كان الموعد هو الخميس.. 30 اغسطس الماضى.. هو اليوم الذى تركزت فيه انظار المراقبين والمحللين السياسيين على الولايات المتحدة.. وبالتحديد على مرشح الحزب الجمهوري المعارض- السيد "ميت رومني".. وبتحديد اكثر على ما سوف يطرحه "رومني" من افكار وتصورات بشأن قضية محورية مابرحت تحوز الاهتمام الدولي بشكل عام.. والقضية هي باختصار شديد:
٪٪ 2013.
الدور المحوري
وبصرف النظر عن شخصية وتوجهات ساكن البيت الرئاسى في واشنطن.. وسواء نجح الحزب الديمقراطي الحاكم في تجديد الولاية الرئاسية لمرشحه باراك أوباما اربع سنوات اخرى، وهي بداهة الحقبة الثانية والاخيرة على نحو ما يقضي به الدستور.. او كان النجاح حليفا للمنافس الذي رشحه الحزب الجمهوري ليكون هو الرئيس المقبل للبلاد- فالشاهد ان اوساطا عالمية شتى كان عليها ان ترصد المشهد السياسي الاميركي بكل ابعاده الراهنة وبكل تطوراته المحتملة. ويرجع هذا كله الى الدور المحوري الذي تضطلع به الولايات المتحدة على مسرح السياسة الدولية، وبالتحديد الموقع الذي مازالت تشغله، وخاصة بعد زوال الكيان الروسي- السوييتى وقد كان خصمها السابق خلال العقود الاربعة وربما تزيد التي استغرقتها حقبة الحرب الباردة.. وخاصة ايضا في ضوء تطورات العقدين السابقين.. وهما آخر عشرية من القرن الماضي واول عشرية من الالفية الثالثة.
قوى جديدة
وخلال هذه السنوات العشرين.. توهجت، ومن ثم ذبلت حتى لا نقول انطفأت توقعات شتى.. كانت تراهن على بروز وصعود قوى مستجدة على ساحة السياسة الدولية. وانعقد الرهان على ان تصبح هذه القوى بديلا يعتد به عن قيادة الولايات المتحدة على تلك الساحة العالمية بكل همومها وآفاق مستقبلها.. وكان في طليعة هذه القوى التى انعقدت عليها الآمال كيانان أساسيان هما:
.. (1) الاتحاد الأوروبــــي
.. (2) مجموعة البريكس (الاقتصادات الصاعدة في البرازيل وروسيا والصين والهند وجنوب افريقيا).
ولقد سبق مفكرون واكاديميون الى المراهنة على قوة وصعود وعافية الاتحاد الأوروبي في حقبة ما بعد الحرب الباردة.. وكان في مقدمتهم مثلا الاكاديمي الاميركي الراحل "صمويل هنتنغتون" استاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد صاحب نظرية "تصادم الحضارات" التى ذاع صيتها مع اواسط عقد التسعينات من القرن العشرين.
والمعروف ان النظرية المشار اليها حاولت الجمع بين العنصر الاميركي والعنصر الاوروبي في مقولة واحدة او في كيان موحد اطلق عليه "هنتنغتون" تعبيرا بسيطا ودالا وهو: الغرب
ثم صاغ الرجل في لغته الانجليزية عبارة تدل على حقيقة التنافس- او التصادم الذي تطرقت اليه نظريته. والعبارة هي" ذي وِست (مقابل) ذي رِست".
ومعناها بداهة ما يلي: الغرب في مواجهة الآخرين
شركاء الأطلسي
وكان في ذلك اشارة، مستترة كما نفهمها، الى ان اميركا المثقلة بهموم تركة فيتنام وبمشاكلها الاقتصادية وخاصة ما يتعلق بقضايا الطاقة توافرا وتسعيرا، انما تكتمل ويتأكد قدراتها ودورها القيادي اذا ما اضيف اليها امكانات ابناء العم او ذوي القربى من مشاركيهم في المحيط الاطلسى جغرافيا ومن رفاقهم سياسيا وعسكريا في محالفة شمال الاطلسي (الناتو) على وجه التحديد.
لكن ها هي الاوضاع تتغير.. ومعها تكاد تذوب واحيانا تنصهر سخونة الآمال العراض التى سبق وعقدوها على تطور كيان الاتحاد الاوروبي- وخاصة بعد وثيقة تأسيس الاتحاد التي عرفت باسم معاهدة "ماستريخت".
في هذا السياق يكتب من جامعة اكسفورد في انجلترا واحد من أعلام المفكرين السياسيين هو البروفيسور "تيموثي غارتون آش" دراسة موجزة وموحية ايضا يشكك فيها ازاء قدرة اوروبا- الاتحاد والكيان- على الحفاظ على دورها الفاعل- دعك من دورها القيادي- على ساحة السياسة الدولية.
تبادر الدراسة، المنشورة مع اول ايام سبتمبر الحالي، الى الاعتراف بأن اوروبا مازالت تبدي قدراً لا يمكن انكاره من التميز بل التفوق فى عدد من الميادين..
و.. خذ مثلا:
.. حصلت اوروبا على اكبر عدد من الميداليات في أولمبياد لندن الأخيرة.
.. مازالت تملك اوروبا (يقصد الاتحاد) اكبر اقتصاد من حيث الحجم- في العالم.
لكن المفكر السالف الذكر لا يلبث مع هذا التسليم.. يعود ليوضح ان الدور الاوروبي في ميدان السياسة العالمية لم يعد من القوة على نحو ما كان متوقعا.
عوامل التراجع
وهو يورد في هذا السياق خمسة عوامل نحاول ايجازها على النحو التالي:
.. أولا : شحوب الذاكرة الجمعية في اوروبا، وبمعنى ان فكرة توحيد القارة الاوروبية سبق وان تولدت ثم استقرت في بؤرة الاهتمام لدى اجيال عاشت وعملت وقادت عبر سنوات النصف الاخير من القرن العشرين.. وهي سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وخلالها كان وجدان تلك الاجيال واعيا وكانت ذهنيتها نابضة ومتقدة بذكريات الحرب وتداعياتها.. وكان ذلك بمثابة قوة دافعة لقيام الاتحاد الاوروبي على اختلاف أطواره التى مر بها من الخمسينات الى التسعينات. اما الآن فقد راحت تلك الاجيال او اخلت الساحات بحكم وهن السن والجهد والتقادم- الى اجيال زعامات جديدة لا علاقة لها بذكريات صراع عالمي اشتعلت نيرانه ثم خمدت منذ اكثر من 65 عاما ومن ثم فما برح الاتحاد الاوروبي يفتقر الى تلك القوة الدافعة التى كانت فاعلة في سالف الايام.
اختفاء العدو
.. ثانيا: اختفى الخصم السوييتى وتحولت عقيدته الماركسية ونظامه الشيوعى ومنظومته الشرق- اوروبية الى متاحف التاريخ- واختفى مع هذا كله العدو الذي كان وجوده وتحركاته دافعا يحفز الغرب (اوروبا واميركا) على التحرك والتأهب والتضامن والنمو.. ابتداء من مشروع لتعمير اوروبا.. وحتى اعادة توحيد شطري المانيا ومن ثم بناء كيان الاتحاد الاوروبي. ثم ترجم هذا التطور نفسه الى حالة من اعادة ترتيب الاولويات.
.. ثالثا: انطلقت المانيا الموحدة، على مدار التسعينات المنصرمة، من نظرة يراها صاحب هذه الدراسة البروفيسور "آش" اقرب الى المثالية السياسية حيث كانت المانيا تقوم بدور قاطرة الاتحاد فيما عهدوا الى فرنسا بامساك عجلة ادارته.. اما الآن فقد تحقق لالمانيا استقرار اقتصادي ومن ثم استقرار سياسي.. ولم تعد لديها تلك النزعة التوحيدية التى كانت تدفعها احيانا- وعلى حد تعبير البروفيسور "آش"- الى ان "تتلمس دفتر شيكاتها" لتلبية اي مطلب يرفعه اليها اي طرف في الاتحاد الاوروبي.
رابعا: زمان كانت دول شرق اوروبا متلهفة على الخروج من المنظومة السوفييتية من باب تأكيد حرية قرارها بعيدا عن الايديولوجيات الماركسية او الشيوعية.. اما وقد تحقق لكل من تلك الاقطار الاستقلال والانعتاق السياسي- المذهبي فقد بات كل منها مشغولا بكيانه الخاص ولم تعد لديها لا الرغبة الحارقة ولا اللهفه المشوقة الى الاسهام الفاعل في مسيرة الكيان الذي يحمل اسم الاتحاد الاوروبي.
فائدة الاتحاد
.. خامسا: واخيرا تلفت الدراسة النظر الى ما اصبح يراود اجيال الشباب في عدة دول اوروبية ازاء الاتحاد.. وبخاصة شباب بلدان مثل اليونان او اسبانيا او البرتغال.. وربما ايطاليا في مرحلة ليست بالبعيدة.. وعلى شفاه كل منهم سؤال حائر يقول:
- هل حقق لنا الاتحاد، كما كان مأمولا؟
- هل تحقق لنا مستوى افضل للمعيشة ومن ثم مظلة الامن والضمانات الاجتماعية؟
والجواب هو بالسلب بطبيعة الحال.. يشهد بهذا ازمات منطقة اليورو النقدية ويشهد به ايضا تفاقم معضلة المديونية على كواهل عدد من دول الاتحاد في جنوب اوروبا بالذات. ويشهد به كذلك ما يصفه البروفيسور "تيموثي غارتون آش" بانه اشتداد أوار المنافسة العالمية التى باتت اوروبا الموحدة تواجهها من جانب القوى الصاعدة المنافسة في مجموعة بريكس- ومنها بصفة خاصة الصين التي تتصدر اطراف تلك المجموعة من الاقتصادات الصاعدة.
خيبة أمل
في ضوء هذه الاعتبارات بكل ما انطوت عليه كما اسلفنا- من تطورات.. واحيانا تراجعات فقد جاءت كلمات السيد "ميت رومني" في احتفالات فلوريدا، على نحو ما اسلفنا في مفتتح هذا الحديث.. لتشكل خيبة أمل بالنسبة لمراقبي الشأن السياسي، وفي ضوء ما كان متوقعا من مرشح يطمح إلى رئاسة بلد مازال له دور قيادي رغم كل شيء في تسيير دفة الأمور في هذا العالم الذي نعيش فيه.
ورغم مظاهر الاحتفال المائج الى حد الصخب الكرالي فما بالنا وقد شارك النجم السينمائي الشهير "كلينت ايستوود" الذي اعرب بالطبع عن انتماءاته المحافظة للحزب الجمهوري.. وطالب "بانهاء قيادة الرئيس اوباما لأميركا كي يحل محله مسؤول آخر يحل المشكلات.. الخ" الا ان جانب السياسة الخارجية لأميركا المستقبل (طبعا على فرض نجاح الجمهوريين) كان مخيبا للآمال بكل مقياس.
لقد استغرق خطاب المرشح الجمهوري في تامبا بولاية فلوريدا 39 دقيقة كاملة. ولكن قضايا السياسة الدولية ودور اميركا على المسرح العالمي لم تحظ سوى ببرهة زمنية يسيرة قوامها ثلاث دقائق فقط لا غير.
ابهام وغموض
وربما بسبب هذه المساحة الزمنية التى لا يؤبه بها موضوعيا.. فقد اقتصر المرشح الجمهوري على الاشادة بما درجت عليه دعايات ساسة اميركا على اختلاف مشاربهم من الاشادة بما يصفونه بأنه "الاستثنائية الاميركية" بمعنى دور اميركا غير الاعتيادى.. اي المتميز الى حد الامتياز طبعا.. على مستوى العالم. وبعدها جاءت عبارات "رومني" في صياغات فضفاضة.. وشبه مبهمة وغير محددة وبحيث تستعصي بداهة على تحليل المضمون او استقراء المعانى واستخراج الدلالات التي يمكن من خلالها الاستدلال على المواقف التى يمكن ان يتخذها مرشح حزب عتيد معارض قد يصبح مع نهايات العام الحالى رئيسا لواحد من اهم اقطار عالمنا.
وثمة رأي لا سبيل الى تجاهله طرحه الكاتب الاميركى "بريان كاتوليس" وهو مفكر سياسي ومحلل اكاديمي متخصص في سياسة الولايات المتحدة ازاء الشرق الاوسط وجنوب آسيا.
وهذا الرأي يذهب الى ان الابهام او الغموض ما هو سوى استراتيجية متعمدة في خطاب المرشح "ميت رومني". لمــــــــاذا؟ لأن حزبه الجمهوري يعانى نوعا من الانقسام ازاء سياسة الامن القومي ومن ثم ازاء قضايا وتوجهات السياسة الخارجية.. ولان السيد رومني لم يستطع حتى الآن ان يردم هوة هذه الانقسامات.. وقد يكون مثل هذا التفسير صحيحا.. وقد لا يكون.. وهو ما سوف تكشف عنه تطورات الايام القادمة.
أميركا وأوروبا والشرق
من الملاحظ أن العلاقات بين ضفتي الأطلسي ( أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ) باتت تتراجع ولم تعد على ما كانت عليه من قبل، وبالتحديد ما قبل الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008 من نيويورك وأصابت أوروبا بشكل مباشر، بينما مازالت الولايات المتحدة التي هي موطن الأزمة متماسكة وقوية اقتصاديا وماليا، لكنها لم تعرض مياعداتها على الأوروبيين في أزمتهم التي اضطروا فيها للجوء، حتى إلى روسيا والصين لطلب المساعدات المالية، الأمر الذي جعل الكثيرين يتصورون أن العلاقات الأوروبية الأمريكية باتت عند مفترق طرق بسبب الأزمة المالية العالمية، وأن البساط ينسحب من تحت أقدام أميركا في أوروبا ليذهب تحت أقدام قوى أخرى قادمة من الشرق.
أزمة أميركية ومعاناة أوروبية
بعد عامين من انتهاء الأزمة المالية أطلت أزمة الدين الأوروبي برأسها لتهدد أوروبا والاقتصاد الأميركي، فقد سعى وزير الخزانة الأميركي تيموثي غيثنر ورئيس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي من خلال اتصالات مكثفة مع الزعماء الأوروبيين لمنع الأزمة الأوروبية من الامتداد عبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة.
وقالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن الرجلين كان لهما الفضل في التخطيط لحزمة الإنقاذ الأميركية التي ساهمت في إنقاذ النظام المصرفي الأميركي ومنعت الاقتصاد من السقوط في كساد كبير.
لكنها أشارت إلى أنه منذ 2008 حدث الكثير من المتغيرات. فقد قل عدد الأدوات التي يمكن استخدامها كما نقص عدد المؤيدين الذين يعززون جهودهما في الوقت الذي أصبحت فيه الأزمة الأوروبية تشكل خطرا أكبر على الاقتصاد الأميركي.
ومع الخوف من امتداد أزمة الدين الأوروبي شهدت أسواق المال في الولايات المتحدة والأسواق العالمية اضطرابا كبيرا. وتخشى الأسواق من عودة الركود إلى الاقتصاد الأميركي بعد خفض تصنيف الولايات المتحدة الائتماني.
وقالت واشنطن بوست إن أدوات غيثنر أصبحت محدودة بالنظر إلى المقاومة التي تواجهها إدارة الرئيس أوباما في الكونغرس. فأي اقتراحات لإنعاش الاقتصاد ستواجه بشكوك من قبل الجمهوريين.
وبدلا من أن يركز غيثنر كل جهوده على الاقتصاد الأميركي الضعيف والخطر الذي تمثله الأزمة الأوروبية قضى غيثنر معظم الأشهر الماضية يخطط لكيفية إقناع الكونغرس بزيادة سقف الدين لمنع إعلان إفلاس الحكومة.
ومن جهته كان برنانكي يسعى خلال السنوات الثلاث الماضية إلى إنعاش الاقتصاد لكنه استهلك جميع الأدوات المتاحة بما في ذلك خفض سعر الفائدة إلى الصفر. كما أنه يواجه معارضة من اللجنة المالية الخاصة في الكونغرس التي تشعر بالقلق إزاء احتمال ارتفاع التضخم وتفجر فقاعات مالية جديدة.
بعض المسؤولين الأميركيين يخشون من أن ما لدى الحكومة من أدوات حاليا أقل من 2008 لإنقاذ مؤسسات مالية قد تتعرض لأزمة إذ إن الأدوات الاقتصادية المتاحة للرئيس أوباما مقيدة بقيود سياسية من أهمها قيود ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية.
وقد حثت واشنطن الاقتصادات الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا على مساعدة الاقتصادات الضعيفة كما حثت الاقتصادات الضعيفة على اتخاذ إجراءات تقشف أكثر صرامة لكن يبدو أن الأوروبيين لم يرحبوا بمثل هذه المقترحات التي تطالبهم بإجراءات أكبر.
وقد تعلقت انظار المحللين السياسيين ومراقبي الشأن الأميركي بالخطاب الذى ألقاه في تامبا بولاية فلوريدا السيد "ميت رومني" الذى اختاره الحزب الجمهوري المعارض ليدخل سباق الرئاسة المرتقب في نوفمبر من العام الحالى ضد مرشح الديمقراطيين الرئيس الأميريكي "اوباما". وقد راع هؤلاء المراقبين ان خطاب رومني الذي استغرق 39 دقيقة لم يتطرق الى قضايا السياسة الدولية وابعاد المشهد العالمي الا في حدود 3 دقائق فقط لاغير(!) تحدث فيها المرشح الرئاسي الجمهوري عن موقع اميركاالاستثنائي في العالم دون ان يتطرق الى اهم القضايا الملحّة التى مازالت مطروحة على الساحة العالمية ولايزال من المهم تحليل ابعادها ومستجداتها رغم تجاهل المرشح الرئاسي الاميركي لتلك الابعاد وما تنطوي عليه من تطورات وخاصة ما يتعلق بالاتحاد الاوروبي الذي يعد ظهيرا سياسيا للولايات المتحدة منذ نشأته مع انتصاف القرن العشرين.

