بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.. وفي اوج الشعور بالانتصار على ادولف هتلر ومنظومته الالمانية النازية.. وقف رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل (1874-1965) خطيبا في منتدى سياسي عقدوه في كندا، وأراد ان يغمز من قناة الكرملين الروسي وزعيمه الشيوعي في تلك الايام جوزيف ستالين (1879-1953) فكان ان اطلق تشرشل ببلاغته المعروفة في آداب الانجليزية شعاره الشهير الذى قال فيه:
- ان ستارا حديديا ينزل الآن على اصقاع اوروبا الشرقية كي يعزل شعوبها عن تطورات الامور في عالم ما بعد الحرب.
الولع بالشعار
وكان بديهيا ان تتلقف ميديا الاعلام في تلك الايام- وفي اوروبا الغربية والولايات المتحدة بالذات.. قولة تشرشل وأن ترددها وتصنع منها شعارا ظل يتردد في تلك الارجاء ومن ثم في طول عالمنا وعرضه على مدار السنوات الاربعين الفاصلة بين عقدي الخمسينات ومطالع التسعينات.. بكل ما تفرع عنها من اوصاف ومسميات وشعارات من قبيل دول الستار الحديدي.. أو.. فكر الستار الحديدي.. او شعوب الستار الحديدي.. وكان المقصود في هذا كله هي الدول التي وصفت نفسها في تلك الفترة بالذات بأنها دول المعسكر الاشتراكي التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي وعقيدته الماركسية- الشيوعية في ذلك الزمان. والحق ان ميديا الاعلام لا تخفي شغفها الشديد بمثل هذه الشعارات التي يعمد فيها واضعوها ومروجوها الى تلخيص بالغ التكثيف لما يستهدفون نشره وتعميمه من افكار تروق لهم او افكار يودون محاربتها لأنها صادرة بداهة عن معسكر الخصوم.
الدول المارقة
ألا ترى مثلاً الى حقبة بيل كلينتون الرئاسية في آخر سنوات القرن الماضي وقد تعّمدت الاشارة الى خصومها من دول عارضت السياسة الاميركية وربما لاتزال تعارضها.. وكان من بينها اقطار مجاورة لأميركا (فنزويلا مثلًا) او اقطار قصية عنها (كوريا الشمالية مثلًا) ويومها اطلق الجهاز الدعائي للبيت الابيض شعاره الشهير الذى وجد طريقه بدوره الى الرواج والانتشار وهو: الدول.. المارقــة
وهي الترجمة التي اختارتها الدوائر العربية بالأمم المتحدة لترجمة المصطلح الإنجليزي (Rogue) الذى يمكن ان ينصرف الى كل معنى سلبي في وصف السلوك الفردي الإنساني ما بين الشقي الى الوغد وما بين المنحرف الى الشرير.. الخ.
على ان اشهر الشعارات التي راجت في آفاق العالم.. هو الذي ذاع مع السنوات الاولى من القرن الواحد والعشرين.. وهي سنوات ولاية الرئيس السابق جورج بوش- الابن على وجه التحديد.. ولاسيما في اعقاب حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2011. صحيح ان كانت تلك الفترة تحفّ بها شعارات تتمحور حول الارهاب الدولي.. والدول راعية الارهاب وبعضها لم يكن ليتورع عن الربط بين "إرهابي" و "مسلم".. و.. حدّث عن اصحاب المصلحة في هذا الربط المتعسف المفتري وفى مقدمتهم بالطبع الدوائر اليهودية الصهيونية في اميركا وهي الرديف الطبيعي في تأييد كيان الاستيطان الاستعماري الصهيوني في وطن الشعب العربي الفلسطيني.
محور الشر
لكن الشعار الذي اعترف له اهل المهنة والاختصاص من ساسة او اعلاميين كان يتلخص في عبارة بالغة الإيجاز فصيحة الدلالة وهي: محور الشر.
وعندما وردت هذه العبارة في سطور الخطابات السياسية التي كان يلقيها جورج بوش خلال ايام رئاسته في اميركا- كان الفرقاء يتساءلون عن المصدر الاحترافي الحاد الذكاء الذي تمكن من اختيار مقاطعها ودقة سبكها الى حيث باتت حافلة بالعديد من الدلالات.
كيف لا.. وقد استخدم المصدر المذكور مصطلح "المحور" وكان بهذا يستعيد الذكريات السوداء التي ما برحت راسخة في العقل الجماعي الغربي (الأوروبي- الأميركي) من حيث ارتباطها بويلات الحرب العالمية الثانية.
صحيح ان تشرشل اطلق كما اسلفنا- شعار الستار الحديدي في بداية صراع الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والشرق (الأوروبي الشيوعي).
وصحيح ان الشرق المذكور اعلاه عمد الى حماية نفسه فكان ان حاول الترويج لمصطلح "القوى التقدمية او معسكر التقدم" الذي ربط بين عقيدته الاشتراكية ايامها وبين مفردات وآليات العدل الاجتماعي.
وصحيح ان الغرب لم يقصر بدوره في الرد - الشعاراتي كما قد نسميه فإذا به يصطنع مصطلح "العالم الحر" آية ودلالة على دول الغرب في اوروبا وأميركا.
ذاكرة المحور
لكن عندما تأتي مطالع الالفية الثالثة بمصطلح وشعار "محور الشر" فالمعنى ان هناك من يعمد الى انعاش هذه الذاكرة الجمعية لتلك الشعوب وخاصة لدى اجيالها المخضرمة- حيث ان كلمة "المحور" كانت مع عقد الاربعينات وفي حوليات تاريخهم القريب جدا مرادفة لأكثر اعدائهم ضراوة .
صاحب الشعار
وفيما كان الرئيس بوش يستجيب فخورا إزاء العدسات والفلاشات ومانشيتات الصفحات الاولى في كبرى جرائد بلاده.. وهو يردد حكاية "محور الشر" إياها.. كان المراقبون السياسيون، ومعهم دهاقنة الاعلام في واشنطن (وقد باتوا يعرفون بوصفهم البونديتس Pundits في العاصمة الاميركية) يمارسون لعبة البحث والاستقصاء في محاولة للتعرف على صائغ هذا الشعار العتيد.
ولم يكن في الامر صعوبة، اذ كان الفريق الرئاسي للحزب الجمهوري الحاكم أيامها يضم شابا اسمه ديفيد فروم الذي اصبح " كاتبا للخطابات الرئاسية في البيت الأبيض وهو موقع معروف ومهنة تدعو للاحترام في كل الدول الحديثة والنظم المتقدمة..
وبمعنى ان الرئيس او القائد يطرح الافكار الرئيسية ويبسط التوجهات العامة التي يوافي بها كاتب خطاباته الذي يتولى من جانبه صياغة هذه الافكار وتحويل هذه الرؤى والخواطر والتوجهات والخطوط السياسية الى لغة تتسم ببلاغة الاسلوب ونصاعة السبك ودقة تحرير المصطلحات، ولا بأس من ان يعمد الكاتب الرئاسي الى صياغة وصك بعض الشعارات التي لا تلبث ان تجد طريقها الى القبول لدى اوسع قطاعات الجماهير، ومن ثم الى الشيوع والرواج على مستوى وسائل النشر والاعلام على اختلاف انماطها المسموعة او المرئية او المطبوعة وما اليها.
إفشاء الأسرار
لكن ثمة اقاويل انتشرت في العاصمة الاميركية حول اسباب ترك ديفيد فروم لإدارة بوش قبل الأوان.. ومنها ما يتعلق بضرورة كتمان اسرار الرئاسة، حيث لا يجوز لكاتب الخطب او صائغ الشعارات ان يتباهى بأنه "فعلها"..
وإنما يظل الفضل كله منسوبا الى السيد الرئيس وإلا اهتزت صورته في أعين عامة المواطنين. ولقد قيل يومها ان زوجة فروم هي التي دفعها التباهي الى البوح بسر الشعار العتيد المتعلق "محور الشر" وبأن زوجها العزيز هو صاحبه.. عبر رسالة الكترونية بعثت بها الى نفر من صديقاتها.. وسرعان ما انتشر الخبر..
وكان لابد وان يفارق الزوج موقعه في المقر الرئاسي.. وإن ظل كما هو معروف على ولائه الأساسي لتوجهات الحزب الجمهوري التى يلخصها كاتب أميركي آخر هو مارك اوبنهايمر (مجلة ذي نيشن، عدد 6/8/2012) بأنها تجمع بين تأييد اسرائيل والدعوة الى حكومة اصغر حجما وبالتالي أدنى نفوذا وأضيق سلطات.
ولا ينسى المحللون كيف ان فروم بنزعاته المحافظة هذه كان يشكل بهذا تناقضا مع النزعات الليبرالية- الديمقراطية التي طالما تبنتها وروجت لها عن طريق الاذاعات الكندية والدته التي رحلت فى عام 1992.. وهنا يقول مواطنوهما الكنديون:
- هذا التناقض غريب بين الأم والابن.. وحين كنا نتابع افكار "دد" كنا كمن يشاهد "شيلسي" ابنة الرئيس كلينتون وكأنها تلقي خطابات متعصبة للجمهوريين على شاشات قناة "فوكس" الأكثر تعصبا لليمين والأكثر عداوة للتوجهات الليبرالية او اليسار.. وطبعا لأي افكار او طروحات يمكن ان تصدر عن الرئيس الاسبق- الأب بيل كلينتون.
تحولات الكاتب
على مدار السنوات الاخيرة عاش ديفيد فروم ناشطا في العديد من المهام والمواقع الاعلامية في اميركا التي حصل على جنسيتها. ولكنه اثار في الفترة القريبة الماضية اهتمامات سلطت عليها الأضواء.. وتزامنت معها تساؤلات مشوبة بدهشة واسعة النطاق.. تقول:
- ترى ما الذي أدى الى تغيير مواقف كاتب الخطابات الرئاسية السابق؟ لقد عاش سنوات طويلة من عمره ربيب المؤسسة الجمهورية التي تجسد اليمين الأمريكي في الولايات المتحدة.. ولكنه بات في الفترة الراهنة دائم الهجوم على مؤسسات وطروحات وشخصيات هذا اليمين.. فما الذي حدث؟
هذا هو السؤال الذي طرحه الكاتب مارك اوبنهايمر، الذي ألمحنا اليه، في المقال الإضافي الذي نشرته مجلة " ذي نيشن" فى عددها الأخير.
الأزمة والتحول
يشير اوبنهايمر الى ان فروم وقد بلغ الثانية والخمسين في يونيو الماضي- أعلن تحوّله عن صفوف اليمين الجمهوري.. ثم يحاول تسويغ اسباب هذا التحول من خلال الربط بينه وبين ما رصده "فروم" خلال الأزمة المالية التي لاحت نذرها الكئيبة في اقتصاديات اميركا وأحوال طبقاتها الدنيا منذ صيف عام 2008.
صحيح أنه لم يتحول بالكامل الى مواقع الليبرالية، ولكن الصحيح أيضا انه يهاجم الآن قوى اليمين الأميركي التى عارضت وتعارض بشدة بل بقسوة محاولات الرئيس الاميركي اوباما في انشاء نظام تأمين صحي شامل ومتهاود التكاليف لصالح اوسع قطاعات الجماهير وأقل الطبقات قدرة ودخلاً وامكانات في المجتمع الأميركي، وكثير من هذه الطبقات هم من المهاجرين الجدد أو من ابناء وربما احفاد هؤلاء المهاجرين.
أراد الكاتب اوبنهايمر ان يستطلع آراء الأصدقاء او رفاق الطريق الذين طالما صاحبوا ديفيد فروم ايام ارتباطه بالحزب الجمهوري وبالتالي ايام هجومه وهجومهم على الرئيس باراك اوباما وحزبه الديمقراطي وأجندته التي يرونها يسارية.. والغريب كما يلاحظ اوبنهايمر- ان خمسة من هؤلاء الرفاق بلغ بهم الحنق على تحولات زميلهم ان رفض بعضهم الحديث مجرد الحديث، وأجاب بعضهم مقتضبا بعبارة "لا تعليـــق".
على الجانب الآخر من المعادلة يحاول ديفيد فروم ان يفسر انقلابه على طروحات اليمين السياسي والحزب الجمهوري فيقول ما معناه:
- طبيعي ان يرفض زملاء الأمس التعليق.. وقصارى ما فعلته ان رفضت ان اقدّم مصلحة الحزب على مصلحة البلاد.
كاتب الخطابات
ديفيد فروم .. كاتب الخطابات الرئاسية في البيت الأبيض جاء الى اميركا مهاجرا من كندا، وكانت والدته "باربارا" من اشهر النجوم الاعلامية المستنيرة في بلادها. درس دفيد فروم في جامعة ييل المرموقة بالولايات المتحدة واستكمل دراسة القانون في جامعة هارفارد..
وفي تلك الفترة تكونت لديه اتجاهات الفكر المحافظ ونزعة الاحساس بالانتماء الى النخبة - الاستثنائية كما يصفونها- ومن ثم كان انضمامه الى الحزب الجمهوري في السياسة الاميركية وكان الأمر عجيبا، خاصة وقد كانت الأم تصدر في نشاطها الإعلامي المتميز في كندا عن نزعة اقرب الى يسار ما بعد الحرب، وبمعنى أنها نزعة تجمع بين دفء التوجه واصالة الانحياز الى مصلحة القواعد الواسعة من الجماهير التي ما برحت النخبة تستأثر دونها بما يضمه مجتمعها من موارد وثروات وامتيازات وامكانيات.
الغرب والمعسكر الشيوعي
من الطبيعي ان تظل ميديا الاعلام شغوفة الى حد كبير بتلقف الشعارات التي ترد على ألسنة كبار السياسيين والمسؤولين، خاصة إذا كانت الشعارات دقيقة ومعبرة وبليغة ومحتوية على الكثير من الدلالات.
ومن أمثلتها شعار "الستار الحديدي" الذى طرحه السياسي الإنجليزي العتيد ونستون تشرشل مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وظل الشعار صالحا وذائعا ليصدق على دول المعسكر الشرقي- الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي وحتى زوال الاتحاد السوفييتي نفسه مع مطلع عقد التسعينات من القرن العشرين.
ومن ابلغ الشعارات التي وردت على لسان الرئيس الأميركي الاسبق جورج بوش- الابن شعار "محور الشر" الذى قصدوا به ان ينطبق على كل اعداء الولايات المتحدة وسياساتها وتوجهاتها، وكان من بلاغة هذا الشعار ان استخدم مصطلح "المحور" الذى لايزال يثير في الذهنية الجمعية الاميركية والغربية كل الذكريات الاليمة التي ترجع الى ويلات الحرب الكونية الثانية التي واجه فيها الغرب الأوروبي- الأميركي دول المحور التي كان يهيمن عليها ثلاثي النازي الألماني والفاشستى الإيطالي والإمبراطوري الياباني.
ويرجع الفضل فى صك هذا الشعار الى دد فروم كاتب الخطابات الرئاسية السابق في البيت الابيض الذى نشأ منذ نزوحه من موطنه في كندا، في احضان اليمين والحزب الجمهوري الأميركي ولكنه بدأ يلفت الانظار حاليا بعد اعلان تحولاته التي يهاجم فيها هذا اليمين ويتخلى فيها عن طروحات الجمهوريين وخاصة بعد ما لمسه من معاناة القطاعات الدنيا في مجتمع اميركا من عواقب الازمة المالية الراهنة.


