عند منتصف شهر مايو الماضي أقام الائتلاف الحكومي الحاكم في الهند عددا من المناسبات بل والمآدب الحافلة احتفالا بالذكرى السنوية الثالثة لتوليه مقاليد الحكم في نيودلهي..

 وعلى الرغم من أن مثل هذه الفعاليات تصلح في العادة كمناسبة لتعداد المآثر وذكر المفاخر والتباهي بما يكون قد تحقق من الانجازات.. إلا أن جمهرة من مراقبي الشأن الهندي ولاسيما في مجالات الاقتصاد - لم يقصروا من جانبهم في التنديد بحكاية الاحتفال والتفاخر خاصة وقد آلت المنظومة الاقتصادية الهندية حسب آرائهم وتحليلاتهم - الى معاناة العديد من المشكلات العميقة أو السلبيات التي لا سبيل لإنكارها.

عضو البريكس

والحق أن الهند مشهود لها كما هو معروف بأنها استطاعت أن تقطع خطى واسعة في مضمار التنمية المستدامة والتطور الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، حيث يشهد بمثل هذه الإنجازات إدراج الهند ضمن مجموعة "البريكس" الشهيرة من الاقتصادات الناهضة والمنظومات الواعدة، جنبا الى جنب مع كيانات ناشطة تتراوح في ديناميتها من البرازيل الى روسيا.

ومن الصين الى جنوب أفريقيا، هذا فضلا عن إنجازات مرموقة حققتها الهند كذلك في ميدان تكنولوجيا المعلومات (آي تي) وخاصة ما يتعلق بعمليات تصميم وتطوير ومن ثم تصدير برامجيات الحاسوب الالكتروني (سوفت وير) ومن ثم احتواء الهند على منارة تكنولوجية سوبر متقدمة مازالت قائمة في وادي "بنغالور" الشهير الذي يكاد يضارع وادي "السليكون" الأشهر في كاليفورنيا غربي الولايات المتحدة.

انخفاض الروبية

مع هذا كله فلا يشفع للهند ما آلت إليه الأحوال مؤخرا من حيث تردي الأداء الاقتصادي ممثلا في الانخفاض المطرد في قيمة عملتها الوطنية الروبية وفي انخفاض ملحوظ بقوة وفي مشاكل في توظيف الاستثمارات المطلوبة لدفع عجلة التنمية المستدامة على صعيديها الأساسيين:

الاقتصادي والاجتماعي. هذا بالإضافة الى ارتفاع متزايد في معدلات التضخم وفي أوجه العجز الفادحة في الميزانيات الإقليمية والقومية وهو ما يؤدي الى تآكل الاحتياطيات الاستراتيجية في طول البلاد وعرضها.

ومن عجب أن كان ثمة آمال معقودة على الهند، وأيضا على الصين في أن استمرار نموها يمكن أن يكون عاملا إيجابيا يساعد على إقالة الاقتصاد العالمي من عثراته التي بدأت كما هو معروف بنذر الأزمة الاقتصادية التي مازالت تعصف بالعالم منذ عام 2008.

دراسة

في هذا السياق تعترف دراسة موجزة نشرتها جريدة "نيويورك تايمز" للباحثين "جيم ياردلي" وفيكاس باجاج" بأن هذه الآمال أصبحت الآن في حالة من التبدد أو التعثر رغم أن الاقتصاد الهندي كان يمضي على طريق واعد نسبيا في عام 2008 ولدرجة أن ساد التوقع بأنه سيكون صامدا بوجه ظاهرة التسونامي التي عصفت في عام 2008 باقتصادات المنظومة الأورو- أمريكية التي بدأت أعاصيرها منذ أزمة الديون والرهون العقارية في كبرى مؤسسات وول ستريت بالولايات المتحدة..

وهذا ما يدفع بالباحثين المذكورين الى التأكيد على ضرورة أن يستعد قادة الهند الحاليون لمواجهة الحقائق المريرة التي أصبحت تتجلى من ثنايا الأزمات الراهنة التي أنشبت مخالبها في اقتصاديات بلادهم.. صحيح أنهم جاؤوا والشهادة لله الى مواقعهم الراهنة من خلال صناديق الانتخابات.

لكن هذا لا يعفيهم بالطبع من مسؤولية اتخاذ قرارات لا تروق إطلاقا للقواعد الجماهيرية التي تدلي بأصواتها عادة من خلال صناديق الانتخاب.. وفي مقدمتها ما يتعلق بداهة بتدابير التقشف والحد من الاستهلاك وفي بلد.. مازالت ملايين من سكانه، إن لم يكن عشرات الملايين، تعيش أصلا في حدود المزيد والمزيد من شحة الامكانات وشظف الاستهلاك.

التقشف المطلوب

وفي مقدمة القرارات المطلوبة لعافية الاقتصاد الهندي ما يتعلق باتخاذ المزيد من قرارات التقشف من أجل إنقاذ الاقتصاد بعد أن وصلت إليه عقابيل الأزمة العالمية التي ما برحت تستعصي على إجراءات الإصلاح أو فلنقل الترميم وقد اتخذتها نظم شتى في غرب أوروبا وأمريكا:

ما بين أطواق النجاة التي ما برح الاتحاد الأوروبي يلقيها الى نفر من أعضائه (اليونان أو اسبانيا أو البرتغال مثلا) لانقاذهم من لجّة الأزمة الخانقة التي يمكن أن تهددهم في يوم عصيب بالوصول الى هاوية الإفلاس، الى ما سبق أن اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي أوباما من عملية ضخّ واسعة النطاق بحجم المليارات من الدولارات في شرايين اقتصادهم الوطني بهدف تعويم المؤسسات المالية في الولايات المتحدة فوق أمواج الأزمة العاتية بصورة أو بأخرى.

تداعيات الأزمة

والحاصل أن أوروبا مازالت تكافح للبقاء طافية فوق هذه الأمواج التي مازالت تهدد، كما يقول "جيم ياردلي" و"فيكاس باجاج" بأن تتجلى في فداحة أزمة الديون السيادية وبما يهدد بتصدع الاتحاد الأوروبي ذاته في جوانبه الاقتصادية ومن ثم هياكله السياسية..

وفي الوقت نفسه.. مازالت أمريكا تعاني أزمتها في مجال البطالة التي ترتفع مؤشراتها المنذرة بوتيرة متواصلة الاطراد. وحتى الطرف الصيني، الذي ظلت أدبيات التحليل في مجال الاقتصاد السياسي.. وعلى مدار العام الماضي، بل والشهور الاستهلالية من العام الحالي، تعزف بشأنه على أوتار نغمة متكررة الإيقاع تقول: "الصين هي القوة العظمى.. الحتمية".

حتى الصين بدت اقتصادياتها مؤخرا وكأنما أصابها طائف الوهن أو الاستضعاف كما تقول دراسة النيويورك تايمز _ منشورة بتاريخ 29 مايو 2012).. وفي ما يتعلق بسائر جماعة الوعد إياها بمعنى جماعة البريكس فها هي روسيا وقد صادفتها ولاتزال مجموعات متشابكة من المشاكل السياسية الداخلية منذ إعادة انتخاب فلاديمير بوتين على رأس الكرملين الحاكم من جديد، بينما بدأ اقتصاد البرازيل في إبطاء خطاه التي كانت حثيثة ومبشرة بقدر ما كانت عفية ومثمرة خلال السنوات الثماني المنصرمة من رئاسة زعيمها السابق "سيلفا دي لولا".

عن الحالة الهندية

في حالة الهند توضح الدراسة المذكورة أن إبطاء خطى النمو أضفى أجواء من التشاؤم على مجالات السياسة والاقتصاد، وخاصة في ما يتعلق بميدان تنظيم وإدارة كبرى مشاريع الاستثمار (البيزنس). وفي هذا الخصوص.. تحاول الدراسة المنشورة تقصّي الأسباب الرئيسية، فتراها متمثلة في سوء الأداء السياسي أساليب مداهنة الجماهير طلبا لتأييدها في حلبة الانتخابات (الأساليب الشعبوية كما تسميها جريدة التايمز) عقم وأحيانا غياب الإجراءات الجذرية والتدابير الحازمة المفروض اتخاذها على مستوى كبار القادة وقمم المسؤولين ما يثار عن تفشي آفة الفساد في سلوكيات الحكم وأروقة السياسة الهندية على حد سواء.

صحيح أن الهند بحاجة الى ضخ استثمارات سوبر طائلة تدعو الحاجة الماسة إليها في مجالات صناعات التعدين والطرق الرئيسية والإسكان والموانئ وما في حكمها.. إلا أن الآفات التي أصابت وتصيب اقتصادها في الوقت الحالي دفعت العديد من دوائر الاستثمار وجموع المستثمرين الى ممارسة أنشطتهم وتوظيف امكاناتهم خارج حدود الهند في أفريقيا على سبيل المثال.

في نفس المضمار.. يحاول الباحثان "ياردلي" وزميله "باجاج".. إرجاع هذه الأدواء التي أصابت الشأن الاقتصادي الهندي الى الأمراض السياسية التي أصابت بدورها حزب "المؤتمر" الهندي بوصفه قاطرة الدفع الكبرى في تحريك آلة الحياة السياسية في طول البلاد وعرضها، وهو أيضا الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم في نيودلهي تحت الشعار العتيد المعروف: التحالف التقدمي المتحد.

والحاصل أن هذا التحالف لم يحقق الإنجازات أو الإصلاحات التي اختاره الناخبون على أساسها وخاصة في مجال مكافحة فقر الجموع من الطبقات الدنيا إضافة الى تحسين أحوال جموع أخرى من الطبقات الوسطى في المجتمع الهندي المعاصر.

وعد لم يتحقق

من هنا لا يتورع محلل رصين هو "بشارات بير" عن الكتابة مؤخرا (في دورية الشؤون الخارجية "فورين أفيرز" عدد مايو/ يونيو 2012) عما وصفه بأنه "وعد الهند الذي لم يتحقق". في هذا السياق يعرض المحلل المذكور الى أحدث كتابين صدرا في هذا المضمار ليوضحا مدى تأثير التراجع الذي ألمحنا إليه في مسيرة الاقتصاد الانمائي بالهند على عكس ما كان متوقعا لذلك البلد الآسيوي الكبير والصديق من تبوؤ مكانة سامقة بصورة أو بأخرى على خارطة النفوذ السياسي الاقتصادي الدولي.

ولدرجة أن تنبأ الكاتب الأمريكي الهندي الأصل "فريد زكريا".. في كتابه المعنون "عالم ما بعد أمريكا".. بأن هذا العالم المرتقب جدير بأن يشهد حليفاً لأمريكا اسمه الهند بقدر ما قد يشهد عالمنا غريما لأمريكا اسمه الصين.

ولكن ها هي الكاتبة الأمريكية "كاثرين بو" تقضي في ربوع الأرياف الهندية ثلاث سنوات ثم تعود بكتاب عنوانه "ما بعد الجمال السرمدي" وبمعنى أن الهند التي يرون جمالها أبديا إنما تضم جموعا غفيرة من أفقر المدقعين في العالم.

وفي نفس الاتجاه ينشر المفكر الهندي "سيدهارتا ديب" أحدث كتابه بعنوان "الجميل والملعون" ليرسم في وضوح مدمر ودقيق كما يقول "بشارات ديب" صورة لحالة رهيبة من اللامساواة التي بات يعانيها المشهد الاجتماعي الطبقي في الهند وبما يهدد بخلق عوامل مستجدة من القلق والاضطراب على مستوى المشهد الآسيوي المذكور.

ثغرة اللامساواة

والحق أن الهند بكل عنفوان تجربتها القومية - لايزال أمامها أشواط تقطعها كي تردم ولو جزءا يسيرا من مسافات الهوة العميقة الفاصلة بين إنجاز مرموق في وادي "بنغالور".. أوصل الهند الى صدارة الأقطار المصدّرة لنواتج "السوفت وير"، وبين معاناة الطبقات المليونية من الفقراء الذين تقتصر طموحاتهم أحيانا على مجرد الحصول على رفّ، نعم رف من الحجر لوضع معدات الطبخ، وعلى مجرد فتح نافذة صغيرة في الكوخ البسيط لتصريف دخان المطبخ المتواضع بعيدا عن صدور الأطفال الصغار على نحو ما تسجله على لسان سيدة من فقراء الريف الهندي الكاتبة الأمريكية "كاثرين بو".

مع هذا كله.. ورغم بُعد المسافات ومشقة الطريق، إلا أن الهند قادرة.. في ضوء الخبرة التاريخية، على عبور هذه المسافات.

ومنذ سنوات طويلة لم يتورع استعماري عتيد هو "ونستون تشرشل" (1874-1965) عن التعامل مع الهند على أنها مجرد "تعبير جغرافي" وليست بلدا قائما بذاته.. وهي بذلك كما قال تشرشل مثل خط الاستواء.

الديمقراطية

ورغم هذا التشكيك فقد أثبتت الهند بفضل قياداتها التاريخية ما بين "المهاتما غاندي" الى الزعيم "جواهر لال نهرو" أنها قادرة على توحيد أجزائها وصياغة سياساتها بل وعلى مواجهة تحديات بالغة الشراسة ولم يكن أهونها مثلا تعدد اللغات والأديان والأعراق.. ولم يقتصر أمرها على الصمود أمام التحدي، بل تعدى الأمر كما ألمحنا الى إنجازات مبهرة حقا في مضمار أحدث وأعقد التكنولوجيات.

من هنا تصدق كلمات المثقف والدبلوماسي الهندي المخضرم "بافان فارما" (في دراسة منشورة في مجلة سياسية هي "وورلد بوليسي جورنال" ، ربيع عام 2009) عندما ألمح الى أن الهند قد لا تكون أهم بلد متقدم أو أغنى بلد في العالم.. ولكنها تعد أكبر بلد يمارس الديمقراطية في هذا العالم.. وهذه ميزة نسبية سياسية لا سبيل الى إنكارها.

الصراع الطبقي في المجتمع الهندي

يصطلح المحللون السياسيون والاقتصاديون على النظر الى الاقتصادات الناهضة أو الواعدة في مشرق العالم وغربه، وهي التي تضمها مجموعة "بريكس" الشهيرة، على أنها تمثل بشكل أو بآخر طوق إنقاذ للعالم بما يمكن أن ينتشله من تسونامي الأزمة المالية الاقتصادية التي ما برحت تنشب مخالبها في دول شتى منذ عام 2008.. وكانت الهند في مقدمة تلك الدول التي طالما عقدوا عليها كثيرا من الآمال جنبا الى جنب مع روسيا أو الصين أو البرازيل..

ولكن هذه المجموعة باتت الآن تعاني مشاكل عديدة أدت إما الى انخفاض أسعار عملاتها (ومنها الروبية الهندية) أو الى إصابة المسيرة الانمائية الاقتصادية بحالة من التباطؤ أو الركود. وفي حالة الهند بالذات جاءت مشاكل الاقتصاد من جراء مشاكل السياسة وسوء أداء التحالف الهندي الحاكم حاليا في نيودلهي.

وتفاقمت الأمور من جراء ما رصده المراقبون من أجواء الفساد وأخطاء الإدارة الحاكمة واتساع هاوية اللامساواة على مستوى المجتمع الهندي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، وهو أمر لا يمكن أن يحجب ما حققته الهند رغم تكدس سكانها بكل ما يفّرقهم من اختلافات اللغات والأديان والأعراف - من انجازات.. مبهرة أحيانا ولاسيما في مضمار برمجيات الحواسيب وتكنولوجيا المعلومات.

واجهت الحكومة الهندية موجة احتجاجات واسعة النطاق قام بها ناشطون في حقوق الإنسان ، ومنظمات إغاثية ، وأعضاء برلمانيون ، بسبب محاولتها الحيلولة دون إدراج الأمم المتحدة قضية الطبقية والتمييز العنصري التي يعاني منها أفراد المجتمع الهندي ضمن برنامجها .

والمنظمات الإغاثية ذكرت بأن الخطة الهندية مع الحكومات الأخرى إشغالها بقضايا اقتصادية ؛ لإبعادها عن طرق قضايا الطبقية والتمييز العنصري الحادة التي يرجعونها إلى تعاليم وأصول دينية باعتبارات التقسيم لأفراد المجتمع الهندي.

وقد أكدت المنظمات الإغاثية نفسها على أنه في الهند حوالي (200) مليون شخص يعرفون بـ(دليت) يعتبر هؤلاء رغم عددهم الكبير من الطبقة المسحوقة ، والمعزولة ، والمنبوذة في المجتمع الهندي ، ولا حقوق لهم البتة في المجتمع ، كما لا يحق لهم استعمال ما يستعمله باقي الناس الذين يعتبرون من الطبقات الثانية والأولى ، كمياه الشرب ، التي ليس من حقهم استعمال الآبار العامة غير آبارهم المخصصة لهم.

إضافة إلى أنهم لا يستطيعون زيارة المعابد التي يزورها غيرهم من أفراد مجتمعهم ، وقد يكون الأمر أكبر حينما يلمس أحد أفراد الطبقة الفقيرة (دليت) أحد أفراد طبقة البراهما التي سيعتبرها نجاسة ، ونقض للطهارة ؛ لتفاوت الطبقتين في المنزلة.

" براوين رشت ترابال " عضو من أعضاء البرلمان الهندي في منطقة " كجرات " الهندية توجه إلى جنيف لرفع قضية الطبقية والتفرقة العنصرية التي يعاني منها شريحة من أفراد المجتمع الهندي ، يقول "براوين" في مؤتمر صحفي عقده لهذا الغرض: "

إن الموقف الهندي لا يجد إجماعاً من الأكثرية في البلد على إلغاء هذه الطبقية ، التي تمارس في حق أقلية من المجتمع رغم عددها الكبير، فعلى الأمم المتحدة اتخاذ إجراءات جدية لإزالة هذه الطبقية والتمييز العنصري قياساً على مشاريعها الصحية العالمية نحو: برنامج التطعيم العالمي ضد الشلل ، أو برنامجها في مكافحة مرض الإيدز" .

ويضيف قائلاً: "هدف زيارتي الوحيد لجنيف أن أوصل إلى العالم بأن الحكومة الهندية لم تستطع حل هذه القضية المعضلة في البرلمان الهندي"، وقال: "لماذا البرلمان الهندي لا يريد مناقشة هذه القضية؟ لأنه يوافق على إبقائها، ولا ينوي التخلص منها، أو حلها".