مازالت عناصر شتى من الدوائر المعنية بالشأن العام في أميركا تذكر أول ظهور للسيدة هيلاري في المجتمع المخملي - السياسي في واشنطن أو نيويورك وغيرهما من كبرى حواضر بلادها.. كان ذلك مع الهزيع الأخير من عقد الثمانينات. وكانت دوائر الحزب الديمقراطي تفتش جاهدة عن وجه جديد..

"طازج" كي يتسنى طرحه منافساً عن الحزب المذكور لرئيس البلاد وقتئذ - جورج بوش - الأب الذي كان قد أمضى في الدائرة الرئاسية الأولى بالبيت الأبيض نحوا من 12 سنة منها ثماني سنوات نائبا للرئيس الأسبق ريجان وبعدها انتخبوه رئيسا للدولة عن الحزب الجمهوري علي مدار أربع سنوات استطاع فيها أن يحقق ما يعده مؤرخو سيرته سجلا لا يستهان به من الإنجازات.

وجاء في مقدمتها ما أصبح يعرف باسم «حرب تحرير الكويت» فضلا عن تزامن رئاسة بوش - الأب مع انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة أميركا والمعسكر الشيوعي - الاشتراكي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، الذي ما لبث أن تصدعت أركانه وزلزلت ركائزه فكان أن انهار من أساسه ثم زال من فوق الخارطة السياسية للعالم.. مسجّلا بذلك فوزاً لا سبيل لإنكاره لصالح الرئيس بوش الذي سارع وقتها أيضا، مع مطلع تسعينات القرن، الى الإعلان عن بزوغ ما وصفه بوش - الأب بأنه نظام عالمي جديد.

الشاب الواعد

شاءت الأقدار.. ومعها أيضا أصوات الناخبين الأميركان أن يفوز مرشح الحزب الديمقراطي بيل كلينتون على العجوز الجمهوري المخضرم جورج بوش الأب، وكان لفوز كلينتون أسباب عدة منها: أولا لأنه كان شابا واعدا وبليغا وقادرا على التواصل الإعلامي مع جموع الناخبين، وثانيا لأن بوش خيب ظن هؤلاء الناخبين خلال المناظرات السياسية التي عقدها مع منافسه الديمقراطي الشاب.

وثالثا، وهذا هو الجانب الموضوعي والأجدر بالاهتمام، لأن سلوك الناخب في أميركا درج في أحيان كثيرة على قاعدة تغيير التأييد من حزب طال عليه الأمد في مدارج السلطة - وكان الحزب الجمهوري في هذه الحالة، ولصالح الحزب المعارض الذي طالت عليه غربة الابتعاد عن الحكم وكان هو الحزب الديمقراطي بطبيعة الحال.

صعود بيل كلينتون

في غمار هذه الظروف، جاء الى واشنطن المرشح الشاب الموعود - بيل كلينتون وكان قد أمضى سنوات سبقت في منصب حاكم (محافظ) ولاية «أركنسو» الريفية النائية والمحدودة الموارد وجاءت معه ابنته تشيلسي ثم قرينته هيلاري التي سرعان ما تناوشتها ألسنة المعلقين وأعمدة النقد في الصحف، لأنها طالعت أوساط العاصمة الأميركية في هيئة سيدة ريفية لا تتفق تسريحتها ولا هندامها مع رقي الشياكة الذي تعودت عليه عاصمة البلاد.

مع ذلك.. فقد تطورت الأمور.. واستعادت السيدة "هيلاري" رونق المحامية الناشطة كي تمضي سنواتها الثماني في البيت الأبيض وتصمد أمام عواصف عاتية كان أشدها خطراً وأعمقها إيلاماً ما ارتبط بتلك المحاكمات البرلمانية التي نصبوها لزوجها الرئيس بدعوى سلوكيات غير أخلاقية.. بدرت من جانبه وفي عقر المكتب البيضاوي لرئيس البلاد مع متدربة أقرب الى البدانة كان اسمها «مونيكا لونيسكي».

فوز الفتى الأسمر

وإذ استبد الطموح بالسيدة هيلاري.. أعلنت عن ترشيح نفسها لمنصب الرئاسة الأميركية - حتّة واحدة كما يقولون - وطبعا كان منافسها من حزبها الديمقراطي هو ذلك الفتي الأسمر.. النحيل والأفريقي الجذور والإسلامي الاسم فضلا عن كونه دارسا مثلها للقانون وإن كان يفوقها من حيث موقع التدريس الذي ظل يشغله على مدار سنوات في جامعة هارفارد بكل سمعتها المرموقة في أوساط الفكر وعالم الأكاديميا.

والذين تابعوا عن كثب ميداني ملابسات السباق الرئاسي في أميركا منذ خريف عام 2008- ومنهم كاتب هذه السطور - ظلوا يعايشون وقتها وقائع الملاسنات والمشاحنات بل والتهجمات المتجاوزة في بعض الأحيان، تلك التي ظلت وقتها تعصف بأركان وقوائم «بيت» الحزب الديمقراطي، خاصة حين وصلت حمى المنافسة في معسكر المرشح الرئاسي أوباما الى التعريض بصلاحية السيدة هيلاري للمنصب الرئاسي بحكم كونها امرأة.

فيما بادرت حملة المرشحة الرئاسية هيلاري الى التعريض بالسيد باراك لأنه.. ينتمي الى جماعات السود - الأفرو- أميركيين كما يعرفون في مجتمع الولايات المتحدة وكأنما كان ذلك كافياً للنيل من كفاءة المرشح الشاب القادم من حواري شيكاغو ومن مدرجات كلية الحقوق في هارفارد علي حد سواء.

منصب الوزيرة

والحاصل طبعا أن أصبح الفتى الأسمر باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة.. ثم بدأ مع الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر 2008 في مشاورات وترتيبات تشكيل فريقه الرئاسي الجديد.. يومها دق جرس الهاتف في منزل هيلاري كلينتون في ضواحي نيويورك.. كان المتحدث هو فيليب رينز.. معاونها السياسي الذي أبلغها أن الرئيس - المنتخب باراك أوباما ينظر في أمر اختيارها لمنصب وزير الخارجية.

بادرت من فورها الى استدعاء عبارات باراك - المنافس الحزبي الذي أصبح رئيسا ومنها عبارات كانت قاسية في انتقادها للسيدة هيلاري التي وصفها باراك بأنها تفتقر الى أي خبرة يعتد بها في مضمار السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. كان ذلك بالطبع في غمار حملات السباق الانتخابي.. وكان أوباما يرّد على تلميحات أو غمزات ولمزات معسكر هيلاري كلينتون بشأن لونه وأصله وفصله.. وفي مجال السياسة الخارجية ظل باراك يردد أن خبراته الخارجية تستمد جذورها من نشأته وتربيته خارج «شواطئ بلادنا».

ومن ثم جاءت قدرته على فهم صورة أميركا في عيون الآخرين - دون أن تقتصر المسألة - في حالة هيلاري على مجرد السفر ضمن الفريق الرئاسي - كسيدة أولى - ومن ثم فقصاراها أن تتبادل أحاديث طلية مع سفيرنا هنا أو هناك وهي أحاديث موائد الشاي على أكثر تقدير.. الخ.

في وزارة الخارجية

في هذا المجال يسلم المراقبون السياسيون بأن السيدة هيلاري كانت تفتقر الى تجربة وزراء سابقين لخارجية واشنطن ومنهم مثلًا «جيمس بيكر» أو حتى وزيرات مثل «كوندوليزا أو أولبرايت».. فما الذي دعا أوباما الى اختيارها لهذه الحقيبة بالذات؟

من التنافس للتجانس

مع ذلك يذهب تحليل «ستيفن لي مايرز» الى أن أمور هذا الفريق - المتنافس وليس المتعارض طبعا - آلت الى قدر كبير من التجانس أو التواؤم والتوافق ولم يكن هذا يعني أن كانت الأمور تتسم بالانسجام أو الاتفاق علي طول الخط بل حدث تباين أحيانا في الرؤية بين وزيرة الخارجية (هيلاري) ورئيس الدولة (باراك).

ومن أبرز الأمثلة ما كان يتعلق بأمر الوجود العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان: هيلاري تري أن من المهم إبقاء القوات العسكرية الأميركية في كل من العراق وأفغانستان، وهو ما أكده للمحلل الأميركي شخصيا واحد من أركان مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.

ومع ذلك فقد طالعت وزيرة الخارجية الجمهور بإعلان عن تأييد لا يتزعزع لتصميم رئيس الدولة (باراك) على وضع نهاية لحربين تضاءل التأييد الشعبي لكل منهما في بغداد وكابل.. ومن ثم كان قراره سحب القوات الأميركية من العراق في ديسمبر الماضي، ثم قراره في التخطيط لسحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان بحلول عام 2014.

فتاة الكشافة

في نفس السياق جاءت ملاحظاتها الناقدة لإعادة انتخاب السيد "فلاديمير بوتين" رئيسا لروسيا في مارس الماضي.. ألمحت وزيرة الخارجية الأميركية الى ما شاب هذه الانتخابات - في تصورها.. من تجاوزات حادت عن الديمقراطية.. بل أعربت عن نوع من التأييد والمؤازرة للمتظاهرين الذين احتجوا في موسكو علي نتائج تلك الانتخابات.

مع هذا كله.. فقد تعيّن علي السيدة هيلاري أن تصغي الى صوت مستشاريها ونصائح معاونيها الذين رأوا أن الاستمرار أو التمادي في اتباع هذا الخط السلبي إزاء رجل الكرملين القوي في موسكو يشكل في التحليل الأخير أمرا لا يصّب أساسا في مصلحة العلاقات التي تربط بين روسيا والولايات المتحدة..

وهكذا عمدت وزيرة خارجية أميركا - أو اضطرت - بعد ثلاثة أيام ليس إلا.. للظهور أمام الصحافيين في وزارة الخارجية الأميركية، وبرغم ما تردد من أنباء حول تظاهرات الاحتجاج المناوئة للرئيس بوتين في موسكو، فإذا بالسيدة كلينتون تعلن عن قناعة وزارتها وحكومتها بنجاح السيد بوتين "الذي لا شبهة فيه ولا جدال حوله".. يومها علق واحد من المعاونين السابقين لزوجها الرئيس الأسبق فقال: هيلاري تلعب دائما دور "فتاة الكشافة" (التي تريد أن تكسب مودة الجميع).

الربيع العربي

لا عجب إذن أن يحسب عليها ما بادرت إليه من إعلان قناعة حكومتها الأميركية بمدى استقرار النظام (السابق) في مصر - وجاء ذلك في يناير 2011، أي في لحظة كانت تظاهرات «التحرير» في القاهرة تستعد فيها لإسقاط النظام المصري المذكور أعلاه.

ولأنها «فتاة الكشافة» فلا عجب أيضاً أن تحّول دفة مواقفها بزاوية 360 درجة فإذا بها تُضفي على التطورات المصرية وصف «الربيع العربي» ثم تضيف قائلة:

الذين لا يلقون بالا ولا يضخون السمع للمشاعر الشعبية.. سوف ينتهي بهم الأمر بأن يكونوا على الجانب الخطأ من حركة التاريخ.

في ضوء هذه التحولات.. يظل السؤال مطروحا وهو:

لو فاز باراك أوباما بولاية رئاسية ثانية، هل تبقى السيدة هيلاري كلينتون وزيرة لخارجيته.. أم أن ثمة متغيرات ما برحت على الطريق؟

امرأة من الولاية إلى الوزارة

بعيدة هي المسافات الفاصلة بين البداية التي استهلت بها السيدة هيلاري كلينتون اطلالتها على مضمار الشأن العام في بلادها. حين ظهرت على مسرح الأحداث خلال ملابسات ترشيح زوجها بيل كلينتون لرئاسة الدولة عن الحزب الديمقراطي.. بدت السيدة هيلاري في أهاب سيدة ريفية أو شبه ريفية في أواسط العمر.. جاءت يومها - في مطلع تسعينات القرن الماضي من ولاية "أركنسو" الريفية النائية حيث كان الزوج يتولى منصب حاكم الولاية المذكورة وبعدها تحولت هيلاري الى موقع السيدة الأولى في البيت الرئاسي الأبيض.

وكم تعاطف معها الكثيرون ولاسيما خلال وقائع محاسبة زوجها الرئيس أمام البرلمان فيما يتصل بقضية المتدربة الشابة «مونيكا لونيسكي» وبعد تقاعد الزوج الى موقع الرئيس السابق.. بدا الأمر وكأنما تفجرت طموحات الزوجة دارسة القانون الى حيث عمدت الى النزوح للإقامة في ضواحي نيويورك وعملت جاهدة الى أن فازت بموقع تمثيل الولاية المذكورة في مجلس الشيوخ..

ومنها رشحت نفسها لرئاسة الدولة منافسة غريمها في نفس الحزب الديمقراطي الذي تغلب عليها ليصبح الرئيس رقم 44 لأميركا واسمه باراك أوباما، ثم ليختارها شخصياً الى الموقع رقم واحد بإدارته في واشنطن وهو موقع وزير الخارجية الذي أمضت فيه السنوات الأربع السابقة بين عوامل الصواب ومشاكل الخطأ ومحاولة التراجع لإرضاء الأطراف ذات الصلة بحيث وصفها المراقبون بأنها أقرب الى «فتاة الكشافة».

عندما دخلت "هيلاري كلينتون" مكتبها الوثير في وزارة الخارجية في واشنطن.. كان ترتيبها هو الثالث في سلك وزيرات خارجية الولايات المتحدة بعد كل من مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس.. وتشاء المصادفات أن يكون الرئيس الذي قامبتعيين أولبرايت، سليلة الأسرة المهاجرة من تشيكوسلوفاكيا هو "بيل كلينتون" رئيس الولايات المتحدة على مدار عقد التسعينات من القرن العشرين..

وهي الفترة التي نعمت فيها هيلاري بلقب السيدة الأولى ومن ثم كانت الآمر الناهي في البيت الرئاسي الأبيض على الأقل فيما يتعلق بالأمور الشخصية والقضايا الخصوصية المتعلقة بعائلة السيد الرئيس.