه أو المقتنعين به، وهو البروفيسور "بول كروغمان" الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.
وقد نشر مقالته غداة المناظرة متهماً المنافس الجمهوري "رومنى" بأنه يعمل على تدمير مشروع الرعاية الصحية الذي قصد به أوباما إلى تغطية فقراء الأميركان بمظلة التأمين الصحي.. فيما انتقد "كروغمان" أيضاً أوباما نفسه لأنه قصّر في عرض مشروعه والدفاع عن مزاياه خلال وقائع مناظرة الأربعاء إياها.. خاصة وأن المنافس الجمهوري ــ في رأي كروغمان ــ لم يتوّخ الأمانة في انتقاد مشروع الرعاية الصحية، لا من حيث عرض الحقائق ولا من حيث تدقيق الإحصاءات في كل حال أيضاً. من هنا أدرك فريق أوباما أن الرئيس الأميركى الشاب قد خسر الجولة في مناظرته الأولى مع منافسه "ميت رومني".
وكان أن استيقظ الفريق صباح الخميس، الخامس من أكتوبر ليدركوا أن الخسارة راجعة إلى أن "رجلهم" كان سلبياً لأنه ترك المرشح الجمهوري كي يسيطر على مسار الحوار، على نحو ما كتب الصحافي "مارك لاندلر" في مقاله الذي شاركه فيه زميله "بيتر بيكر".
محاولات استرداد الثقــة
وفي محاولة لإصلاح المعطوب أو استرداد بعض المفقود خلال المناظرة خف أوباما يخاطب ـ كما يوضح الكاتبان اللذان ذكرناهما ـ حشداً قوامه 12 ألفاً من مؤيديه في مدينة "دينفر" بولاية كولورادو، فكان أن اتهم منافسه بالخداع أو التدليس، وخاصة حين تنكّر رومني لمقولات سبق إلى طرحها ووعود سبق إلى نشرها.. وكان بديهياً أن يتابع مدير حملة أوباما وهو " ديفيد إكسلورد" هذا المنطق ــ الأوبامي طبعاً ــ فإذا به يتهم المرشح الجمهوري المنافس بأنه طرح أقوالاً وأفكاراً عارية عن الصحة.. مجردة من الأمانة، مضيفاً بالحرف:
يمكن لرومني أن يفوز بالأوسكار من حيث الأداء.. ولكنه لن ينال الرئاسة بحال من الأحوال.
ثم حاول مدير حملة الديمقراطيين أن يغمز أكثر وأكثر من قناة مرشح الجمهوريين، فإذا به يقارن شخصية رومني مع "دودغز المحتال" وهو شخصية معروفة في رواية "أوليفر تويست" للكاتب الإنجليزي الأشهر تشارلس ديكنز (1812 ــ 1870) الذي تربى في شوارع لندن.. شريداً.. يحترف النشل ويمتهن السرقة ولا يتورع عن النصب والخداع... إلخ.
ثم كان بديهياً كذلك أن يرد المعسكر الجمهوري على مثل هذه الانتقادات صاعاً بصاعين كما يقول البلاغيون العرب. هنالك رد "ريان ويليامز" الناطق باسم رومني، متهماً الرئيس أوباما بأنه لم يقدم أي دفاع يذكر عن سجل فترته الرئاسية الأولى، ولا طرح أية رؤية للمستقبل، وإنما اكتفى أوباما ــ في رأى ويليامز ــ بأن شن المزيد والمزيد من الهجمات الزائفة (على خصمه ونهجه الجمهوري)، مكتفياً بتكرار دعوته إلى زيادة الضرائب التي من شأنها أن تقتل فرص العمل.. إلخ.
وبديهي أن الإشارة هنا إلى مناداة الأوساط الديمقراطية برفع الضرائب أو فرض ما يمكن وصفه بأنها ضرائب تصاعدية على أغنى شرائح المجتمع الأميركي من أجل تمويل مشاريع مكافحة البطالة وتفعيل نظم تعميم الرعاية الصحية لصالح أوسع قطاعات المجتمع المذكور.
السياسة الخارجية
وفي مجال السياسة الخارجية لاحظ المراقبون اهتمام أوباما في هذه المناظرة الأولى بالحديث عن حلول دبلوماسية للمشاكل الخارجية، وإن ظلت مشفوعة ــ في تصور أوباما أيضاً ــ بفرض العقوبات على الأطراف ذات الصلة (الشأن الإيراني نموذجاً)، ولكنهم لاحظوا أيضاً ما ألمح إليه الطرف الجمهوري المنافس من أن "الخيار العسكري لايزال مطروحاً"، فضلاً عما ذهب إليه "ميت رومني" من عزمه على أن يرسل بوارج بحرية لتنفذ دوريات في مياه الشرق الأوسط.
مع هذا كله تبقى مناظرة الأربعاء إياها بمثابة الجولة الأولى من الحوار بين الطرفين المتعارضين في ساحة السياسة بالولايات المتحدة.. وكلما ضاقت مسافة التنافس بينهما.. ازدادت دواعي الاهتمام بوقائع تلك الفعاليات، التي من المتوقع أن تضم أيضاً جولة أو اثنتين من مناظرات الجانبيْن.
والطريف أن ينال طرف ثالث في المناظرة السابقة شيء من رذاذ الانتقاد.. نقصد بذلك المذيع الأميركي المخضرم "جيم ليهرر"، الذي بلغ سن الثامنة والسبعين، واشتهر بتقديم برنامج سياسي كان بالغ الرصانة من الإذاعة الرسمية الأميركية (الراديو الوطني بي بي إس) بعنوان "ساعة الأخبار".
لقد تولى "ليهرر" مسؤولية تحكيم المناظرات الرئاسية 11 مرة، بدأت في عام 1988 وانتهت في عام 2008.. ولكن لم يشفع له تاريخه في هذ التحكيم ولا في مضمار الإعلام المسموع والمرئي.. فقد انتقده أنصار أوباما على أنه لم يكن حازماً كما ينبغي.. فيما رد أنصار رومني بأن جماعة أوباما انتقدت الرجل من باب التبرير لسوء أداء الرئيس الأميركي خلال المناظرة.. ومازالت جعبة الأيام والمناظرات حافلة بالمفاجآت.
خصوصيات سباق الرئاسة الأميركية
يقوم الأميركيون عادة بالتصويت لصالح الرئيس المنتهية ولايته الأولى خلال الانتخابات الثانية، ولم يحدث منذ منتصف القرن العشرين أن أخرج الأميركيون رئيسا من البيت الأبيض في انتخابات الولاية الثانية (خرج نيكسون من البيت الأبيض في فضيحة ووتر جيت خلال ولايته الثانية بعد التجديد له فعليا في الانتخابات) إلا مرتين، الأولى مع جيمي كارتر في انتخاباته أمام رونالد ريغان عام 1980 في عقاب واضح على فشله في قضية السفارة الأميركية في طهران والثانية عام 1992 عندما ابعد الناخبون جورج بوش الأب عن البيت الأبيض مع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية ورفع المرشح الديمقراطي بيل كلينتون شعار "الاقتصاد أولاً".
إن هذه القاعدة الانتخابية تظل صالحة ولها عدة أسباب، منها "الاعتياد"، فالأميركيون يكونوا قد اعتادوا طوال أربع سنوات على رئيس ودخلوا معه في جدالات طويلة وربما يفضل هنا الناخبون أن يكمل الرئيس ولايته الثانية لاستكمال برنامجه.
بالتوازي يكون الرئيس قد اعتاد على المناظرات التي تمثل عاملاً جوهرياً في توجيه أصوات المترددين من الناخبين في مواجهة المرشح الجديد الذي لا يكون قد اعتاد علي هذه المناظرات. وثالثا: هو قدرة الرئيس على الاستفادة من عدم خوضه انتخابات تمهيدية في حزبه مما يجعل حملته العامة والتي يتوجه فيها للناخبين خارج حزبه وفي الولايات المتأرجحة أطول بكثير من منافسه الذي يكون قد خرج لتوه من معركة صعبة داخل حزبه للحصول على الترشيح للرئاسة.
ويرى المحللون أن الانتخابات الصعبة هي الانتخابات التي تجيء بعد انتهاء الولاية الثانية للرئيس، حيث يجد الناخبون الأميركيون انفسهم أمام منافسين جدد وكلاهما فرصه شبه متساوية، وهي الوضعية التي ساهمت في صعود أسهم أوباما خلال انتخابات 2008.
حيث اعتبر المحللون أنه في حال خوض أوباما الانتخابات أمام رئيس جمهوري في ولاية ثانية كان سيهزم وتنتهي معه تجربة طرح مرشح أسود للوصول للبيت الأبيض، وأنه استفاد من خوض تجربة انتخابية أمام منافس وليس رئيساً. وبالتوازي فإن أوباما يستفيد من ميزة أنه رئيس يخوض الانتخابات لولاية ثانية مما يرجح أسهمه الانتخابية، خاصة في ولايتي فلوريدا وأوهايو اللتين يفضلان تقليدياً التصويت لصالح الرئيس.
ولكن في المقابل، في حال فشل الرئيس في المناظرات فإنه يخسر الانتخابات كما حدث مع كارتر وبوش الأب في عامي 1980 و1992.. وهو ما جعل الجمهوريين يتفاءلون بشأن الانتخابات المقبلة بعد تقدم رومني على أوباما في المناظرة الأولى التي أجريت مساء 3 أكتوبر.
وربما يصل الأمر إلى أن تصبح المناظرة الرئاسية عرضاً حافلاً بالأفكار السياسية والطروحات الفكرية، بل والعقائدية فيما يمكن أن يضاف إليها عنصر أقرب إلى الترفيه أو التشويق بما يجعلها حدثاً قريباً محببّاً إلى وجدان أوسع القطاعات من الجماهير.
ورغم أن ثمة أصواتاً باتت تشق طريقها إلى مضمار السياسة في المرحلة الراهنة، وبعضها يقلل من أهمية مثل هذه المناظرات أو الحوارات، فمازال التاريخ السياسي القريب في أميركا يذكر مثلاً أن المناظرة المشهورة التي عقدت في خريف عام 1960 بين نائب رئيس الجمهورية الأميركي "نيكسون" وبين مرشح شاب وقتها كان اسمه "جون كينيدي"، قد حسمت السباق الرئاسي لصالح الأخير..
ورغم هذا التاريخ الحافل فقد جاءت مناظرة الأربعاء، التي عقدت يوم الثالث من أكتوبر بين الرئيس أوباما وخصمه من الحزب الجمهوري "ميت رومني" لصالح الأخير. إذ بدا أوباما، على غير ما توقعه أنصاره.. مرهقاً بل وملولاً، في حين طرح "رومني" نفسه أكثر نشاطاً، وربما أكثر إقناعاً، على خلاف ما كان متوقعاً.
فرص الديمقراطيين
يرى الديمقراطيون أن الخريطة السكانية الجديدة للولايات المتحدة تميل لصالح الحزب الديمقراطي، مع زيادة الوزن النسبي للأقليات من الملونين (الهسبانيين المهاجرين من أميركا اللاتينية)، والسود، إلى جانب اليهود، وارتفاع نسبة الطلاب الحاصلين على شهادة جامعية، والنساء غير المتزوجات في سن العمل، في مقابل تراجع نسبة البيض والعمال البيض (الذين لم يحصلوا علي شهادة جامعية) والإنجيليين (البروتستانت المتشددين)، وقاطني المناطق الريفية، وهي المجموعات التي تصوت تقليديا لصالح الجمهوريين.
ويعتمد الديمقراطيون في الانتخابات على أصوات الأقليات والمرأة والمتعلمين، وهي مجموعات تصويتية كبيرة، ولكنها تتركز في ولايات دون غيرها، مما يضعف تأثيرها في المجمع الانتخابي، بينما يعتمد الجمهوريون على البيض والعمال والمحافظين، وهي مجموعات تصويتية تتركز في الغرب والوسط، إلى جانب الجنوب الأميركي.

