لقد ألمحنا في الجزء الأول من المبحث الحالي الى أن هناك من خبراء ومحللي هذه المجالات من يتصور أن العالم يوشك أن يقترب من حافة صراع (سباق كما يسميه كتاب الباحث الأميركي الذي أشرنا إليه) من أجل الفوز بالموارد الحيوية، بالنسبة لإدارة دولاب الحياة المعاصرة.. وهو صراع وجد من يقارنه بمعارك الصراعات السياسية التي سبق وشهدتها أوروبا الغربية مع مطالع القرن السابع عشر، ودامت ثلاثة عقود لتحمل اسمها المسجل في حوليات تاريخ عالمنا باسم "حرب الثلاثين سنة" وهي التي أسفرت، كما أسلفنا في الجزء الأول عن توقيع معاهدة "وستفاليا" عام 1648 لتشكل الصك الأساسي في القانون الدولي الذي قامت على ركيزته تلك الكيانات المستجدة من أيامها على ساحة عالمنا، وحملت منذ ذلك الحين وصف "الدولة القومية" بالشكل الذي مازلنا نعرفه ونعايشه في بلادنا وفي خارجها حتى كتابة هذه السطور.

الصراع الجديد

على أن حرب الثلاثين الجديدة لن تكون بداهة صراعا على كيان هذه الدولة القومية بكل مؤسساتها ومرافقها وفروعها وأعوانها.. ولكن ستكون صراعا بالغ الشراسة، حسبما يحذر الاختصاصيون، على موارد الطاقة والمعادن اللازمة لاستمرارية وكفاءة هذه الدولة القومية بعيدا عن الصراعات الداخلية والحروب الأهلية أو النزاعات الإقليمية وما في حكمها.

مع ذلك فلا يملك أي باحث رصين في هذا المضمار سوى أن يشير في الوقت نفسه الى أن ثمة أصواتا من صفوف الخبراء ما برحت تحذر من الانسياق وراء هذا المنطق الذي يبالغ في التحذير أو التخويف الى حد الترويع مما ينتظر الإنسانية من قحط في الموارد والامكانات الطبيعية.

هنالك يعترف البروفيسور "مايكل كلير" بأن ثمة خبراء يطلون على نفس المشكلة ولكن من منظور أكثر إيجابية وربما أقل عصبية أو توتر. ويقول "مايكل كلير" في دراسة نشرتها شهرية "كرنت هستوري" المعنية بالوقائع المعاصرة (عدد يناير 2012 المخصص لرصد الاتجاهات العالمية المستجدة مع العام الميلادي الجديد) بأن هذه النوعية من الخبراء تعقد آمالها العراض على عنصر سحري كما تسميه وله اسم واحد ذائع بكل مقياس وهو: التكنولوجيا.

احتياطات أخرى

والمعنى أن إنجازات التكنولوجيا أو هي فتوحات التكنولوجيا، كفيلة بأن تأخذ بيد العالم والإنسانية الى حيث تفتح أمامها آفاقا أرحب، وتكشف لهما بأساليب أكثر ابتكارا ومعدات أشد كفاءة احتياطيات غير مسبوقة وغير مكتَشفة بعد من الامدادات اللازمة لكل مرافق حياتنا ما بين البترول الى الغاز الى سائر الركازات والفلزات الأساسية من نحاس وكوبالت وليثيوم وغيرها.

مع هذا كله.. يقف "مايكل كلير" عند الجانب الآخر من هذه المعادلة: يوضح أن المسألة ليست تحولا من الندرة الى الوفرة بقدر ما أنها في تصوره وحساباته تحوّل في جوهره من "السهل" الى "الصعب" أو من "يسر الاتاحة" التي قد تجدها تحت قدميك الى "مشقة البحث" التي لابد وأن تقتضي بحكم التعريف جهودا غير مسبوقة وأساليب محفوفة بأخطار تنبئ عن التوقع وتستعصي على الحساب في بعض الأحيان.

من هنا تحرص دراسة "مايكل كلير" على إيضاح مثل هذا التمييز وتستطرد لتوضح في الوقت نفسه أن هذا التميز سيترتب عليه آثار هائلة بالنسبة لأوضاع السياسة الدولية وأحوال الاقتصاد العالمي وصحة البيئة الكوكبية بشكل عام.

عالم النفط والغاز

هنا أيضا يسوق الباحث المذكور مثالا من عالم النفط والغاز موضحا أن القادة العاملين في هذا الميدان غالبا ما يلجأون الى استخدام أحدث أساليب التكنولوجيا من أجل استكشاف مناطق أشد وعورة والتنقيب عن ركازات أكثر عمقا وارتياد أقاليم وساحات تسودها أحوال مناخية بالغة الشظف والقسوة والتقلب في آن معاً.

ثم يمضي "كلير" قائلا في دراسته المنشورة:

- في حالة النفط والغاز.. أصبح الحفر والتنقيب يتحول من الأرض الى البحر ومن مساحات اليابسة الى المياه الساحلية، ومن ثم من المياه الضحلة الى الأغوار العميقة. ورغم أن الابتكارات التكنولوجية باتت تتيح باستمرار استغلال مصادر كانت عصّية في الماضي للحصول على الوقود الاحفوري المطلوب إلا أنها أصبحت تنطوي في الوقت نفسه على أخطار متفاقمة تنذر بوقوع حوادث وبحدوث تلوث جسيم للبيئة بل ونشوب صراعات سياسية في بعض الأحيان.

القطب الشمالي

ثمة منطقة مستجدة أخرى في هذا المجال.. هي تخوم القطب الشمالي. يصفها الاختصاصيون بأنها مصدر واعد للحصول على أهم عنصري الطاقة الاحفورية وهما النفط والغاز، فيما يقول البروفيسور "مايكل كلير" في الدراسة التي نحن بصددها بأنه حصول تحّفه صعوبات وتكتنفه عقبات بعضها محسوب، وبعضها لا يكاد يدخل في الحسبان، وإن كان يدخل - من منظور التفكير الواقعي في حساب احتمالات التهديد بخطر داهم وجسيم.

صحيح أن دوائر المسوحات الجيولوجية بالولايات المتحدة تتداول تصورا متفائلا مستقى من بحوثها ومفاده أن منطقة الدائرة القطبية في أقصى شمال كوكبنا، وهي تشكل نسبة 6 في المائة من مجموع مساحة هذا الكوكب الأرضي، إلا أنها تحوي ما يقرب من نسبة 30 في المائة.. نعم 30 في المائة من مجموع الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من الموارد الهايدروكربونية التي تجسد مصادر الطاقة المعروفة.. والأكثر من هذا: فعندما ترتفع درجة حرارة الكوكب، فيما يرتقي مستوى وفعالية، التكنولوجيات المستحدثة المستخدمة في مثل هذا المجال، يصبح ممكنا وبشكل مطرد استخراج هذه المقادير الواعدة والسخية من مصادر الطاقة.

صعوبات في القطب

لكن على الجانب المقابل من هذه المعادلة المتفائلة أو شبه المتفائلة، وهو جانب رمادي - إن لم يكن قاتما بصورة أو بأخرى - فثمة احتمالات تنذر بتفاقم صعوبة وخطر العمل في هذه المناطق القطبية من المحيط المتجمد الشمالي.

وهنا يسوق الباحث الأميركي مثالا على احتمال انخفاض درجة الحرارة الشتوية في تلك المنطقة الى ما دون الصفر ومن ثم تجتاحها الأعاصير القطبية فتصبح المنطقة بأسرها بما فيها من مرافق وهياكل الصناعات ذات الصلة، تحت رحمة الصفائح الجليدية المتجمدة وهو ما يهدد بالطبع ناقلات النفط البحرية وأرصفة الشحن ومحطات التنقيب.. هذا فضلا عما يتهدد الأنواع الحية من مخلوقات تلك المنطقة القصية من خطر الانقراض والفناء بسبب آفات التلوث المقدر أن تصيب هذه الأصقاع النائية من أقصى شمال العالم، وتلك آفة تنذر في نهاية المطاف باختلال التوازن البيئي في العالم.

معادن أخرى

في كل حال تعمد الدراسة الأميركية أيضا الى توسيع المنظور الذي تطل منه على تطورات الأمور في الحال والاستقبال كما يقولون بالنسبة لأنشطة عالمنا في مجال التصنيع والتعدين.. هنا لا يقتصر الحديث على النفط والغاز، بل يتوسع هذا المنظور كيما يشمل خامات أخرى مثل النيكل الذي كانت شركة برازيلية عملاقة تعمل في استخراجه من جزر "نيوكاليدونيا" في جنوب المحيط الهادي الى أن جرى استنفاد الركازات التي كانت مطمورة تحت سطح الأرض.

وهنا لجأت الشركة البرازيلية الى استخلاص معدن النيكل من الخام الأساسي الذي لا يزيد محتواه على نسبة 2 في المائة من المعدن المذكور.. وتلك عملية تقتضي كما توضح الدراسة الأميركية معالجة هذا الخام باستخدام الأحماض وتحت درجة عالية من الحرارة والضغط.. وهو ما يؤدي بدوره أولا الى ارتفاع التكاليف وثانيا، وهو الأهم في تصورنا، الى حالات تلوّث حمضي لمرافق الحياة في تلك الجزر الجنوبية البعيدة، التي لم يتورع سكانها الأصليون مؤخرا عن مداهمة مرافق الشركة البرازيلية العملاقة ومطالبتها بوقف عملياتها والعمل على إعادة الغطاء النباتي الأخضر من غابات المنطقة الى ما كان عليه في سالف الأيام.

تصدق مشاكل مماثلة أو تكاد تكون مماثلة على انتاج النحاس في مناطق أفريقية اجتاحتها الحروب والنزاعات الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وبديهي أن كلما تحولت معادلة الموارد العالمية من خانة الميسور الى خانة الصعب ومن خانة المتاح بسهولة الى خانة المتعذر، تقَّلص المعروض في السوق العالمي ومن ثم ارتفع السعر حسب القانون الرأسمالي المعروف فما بالنا وأن ثمة ظاهرة تقول بأن انكماش العرض يشهد في وقت واحد ارتفاعا متزايدا في الطلب، مما يصل بالأسعار الى سعير التأجج بشكل لم يسبق له مثيل.

الأواني المستطرقة

ولما كانت منظومة الأسعار أقرب الى شكل وشبكة الأواني المستطرقة المعروفة في علم الفيزياء فالمعنى أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والمعادن اللازمة لأغراض الحياة المعاصرة الى ارتفاع أسعار سائر السلع والخدمات وفي مقدمتها بالذات أسعار الأغذية الرئيسية التي لا غنى عنها لكل كائن مخلوق فوق سطح الأرض.

صحيح أن منجزات التكنولوجيا يمكن استخدامها لاستكشاف مجالات مبتكرة تتيح للبشر تخفيف هذه الأوضاع ومجابهة هذه الاحتمالات، لكن الأصح هو ضرورة أن تنطلق مسيرة البشر، على مستوى العالم وطبعا على صعيد وطن أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي - من ضرورة أن يتبع البشر منطق القسط وسلوك القصد فضلا عن منطق مداومة العمل الايجابي والبناء والابتكار المتواصل مع توزيع ثمرات هذا كله على أساس من الموضوعية والعدالة. نيجيريا وروسيا

 

أصبحت نيجيريا، حسب أحدث الإحصاءات، تشغل الرقم 4 من أكبر مصدَّري النفط الى الولايات المتحدة. إلا أن إنتاج ذلك البلد الأفريقي الكبير من النفط لا تفتأ تهدده حالات التخريب التدميري وحوادث اختطاف العاملين في صناعة النفط على يد عصابات المتشددين التي تعلن أحيانا معارضتها الشديدة لما تراه توزيعا غير متكافئ للعائدات النفطية في البلاد. هناك أيضا ما تصفه الدراسة الأميركية بأنه سطوة الدولة أو قبضتها القوية المسيطرة على صناعة النفط في بلد أوروبي هذه المرة هو روسيا التي يؤمن رئيسها "المستجد أو المتكرر" فلاديمير بوتين بأهمية ممارسة الدولة ومؤسساتها الحكومية دورا رئيسيا فعالا الى حد الهيمنة على مقاليد الصناعات النفطية وهو ما يهدد المستثمرين الأجانب بالاستيلاء على استثماراتهم في تلك الصناعات.

 

 

سباق العالم على النفط والغاز

 

لكل شئ نهاية، وموارد الطاقة التي عثر عليها الإنسان منذ قرنين من الزمان أيضا لها نهاية، خاصة النفط والغاز اللذان يعتمد عليهما العالم كله الآن كموردين أساسيين للطاقة، والواضح أنه مع زيادة استهلاك هذه الموارد بشكل مصطرد فإن نهايتها تقترب أيضا بشكل سريع، حيث أن التطور العلمي والتكنولوجي، وزيادة عدد سكان الأرض بشكل كبير زاد من استهلاك الطاقة بشكل أكبر مما كان عليه من قبل، وقد تمكن العالم من قياس كميات الاحتياطي من هذه الموارد، وأيضا قياس نسب استهلاكها، بحيث أصبح في مقدورنا معرفة موعد انتهاء هذه الموارد واختفائها من حياتنا، وعلينا أن نستعد لذلك من الآن، خاصة وأن الموعد قريب.

في ضوء الإحالة الى دراسة منشورة مؤخرا ومستقاة من كتاب مهم مرتقب الصدور في الفترة القريبة المقبلة.. يحذر كاتبها المتخصص في شؤون اقتصادات الطاقة بالمجامع العلمية الأميركية من أن زمن الحصول الميسور أو المتاح على الامدادات من الطاقة أو من المعادن الأساسية اللازمة لأغراض الحضارة المعاصرة أو لاستمرار الحياة كما نعرفها على سطح الأرض هذا الزمن يكاد يصبح الآن في حكم الماضي مما يجعل العالم على حافة الخطر الذي يهدد بنشوب صراع على تلك الموارد الأساسية أشبه بحرب الثلاثين سنة التي سبق وأن شهدتها أوروبا مع مطالع العقود الأولى من القرن السابع عشر وأسفرت يومها عن نشوء الكيانات التي باتت تعرف الآن بأنها "الدول القومية"..

والمعنى أن على كل أطراف عالمنا الراهن أن تدرك مدى الصعوبات المقدر أن تكتنف سبل الحصول على ما عهدناه من مستلزمات الحياة من موارد الطاقة والمعادن، خاصة وأنها في حال من التناقص المعروض، متوازيا في ذلك مع ارتفاع مضطرد في الطلب وهو ما يفضي حسب قوانين السوق الى زيادة الأسعار، فضلا عما يكتنف هذه العملية ذاتها من ظروف الصراعات السياسية والنزاعات العسكرية التي شهدها كثير من البلدان والمناطق المنتِجة لهذه الخامات.. ومن هنا فالأمر يقتضي مواصلة ابتكار وتطوير تكنولوجيات تكفل الحصول على تلك الموارد مع توخي القصد وعدم الإهدار في استخدامها.

لم يعد هناك شئ ميسور، هذه هي المقولة المحورية التي تدور حولها أفكار كتاب وشيك الصدور ليجد طريقه الى أسواق النشر ومن ثم مجامع البحث العلمي ومنتديات الحوار الفكري في أميركا وفي العالم.

مؤلف الكتاب المرتقب هو البروفيسور "مايكل ت. كلير" أستاذ اقتصاديات الطاقة في الجامعات الأميركية الذي ظللنا نتابع دراساته المنشورة عبر سنوات عديدة وخاصة في قضية الطاقة التي ما برحت تشكل بداهة واحداً من الاهتمامات وأيضا من الهموم الأساسية التي مازال عالمنا منشغلا بها الى حد ليس بالقليل.

ونلاحظ أيضا أن عنوان الكتاب المنتظر تجسده العبارة التالية: السباق على ما تبّقى.

وبديهي أن العبارة تنطوي على شحنة تحذيرية، حيث ينصرف التحذير، كما نتصور، الى التنبيه من موقع البحث الامبريقي (العملي الميداني) الى أن عالَمنا مهدد بأن يواجه عبر السنوات القادمة أزمات في مجال الحصول على موارد الطاقة التقليدية سواء من حيث حجم المتوافر أو مقدار الركاز الاحتياطي أو جانب النقل والتوصيل والتسعير.. دعك من جوانب الآثار البيئية المترتبة بالنسبة للمناخ الكوكبي بشكل عام.