من المنظور الاقتصادي والتكنولوجي يطرح الفرقاء السؤال الجوهري الذي مازالت أصداؤه تتردد في أنحاء شتى من عالمنا.. والسؤال يقول في بساطة مباشرة:

 

تصورات مطروحة

والدراسة المذكورة تفتح مسرح المناقشة البحثية على تصورات يطرحها المستقبليون ومفادها أن الارتفاع المفرط والمطرد بشكل متواتر لاستهلاك البترول.. كفيل باستنفاد كميات هذا المصدر الثمين من مصادر الطاقة مع انتصاف القرن الحالي بالتحديد خلال عقد الأربعينات من القرن..

كما تسلم الدراسة المذكورة بأن ثمة مصادر متجددة من بدائل الطاقة - دعك عن الطاقة النووية بجلالة قدرها - مازال بإمكانها أن تزود عالمنا بكميات معقولة من الكهرباء، ولكن هذه البدائل مازال يحول دون استثمارها تكاليف باهظة نسبيا.. يستوي في ذلك طاقة الرياح أو طاقة الشمس أو طاقة الوقود الاحيائي وكلها لا تقوى في نظر الباحثة الصينية سوى على تزويد العالم بنحو 2 % من انتاج الكهرباء.

من هنا تتجلى أهمية الغاز الطبيعي الذي دخل بالفعل حيز الاستخدام.. فضلا عن تميزه بأن استخدامه لن يستوجب تغييرات جذرية من حيث الآلات والمعدات.

مميزات الغاز

عند هذا المنعطف من القضية.. تواصل الدراسة المستقبلية المنشورة التغزل في مناقب الغاز الطبيعي حيث توضح الباحثة غزارة الاحتياطيات الواعدة في أكثر من بلد من بلدان عالمنا (يأتي على قمتها، كما تؤكد العالمة الصينية، كل من روسيا وقطر وإيران وتركمانستان إضافة الى السعودية وأميركا والإمارات العربية المتحدة ونيجيريا وفنزويلا والجزائر والصين.. والبقية تأتي)...

ثم تواصل الدراسة تعداد الإيجابيات موضحة كيف أن الغاز مصدر أنظف للطاقة وهو أيضا وقود مأمون يتميز بانبعاثات كربونية أقل حجما وأخف خطرا مما يجعله كما تقول الأستاذة كيو "عنصرا أساسيا في (خلطة) إمدادات الطاقة" في مستقبل الأيام..

وحيث يؤدي احتراق الغاز الطبيعي الى انتاج انبعاثات كربونية تقل بنسبة 30 في المئة عن البترول الذي ما برحت أسعاره الى ارتفاع ومن ثم يظل الغاز الطبيعي مرشحا للاستخدام كمصدر للطاقة اللازمة لتشغيل محركات المركبات بكافة أنواعها ما بين الشاحنات الى الحافلات ومن ثم الى سيارات الركوب الخصوصية في نهاية المطاف.

احتياطيات أميركا

وفيما تتوزع كميات احتياطي الغاز الطبيعي كما تدل الاستقصاءات والأرقام عبر مساحات واسعة من أقاليم العالم (ومنها ولله الحمد مناطق في الوطن العربي مشرقا ومغربا فقد عمد أهل التخطيط السياسي في الولايات المتحدة الى التعامل مع الاحتياطي الأميركي أولا من منظور سياسي اقتصادي مقارن حين خلصوا على نحو ما تشير إليه الدراسة المنشورة الى أن حجم الاحتياطيات المؤكدة في أميركا من الغاز الطبيعي تزيد عن نظيرتها في الصين بمقدار مرتين ونصف، وثانيا من منظور احصائي مستقبلي حين قالوا ان هذه الكميات الكامنة تحت يابسة الولايات المتحدة ومياهها ستظل كافية حسب المعدلات الراهنة والمتوقعة لتلبية استهلاك أميركا على مدار 100 سنة قادمة.

توماس فريدمان

قرر كاتب صحافي مخضرم هو "توماس فريدمان" أن يشارك في تناول هذه النوعية من القضايا فنشر مقالة بتاريخ 26/2/2012 في "النيويورك تايمز" يدعو فيها الى ترشيد التخطيط بالنسبة للتعامل مع عنصر الغاز الطبيعي في أميركا.. من منظور الاحتياطيات والاستخدامات موضحا أنه في ظل التطوير العلمي لاستخدام هذه الاحتياطيات فلن يقتصر الأمر في رأيه طبعا على أن تحقق أميركا استقلالها في مجال الغاز الطبيعي بمعنى عدم الاعتماد على الواردات الأجنبية - بل ان أميركا يمكن أن تصبح في مقدمة المصدّرين لهذا العنصر الجوهري من مصادر الطاقة.

روح التفاؤل

في كل حال ثمة روح من التفاؤل نراها تسود كل سطور الدراسة التي نشرتها المجلة المستقبلية التي ألمحنا إليها وخاصة عندما تتطرق الباحثة الصينية الى الحديث عن الاحتياطيات المؤكدة أو عن الكميات الحديثة الاكتشاف ولاسيما في مجال الصخور الرمال الأحجار القيرية حيث ترى الباحثة المذكورة أن الصين جديرة بأن تكون على رأس البلدان التي تضم هذه الصخور الحاوية لاحتياطيات الغاز الطبيعي في العالم على نحو ما أعلنته مؤخرا مؤسسة "بتروشاينا" المعنية بأمر مصادر الطاقة في الصين.. ثم تليها في هذا الترتيب الولايات المتحدة.

مع هذا كله يظل السؤال مطروحا وهو:

- مع كل هذه الوعود الموثقة علميا واحصائيا بشأن احتياطات وميزات الغاز الطبيعي - فلماذا لا يبادر العالم الى اعتماده، بدلا من البترول، مصدرا جوهريا أو فلنقل متّسيدا من مصادر الطاقة في حياتنا المعاصرة؟

مصادر محدودة

هنا أيضا تحاول الدراسة الصينية المنشورة بالإنجليزية أن تجيب موضحة ان معظم المنتوج الحالي من الغاز الطبيعي مازال ميسور الاستخراج من تكوينات الحجر الرملي تحت الأرض أو من حقول البترول الساحلية أو الشاطئية، لكن تبقى هذه المصادر محدودة.. بل يهددها خطر الاستنفاد كما أن التكنولوجيا الأحدث تطورا لاستخراج الغاز الطبيعي من مصادره الصخرية القيرية من شأنها أن تستخدم كميات كبيرة من الكهرباء والمياه وهو ما يضيف بداهة الى تكاليف الانتاج مقارنة بالبترول الذي لاتزال تكاليف استخراجه ميسورة بصورة أو بأخرى.

ويضاف الى ذلك أيضا ما تشير إليه الباحثة الصينية من مشاكل بيئية تنطوي عليها عمليات استخراج الغاز الطيبعي من تلك المصادر الصخرية حيث ان الغاز يتألف أساسا من مادة الميثان الذي ينتج عنه خلال عملية الاحتراق ثاني أكسيد الكربون مصحوبا ببخار الماء.. ورغم أن الميثان يتسم بفترة بقاء في الغلاف الجوي المحيط بالأرض أقل بكثير من بقاء ثاني أكسيد الكربون، إلا أن أثره بالنسبة لغازات الاحتباس الحراري المسببة لتغير المناخ وارتفاع درجة حرارة الكوكب مازال أثرا بالغا بل ويزيد بمقدار ثلاثة أضعاف عن أثر الانبعاثات الكربونية.

البديل الناجع

ففي غيبة الاكتشافات النفطية الجديدة، يظل الغاز الطبيعي مؤهلا بوصفه البديل الناجع الذي يمكن أن يحل محل البترول ومن ثم يظل عنصرا أساسيا لتأمين استمرار الحضارة البشرية ضمن الأنساق التي تتحرك على أساسها في الوقت الحاضر، وكل هذه العوامل تجعل منه سيد مصادر الطاقة في مقتبل أيام هذا القرن خاصة وأن كوكب الأرض بات مثقلا تحت وقر الانبعاثات الكربونية الناجمة عن غازات الاحتباس الحراري التي أدت، كما هو معروف، الى ظاهرة تغير المناخ بكل ما أفضت إليه من سلبيات.

من هنا تخلص الباحثة "غيوتا كيو" الى القول ان امكانيات التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كفيلة بأن ينجم عنها منافع "هائلة" على حد تعبيرها بالنسبة لمجالات النقل والصحة والأنشطة الصناعية وعمليات توليد الكهرباء على حد سواء.

صحيح أن ثمة بلدانا كثيرا مازالت تستخدم الفحم كمصدر مهم للطاقة يتسم كما هو معروف برخص التكاليف، لكن الصحيح أيضا أن من هذه البلدان ما بدأ يخطط للانسحاب من مضمار استخدام الفحم ولو بشكل تدريجي بحكم ما ينفثه هذا الاستخدام من انبعاثات بالغة الخطورة.

آفاق المستقبل

وفي ضوء هذه الحقيقة تعمد الباحثة الصينية التي نحيل إليها الى أن تقول في ختام دراستها ما يلي:

ومهما كانت العقبات أو التحذيرات أو فلنقل التحفظات فإن مستقبل الغاز الطبيعي واعد بكل معنى.. والتوسع في استخدامه في حال من الاطراد.. صحيح أن استخدامه في الأغراض الصناعية مازال في حدود 30 في المئة تقريبا. وصحيح أن استخدامه في تشغيل المركبات السيارات مازال أقل من 1 من عشرة في المئة، إلا أن هذه الاستخدامات كفيلة بأن يتسع نطاقها، وخاصة في عالم النقل والمواصلات الذي يبشر بمنافسة بين سيارة الغاز وسيارة الكهرباء في مستقبل الأيام.

 

الغاز الطبيعي.. واقع ومستقبل

 

تتوقع "الوكالة الدولية للطاقة" التي تتخذ مقرها في العاصمة الفرنسية باريس "مستقبلا.. ذهبيا" كما تسميه لمادة الغاز الطبيعي بوصفه مصدرا أساسيا واعدا ومبشرا من مصادر الطاقة جنبا الى جنب مع مصادرها التقليدية الأخرى وفي مقدمتها البترول بطبيعة الحال.. وفيما نوهت جريدة "النيويورك تايمز" بأحدث تقرير أصدرته مؤخرا الوكالة المذكورة عن استخدام الغاز الطبيعي بديلا عن الفحم الذي يؤدي الى انبعاثات كربونية تشكل بدورها خطرا على صحة كوكب الأرض، وخاصة ما يتعلق بغازات الاحتباس الحراري التي أدت وتؤدي الى ظاهرة تغيّر المناخ وارتفاع درجة حرارة الكوكب. ف

ثمة دراسة نشرتها الفصلية الأميركية المعنية بالدراسات المستقبلية الاستراتيجية بقلم باحثة من الصين.. أوضحت بدورها وعود المستقبل التي تنتظر الغاز الطبيعي الذي تتوافر منه احتياطيات وافرة في أقطار شتى من عالمنا (ومنها أقطار من المشرق والمغرب العربي) وهو ما يبشر بإمكانية استخدام هذا المورد المهم من موارد الطاقة الذي تنجم عنه انبعاثات أقل بكثير من موارد الطاقة الاحفورية، خاصة وأن ثمة توقعات بأنه في غياب اكتشافات بترولية جديدة فقد يواجه العالم نقصا في هذه المادة الاستراتيجية مع حلول منتصف هذا القرن الحادي والعشرين ومن ثم فالتوقعات تكاد تجمع على أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل المصدر الرئيسي للطاقة اللازمة لاستمرار الحضارة الانسانية في المستقبل القريب.

في العاصمة الفرنسية باريس يقع مقر "الوكالة الدولية للطاقة".. وهي منظمة مهتمة كما يوضح اسمها بقضايا الطاقة واقعها ومستقبلها وأنماط استهلاكها وآفاق تطورها فضلا عن مدى تأثير هذا كله على أوضاع الاقتصاد وأحوال البيئة على مستوى العالم بأسره.

في الآونة الأخيرة أصدرت الوكالة الدولية للطاقة عدة تقارير سرعان ما أصبحت موضع اهتمام عميق سواء من جانب الدوائر المتخصصة في هذا المجال أو من جانب المفكرين والمحللين الذين يعنيهم الشأن الدولي بشكل عام.

من أهم هذه الإصدارات يأتي التقرير الذي يحمل العنوان التالي:

القواعد الذهبية للعصر الذهبي للغاز

وبديهي أن المقصود هو عنصر الغاز الطبيعي الذي بات في الآونة الأخيرة موضعا لاهتمام أركان الصناعة وأنصار البيئة وأهل السياسة بشكل عام.

ويتمثل السبب في هذا الاهتمام الواسع في أن التقرير المذكور يتدارس أمر السلبيات (الأخطار) والإيجابيات (الوعود) المرتبطة بما أصبح يعرف في الدوائر العالمية بأنه "طفرة الغاز الطبيعي" بمعنى اتساع دائرة الاهتمام بهذا المورد البالغ الأهمية من موارد الطاقة التي يحتاجها دولاب العمل والانتاج والنشاط على مستوى العالم كله.

في هذا السياق تتناول جريدة "النيويورك تايمز" من منظور التحليل أهم محاور التقرير المذكور (عدد 9/6/2012) حيث تتوقف مليا عند ما تنطوي عليه عملية استخراج الغاز الطبيعي باستخدام أسلوب يعرف تقنيا بأنه التشديخ أو التكسير التشقيق المائي وبمعنى الحصول على خام الغاز الطبيعي من الأحجار القيرية وهو أسلوب يصفونه بأنه متهاود من حيث التكاليف ومأمون من حيث الآثار المترتبة ومفّضل على الفحم من حيث الانبعاثات الكربونية الناتجة ذات التأثير السلبي على صحة البيئة في كل أنحاء كوكب الأرض وخاصة ما يتصل بظاهرة التساخن التي تهدد مناخ عالمنا بأفدح الأضرار.

مع هذا كله تتوخى "التايمز" في تحليلها المنشور قدرا لا يخفى من التحوط والاحتراز حين تشير أيضا الى تحذيرات عديدة صادرة من جانب أنصار حماية البيئة فيما تنبه الى ضرورة أن يلتزم المشرّعون والمنظّمون العاملون في هذا المضمار بالذات أقصى جانب من الحذر وبما يكفل حماية المياه والهواء من خطر الملَّوثات المقدّر لها أن تنبعث في سياق عملية استخراج الغاز الطبيعي المطلوب.