الزيارة التي قام بها مؤخرا الى العاصمة الصينية بيجين الرئيس المصري محمد مرسي جاءت بمثابة اضواء كاشفة سلطت من جديد على البعد "الصيني" في الشرق الاوسط وفي فضاءات السياسة العربية الراهنة بشكل عام .
والحق ان هذا الشأن "الصيني" كان قد شق طريقه الى مضمار السياسة وساحات الشأن العام في الوطن العربي منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي: وعند منتصف هذا العقد - جاء انعقاد مؤتمر باندونغ في عام 1955..
ليشكل اول بادرة ايجابية تجمع، او تحاول ان تجمع، شمل شعوب قارتي آسيا وافريقيا بعد ان طالت معاناتهما من ويلات المد الاستعماري والسيطرة الاستغلالية التي طالما مارستها وفرضتها القوى والمصالح الامبريالية، من غرب اوروبا على وجه الخصوص.
وفي اطار الحدث التاريخي الذي شهدته الحاضرة الاندونيسية التي احتضنت المؤتمر المذكور كان لقاء شوين لاي رئيس وزراء الصين مع نهرو رئيس وزراء الهند.. فيما كان العامل الاهم او المستجد بالنسبة للوطن العربي هو لقاء هذين الزعيمين التاريخيين بكل مقياس- مع قائد شاب وافد من دنيا العرب ولمّا يجاوز عمره وقتها سن التاسعة والثلاثين وكان اسمه.. جمال عبد الناصر.
لقاء هام
والأكيد ان "ناصر" عاد الى موقع قيادته في القاهرة وقد اتسعت مداركه وتعمقت تجربته وخاصة عندما فوجئ على غير توقع بأن الزعيم الصيني "شوين لاي" قد خفّ الى استقباله في المطار وعلى خلاف مراسم البروتوكول المتعارف عليها، فضلاً عن احاديث دارت ولا شك بين الطرفين في أروقة باندونغ وبين كواليس اجتماعاتها ولقاءاتها حول تجربة بلد في اقصى الشرق من قارة آسيا..
يكاد يبلغ تعداد سكانه المليار نسمة ولكنه كان معزولا او شبه معزول عن معظم انحاء وأبعاد الساحة العالمية في ذلك الوقت، بسبب ما اتخذته الولايات المتحدة من إجراءات تجمع بين ترغيب او ترهيب الدول والنظم السياسية وتقصد الى عدم الاعتراف بدولة الصين الشعبية التي أرسى دعائمها شوين لاي المثقف ابن الاصول..
وزعيمه ماوتسي تونغ الذي قاد ثورة شعب الصين على مدار سنوات عديدة من عقود النصف الاول من القرن العشرين الى ان تسنى لهما إعلان دولة الصين الشعبية وعقيدتها الماركسية في عام 1949.
اعتراف مبكر
وما إن حل عام 1956 حتى فوجئ العالم بتلك الخطوة الجسورة التي اتخذها جمال عبد الناصر تجسيدا لما نَصِفه موضوعيا بأنه مبادرة الشجاعة السياسية حين اعلن اعتراف القاهرة بدولة الصين الشعبية.. وكان "ناصر" في ذلك يعمل حثيثا وبغير جلبة او إعلان على تمهيد الارضية لقرار استرداد مصر قناة السويس من ايدي مغتصبيها ومستغليها الانجليز والفرنسيين..
وكان من تدابير هذا التمهيد إنشاء علاقات جديدة مع دولة الصين الشعبية التماسا لتأييدها ومساندتها لقرار تأميم قناة السويس الذي مازال يَعُده مؤرخو تلك الحقبة بمثابة آخر مسمار يُدق في نعش الامبراطورية البريطانية وآخر خيط من شموسها التي لم تكن تغرب عن ممتلكاتها عبر ساعات اليوم الأربع والعشرين.
المد بعد الانحسار
ولقد أتى حين من الدهر على العلاقات بين الصين ومصر، ومعها العالم العربي، شهدت خلاله هذه العلاقات حالات من الجزر والانحسار على نحو او آخر وخاصة مع تحويل قاهرة - السنوات الاربعين الاخيرة بوصْلتها السياسية ودفّة علاقاتها الدولية الى الغرب وبالذات الولايات المتحدة وهو ما اصاب العلاقات الصينية- العربية بعوارض الجمود او البرود.
فما بالنا وقد شهدت هذه الحقبة، الاربعينية كما وصفناها، تحولات جذرية ومشهودة بكل المقاييس طرأت على الصين نفسها وخاصة بعد ان رحل زعيمها "ماو" في السبعينات ورحلت معه آفة التمسك بالدوغما- السياسية او التمسك بالجمود التنظيري الذي كاد يُخضع تطورات الواقع الى مقولات النظرية وطروحات الاجتهادات العقائدية ليخلفه زعيم من طراز ديناميكي وبرغْماتي مختلف هو دنغ هيساو بنغ الذي جمع بين انتهاج سبيل الانفتاح وإسقاط جمود النظريات وبين الأخذ بيد صين- الثمانينات الى حيث التنمية والاستنارة والتفاعل الايجابي الحر مع كل ما يرتبط او يحقق المصالح الوطنية للصين.
المهم ان عاد "العامل- العنصر الصيني" ليفرض نفسه على آليات الفكر والتحليل السياسي في مصر وربما في الوطن العربي بشكل عام.
والحاصل ان هذا البعد الصيني لم يكن غائبا تماما عن اطر التحليل والتفكير والاجتهاد السياسي العربي.. فكم انشغل العالم العربي بتطورات ومآلات ما كان يوصف منذ آواخر الخمسينات ومطالع الستينات من القرن الماضي بأنه "الخلاف الصيني- السوفييتي".
في تلك الفترة شعرت اقطار العالم الثالث، بقدر لا يخفى من الإحباط إزاء انقسام ما كان يوصف بأنه المعسكر الاشتراكي المناوئ بحكم التعريف للمعسكر الرأسمالي الذي كان يضم بداهة دول غرب اوروبا والولايات المتحدة الاميركية.
الصعود الصيني
ولأن التغير او الصيرورة هما القانون الذي تتحرك بموجبه مسيرات ومصائر الامم والشعوب، فقد شاءت الاقدار ان ينهار هذا المعسكر الاشتراكي وأن يزول زعيمه الاتحاد السوفييتي من فوق خارطة العالم.. فيما كانت الصين تحت حكم خلفاء دنغ هيساو بنغ تشق طريقها منذ عقد التسعينات بالذات كي تطرق بإلحاح مشهود أبواب القرن الحادي والعشرين وقد حققت تقدما مرموقا وموثقا بالارقام- على طريق النمو والتقدم الاقتصادي.
وعلى الضفة الأخرى من هذه الظاهرة، ومع السنوات الثماني الاستهلالية من القرن الجديد.. كانت أميركا في حال من التراجع او الانحسار بصورة او بأخرى وخاصة خلال حكم ونفوذ فصيل "المحافظين الجدد" الذين سيطروا وقتها على معظم مفاصل الدولة الاميركية إبّان حقبة الرئيس جورج بوش- الابن التى تبددت خلالها حصائل الفائض الاقتصادي الذى كان قد تحقق في الدخل القومي الأميركي مع أواخر رئاسة بيل كلينتون، فيما تبدد او كاد يتبدد موقع اميركا ذاتها بوصفها القطب القيادي الأوحد في عالم الالفية الثالثة بعد ان أصبح غريمها السوفييتي من سقط متاع التاريخ.
تقارب العملاقين
ومع تورط اميركا- بوش والمحافظين الجدد فيما انغمست في غماره من حملات عسكرية اقرب الى المغامرات غير المحسوبة، ولاسيما في افغانستان والعراق. كان كل من الطرفين الكبيرين في موسكو وبيجين يتخذ خطواته وئيدا، وربما بغير صخب سياسي او قرقعة للسلاح..
الى حيث يحاول كل منهما تحقيق مصالحه الوطنية: موسكو- بوتين بالذات تحاول استرجاع دور دولي او عولمي مهّم كان قد ضاع منها بعد مرحلة غورباتشوف الى ان تم إهداره تماما خلال رئاسة بوريس يلتسين في التسعينات.. اما بيجين فقد عمدت الى مواصلة خطاها المتقدمة تحت رئاسة هوغنتاو ورفاقه في دولاب الحكم وفي دوائر الحزب الحاكم في الصين..
ولكن مع التركيز بالذات على الجانب الاقتصادي والإنتاجي والابعاد الانمائية، وبأسلوب نراه من جانبنا اقرب الى النفاذ الحثيث او الاقتراب غير المباشر او هو التسلل السياسي الذي يستخدم بالذات أدوات التعاون الاقتصادي مع دول نامية تحتاج الى هذا التعاون، وخاصة في أصقاع افريقيا السمراء جنوبي الصحراء الكبرى.
مفكر أسترالي
لا سبيل موضوعيا الى تحديد نقاط اللقاء او التواصل المصلحي بين روسيا والصين وإن كان هناك من محللي الشأن الصيني من سبق الى التنبيه الى ان ثمة ظاهرة مستجدة في عالمنا.. او فلنقل ان عمرها الآن يبلغ نحواً من ثلاث سنوات وهي ظاهرة مهمة يمكن تلخيصها في العبارة الموجزة التالية:
شراكة استراتيجية
المهم ان هذه الدراسة تـرصد ظهور واكتمال ما يصفه الباحث بأنه "شراكة استراتيجية" متوقعة تجمع بين روسيا والصين في فترة قريبة مقبلة.. بل إن صاحب الدراسـة يـزيد على ذلك فيخلع على هذه الشراكة الوصف الدال التالي:
«محور المصلحة»
وقد اخترنا ترجمة هذا المصطلح على هذا النحو باعتباره أقرب كما نتصور- الى زواج المصلحة الذي لا يتم عن محبة او إعجاب وإنما تقضي به الملابسات والظروف.. والمصالح أيضا.
ومن عوامل هذه الشراكة ان الطرف الروسي سوف يخوض غمارها مشاركاً بكون روسيا، كما يصفها الباحث الاسترالي، قوة عظمى في مجال الطاقة (بفضل انتاجها واحتياطياتها من النفط والغاز الطبيعي) في حين ان الطرف الصيني من المقدر ان يشارك أولاً باتساع السوق على صعيده وقدرته على "غمر" اسواق الاستهلاك في العالم (اميركا بالذات) بأكبر كمّ من السلع المصنّعة وشبه المصنّعة فضلاً عن تحولات الدور الصيني من الناحية الجيوسياسية (الجيوبوليتيكية) مما يجعل الصين هي القوة المهيمنة بصورة او بأخرى في منطقة شرقي آسيا.
مصطلح "المحور"
وفي تصورنا، فإذا كانت هذه العلاقة او هذه الشراكة المرتقبة بين الصين وروسيا.. أمرا يمكن ان يؤرق مضاجع الولايات المتحدة.. خاصة وأنها تشارك الصين- كما هو معروف- الإطلالة على مياه المحيط الهادئ.
وهو ما يجعل من اميركا بحكم الواقع الجغرافي دولة باسيفيكية ذات مصير مشترك مع دول اقصى الشرق وأقصى الجنوب من القارة الآسيوية وفي اطار منظومة "إيبك" بالذات فإن العالم العربي لا بد وأن يصدُر في مثل هذا السياق عن منطق الوعي والادراك والرصد لما عساه يحدث عندما يكتمل نضج هذه الشراكات المتوقعة بين قوى كبرى كي لا نقول عظمى- في حجم روسيا والصين.
ولقد عمد الباحث الاسترالي الذي ألمحنا إليه الى استخدام مصطلح "محور" في وصفه لتلك الشراكة التي يتوقع قيامها بين كل من بيجين وموسكو، وهو اول من يدرك، ونحن أيضا، ان لفظ "المحور" له إيقاعه التاريخي بل والنفساني الخاص في أجرومية المصطلح السياسي في الغرب بشكل عام..
فقد خاض الحلفاء صراع الحرب العالمية الثانية ضد "المحور" الذي كان مؤلَّفا كما هو معروف- من المانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان الامبراطورية.. ثم.. عمدت إدارة بوش خلال سنواتها الثماني في واشنطن الى استخدام تعبير "محور.. الشر" لتصف بهذا المصطلح المستجد دولاً ونظماً سياسية الصقت بها واشنطن تهمة دعم ومؤزارة الارهاب.
وفيما نسلّم طبعا بأن موسكو وبيجين تضمهما أصلاً مجموعة الاقتصادات المستجدة الناهضة (البريكس) التي لا نفتأ نشير اليها في اكثر من مبحث ودراسة، وهي تضم أيضا كلاً من البرازيل والهند وربما جنوب افريقيا- إلا أن ارتقاب شراكة ثنائية قد تلوح في المستقبل.. وتضم كلاً من الصين وروسيا.. انما تمثل في نهاية المطاف رقما صحيحا ومؤثرا وربما جريئا في معادلة التوازن الدولي وبما يخلف تأثيراته السياسية والاقتصادية على أوضاع العالم بشكل أكثر من ملموس.
مصطلح المحور
ها هو مصطلح "المحور" يطّل في مضمار البحث والتحليل السياسي من جديد.. وإن كان محورا للمصالح يضم كلاً من روسيا والصين.. وكم كان خلافهما متقد الأوار خلال سنوات الملاحاة العقائدية الشيوعية، الذي جعل كلا الطرفين يتنافسان على زعامة العالم الشيوعي والاشتراكي، ويتبادلان الاتهامات بالانحراف الايديولوجي عن طروحات ماركس وانجلز..
وكان ذلك كما أسلفنا مع نهايات الخمسينات ومطالع الستينات من القرن المنصرم، ولا سيما بين الزعيمين الصيني ماو والسوفييتي خروشوف، هذا إلى جانب الصراعات بين البلدين على الحدود الطويلة الممتدة لآلاف الأميال بينهما، والتي كادت في بعض الأحيان تصل للصدام المسلح.
تغيير موازين القوى من الغرب إلى الشرق
جاءت زيارة الرئيس المصري "محمد مرسى" الى الصين في الآونة الاخيرة لتشكل مؤشرا على امكانية تحويل اهتمامات السياسة والدبلوماسية في الوطن العربي عن تركيزها الذي ظل متواصلاً عبر العقود الاخيرة على الغرب في اوروبا واميركا الى دول الشرق في آسيا وفي مقدمتها الصين بطبيعة الحال، خاصة وان الصين ظلت تربطها بالعالم العربي علاقات وثيقة، بل وصميمية، في بعض المراحل، ولاسيما بعد ان أقدمت قاهرة - عبد الناصر عند منتصف عقد الخمسينات من القرن العشرين على الاعتراف بدولة الصين الشعبية، في خطوة اتسمت بقدر لا يخفى من الجسارة السياسية، وهو ما ساعد على اخراج الصين، التي لم يكن عمرها وقتئذ يتجاوز 7 سنوات، من عزلتها التي كانت مفروضة عليها من خلال الحصار السياسي الذى فرضته في تلك الفترة الولايات المتحدة الاميركية.
وقد شهدت العقود الاخيرة من القرن الماضي تطورات الاحوال، في داخل الصين ولاسيما بعد رحيل زعيمها "ماو" الذي تلاه الزعيم "دنغ هيساو" الذي استطاع ان يحّول مسيرة بلاده الى حيث الانفتاح على العالم والتخلي عن الجمود المذهبي والدوغما العقائدية لصالح النهج العملي والمصلحة الاقتصادية، وهو ما فتح الطريق عند نهايات القرن، ومع بداية الالفية الثالثة، لنهوض الصين التي حققت معدلات مرموقة في مضمار التنمية، وهو ما دفع الدارسين ومحللي السياسة الى توقّع قيام ما وصفوه بأنه "محور المصلحة" او الشراكة الاستراتيجية الجديدة والمرتقبة بين روسيا والصين، وذلك عامل كفيل بأن يؤثر بعمق على مسار العلاقات في العالم.
ولقد شهدت العلاقات بين موسكو وبكين تطورا ملحوظا بعد تولي فلاديمير بوتين رئاسة روسيا عام 2000، بينما في عهد سلفه بوريس يلتسين كانت علاقات أشبه بالمتجمدة بسبب توجه نظام الرئيس الراحل يلتسين الواضح نحو الغرب وواشنطن، وإهماله الكبير لآسيا وإفريقيا، أما الرئيس بوتين صاحب طموحات عودة الدولة العظمى فقد أولى اهتماما كبيرا للصين، ويلاحظ أن بوتين في بداية فترات رئاسته الثلاث كان يبدأ زياراته الخارجية بالصين.
وتطورت العلاقات بين البلدين بشكل كبير في كافة المجالات، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وزاد التقارب بين البلدين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم مع روسيا والصين أربع دول، من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الواقعة في منطقة وسط أسيا، كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزيا، وزادت أهمية هذه المنظمة بشكل كبير بعد المناورات العسكرية الكبيرة المشتركة بين الدول أعضائها، والتي أثارت قلق واشنطن بشكل كبير، وقيل عنها إنها مشروع لحلف عسكري أسيوي كبير تقوده روسيا والصين معاً.
كما اتضح التقارب بين روسيا والصين في الواقف السياسية إلى حد التطابق، وقد شاهدنا الفيتو الثنائي المتكرر منهما في مجلس الأمن الدولي في الأزمة السورية، وموقفهما المشترك من أحداث الربيع العربي، ومن أزمة البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي يثير شكوكا وقلقا لدى الغرب وواشنطن من مشروع تحالف استراتيجي بين البلدين قد يضم معهما بلدانا أخرى مثل الهند وإيران وغيرهما.
ومع تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية وانتقال ثقل الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق تظهر روسيا والصين بمظهر الدول القوية التي لم تعان من الأزمة المالية العالمية بالقدر الذي تعانيه الدول الأوروبية، والآن البلدان يتصدران قائمة الدول التي تملك أعلى رصيد من احتياطات العملات الصعبة بالقدر الذي جعلهما من أكبر الدول الدائنة للدول الأخرى في العالم الآن.

