في دنيا الطاقة.. ثمة حرب مشتعلة.. هي حرب الثلاثين سنة.. الجديدة. هذا هو بالضبط العنوان الذي اختارته صحيفة «الجارديان» البريطانية في دراسة نشرتها بقلم المفكر الاقتصادي «مايكل كلير» الأستاذ بكلية «هامشاير» في الولايات المتحدة والمهتم على وجه الخصوص بقضايا الطاقة على مستوى العالم.

ومن منظور متابعتنا لدراساته وإصداراته نستطيع أن نخلص الى أن الباحث الأميركي المذكور يتميز بمعالجته الواقعية لقضايا الطاقة الراهنة في عالمنا، وهو ما يوصله الى حدود التحذير من مستقبل محفوف بالتذبذب ينتظر مصادر الطاقة، مما يدعو في تصوره الى الأخذ بمزيد من القصد أو القسط أو حتى التقشف في التعامل مع تلك المصادر الطبيعية بعيداً عن أساليب السرف أو الإهدار أو الاستهلاك غير المسؤول الى حد الاهتلاك.

السباق على ما تبقىّ

من هنا تترقب الأوساط المعنية بهذه القضايا صدور أحدث كتاب من تأليف «مايكل كلير» في الفترة الوشيكة ليحمل العنوان التالي: «السباق على ما تبقَّى..».

أما «الغارديان» فقد مهدت لدراسة الباحث المذكور بتصدير تقول سطوره بما يلي:

- «.. بصراحة.. نحن مقبلون على صراع يشهد تنافساً على مستوى العالم بين النجاح أو الفناء، ويشتعل بين أكبر مستخدمي الطاقة.. ولا سبيل الى أن نعرف من الفائز ومن الخاسر من بين تلك الأطراف»..

يتصور المفكر الأميركي أن عالمنا أصبح يقف الآن على أعتاب، أو فلنقل على حافة، حرب ثلاثين سنة جديدة.. لا صراع فيها - مثل سابقتها على أراض أو عروش أو نفوذ كنسي أو دنيوي كما حدث منذ الثلاثمائة سنة ويزيد.. ولكنها حرب ثلاثين سنة مستجدة على التفوق والهيمنة في دنيا الطاقة.

صحيح - تعترف دراسة الغارديان - أن حرب الـ30 سنة الجديدة في زماننا لن تسفر عن مجازر تسفك فيها دماء المتحاربين كما حدث في القرن السابع عشر، ولكن الحرب الصراعية الجديدة من شأنها أن تؤثر بعمق على مستقبل كوكب الأرض بأسره .

لماذا 30 سنة؟

سؤال بديهي يجيب عليه مايكل كلير قائلاً انها الفترة التي يستغرقها تحول النظم التجريبية (المستجدة) للطاقة من زوايا المختبرات الى مضمار التطور الصناعي بكل أبعاده وأغراضه واستخداماته.. وهذه النظم تضم كلاً من طاقة الهيدروجين، والايثانول (النباتي الأصل) وطاقة الأمواج البحرية والمفاعلات النووية المتقدمة.

وعن المصادر الجديدة للطاقة فإن مثل هذه المصادر المستجدة والطموحة أيضاً لها مصائر مختلفة:.. بعضها يمكن أن يتطور وينضج متقدماً الى سوق الاستخدام.. والبعض الآخر لن يواصل هذه المسيرة.. علماً بأنه يصعب التنبؤ في هذه اللحظة بمن سوف يواصل سيره ومن يتوقف عن هذا المسير..

وإن كان لا يصعب في رأي البروفيسور مايكل كلير القول بتناقص استخدام النفط والفحم باعتبارهما أهم مصدرين للطاقة في اللحظة الراهنة، حيث يسوق المفكر الأميركي سببين يتمثلان أولاً في تناقص احتياطيات هذين المصدرين فيما يتمثلان ثانياً في تزايد الشواغل التي تدعو الى القلق إزاء ما ينتج عن استخدامهما - كما أصبح معروفاً - من انبعاثات أكاسيد الكربون.

صراع الشركات

في هذا السياق يتوقع الباحث المذكور اندلاع حرب الثلاثين سنة الجديدة طبعاً بين الشركات والمؤسسات المسئولة عن عمليات انتاج وتسويق معظم النفط في عالمنا وهو يورد أسماءهم تحديداً بأنهم الشركة البريطانية وشركة شيفرون وأكسون موبيل وشل الهولندية وهي الأطراف التي يراها البروفيسور كلير منوطة باستيعاب مستجدات الوضع العالمي خلال السنوات الثلاثين التي حددها.

ومن ثم عليها في تصوره أن تنوء بأعباء بالغة الفداحة ليس أقلها وضع واتباع نماذج اقتصادية جديدة واستكشاف مجالات وأسواق جديدة من أجل بدائل الطاقة واستشراف أساليب أفضل وأكفأ من أجل استخدام التكنولوجيا.

أما الدول المنتجة لهذه الأصناف المتعارف عليها للطاقة فتتصور دراسة (الغارديان) أيضاً أن عليها أن تستكشف اتباع نهج مبتكرة بمعنى أساليب مبدعة في التعامل مع ما تملكه من موارد ثمينة من مصادر الطاقة التقليدية (مابين الفحم الى النفط الى الغاز الطبيعي) وهو ما يتيح لها قدرات التنافس الفعال في أسواق الطاقة العالمية ومن منطلق أن امتلاكها احتياطيات كافية من تلك الامدادات.

وبما من شأنه أن يشكل مسألة ترتبط وثيقاً بأمنها الوطني ولدرجة يحتمل معها أن يفضي التنافس الشديد، وأحياناً التسابق المحموم على هذه الموارد النفيسة من الطاقة، سواء كانت كما تضيف «الغارديان» على شكل نفط أو غاز طبيعي أو ربما على شكل خامات النيكل والليثيوم (اللازمة مؤخراً للسيارات المدفوعة بالكهرباء) - كل هذا يمكن أن يفضي الى اندلاع اشكال من النزاع قد تصل الى العنف المسلح في بعض الأحيان.

وستفاليا رقم 2

ربما تنجلي غمرات هذه العقود المتوقعة من حبس الأنفاس وطرح التوقعات واضطراب الأوضاع الى ما سبق وأفضت إليه حرب الثلاثين سنة السابقة، أي الى "وستفاليا" الثانية أو الجديدة - بمعنى اتفاق يؤدي الى تهدئة الأحوال واستقرار الأوضاع وبما يسلم بدوره الى إرساء الأسس لقيام نسق جديد من أنساق تلبية احتياجات العالم من الطاقة وإن كان الأمر لن يخلو من اشتعال أوار المنافسة.

أولا بسبب التناقص في إمدادات الطاقة وثانياً بسبب التزايد الشديد في استخداماتها وخاصة بعد دخول عمالقة المستهلكين للطاقة الى حلبة المنافسة وفي مقدمتهم الصين على سبيل المثال.. وكل هذا يدعو بداهة الى التماس نظم مبتكرة من موارد الطاقة البديلة.. وبغير هذه «الوستفاليا الجديدة» كما قد نسميها يصبح كوكبنا الأرضي عرضة للإصابة بكل مضاعفات الكوارث البيئية التي قد لا يحمد عقباها:

صحيح أنه يمكن مجابهة هذا المنطق التحذيري الذي لا يفتأ يستخدمه الباحثون الغربيون في مرافعاتهم المتكررة ضد استخدامات النفط والغاز، وصحيح أيضاً أن بعضهم يبالغ أحياناً وكأنما يصُدر عن غيرة مكتومة وغريبة إزاء ما تحتويه أراضٍ وبقاع وأقطار في عالمنا الثالث من ثروات طبيعية وموارد طاقيّة.. إلا أن الصحيح كذلك هو الاعتراف من واقع الأرقام الموثوقة بذلك التزايد المطرد في استخدامات الموارد التقليدية للطاقة وفي مقدمتها النفط على وجه الخصوص.

ولدرجة تشير معها تلك الاحصاءات أن العالم سوف يحتاج مع السنوات الثلاثين المقبلة الى تحقيق زيادة بنسبة 40 في المائة في مخرجات (منتوجات) الطاقة من أجل تلبية الاحتياجات المطردة التزايد بدورها، سواء على مستوى الدول الصناعية التقليدية الكبرى أو مع الطلب المتصاعد - من جانب الصين، كما أسلفنا، وأيضاً من جانب عدد لا بأس به من الأقطار النامية بوتيرة سريعة في شرقي عالمنا وجنوبه وغربه على السواء.

من الذروة إلى التراجع

في نفس السياق يضيف مايكل كلير في دراسته التي نحن بصددها، موضّحاً أن معظم محللي الطاقة يتوقعون أن يصل الناتج من الطاقة التقليدية - بمعنى النفط السائل المستخرج من الحقول البرية والمواقع البحرية - الى ذروة انتاجية خلال السنوات القليلة المقبلة، وبعدها يؤول هذا الناتج الى تراجع مطرد بغير رجعة، وإن كان هناك من المحللين مَن ينّبه الى أن ثمة مصادر أخرى من النفط «غير التقليدي» الذي يمكن استخراجه من الرمال النفطية ومن المواقع البحرية العميقة فضلاً عن مصادر غير تقليدية أخرى.

بعدها يتحول مايكل كلير الى ما يحذر منه اختصاصيو البيئة وعلى رأسهم الهيئة العالمية التي تحمل اسم «فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ» وهم لا يفتأون يرفعون عقائرهم منذرين بأن الاستمرار في استخدام مصارد الطاقة الأحفورية، كفيل بزيادة الانبعاثات الكربونية التي تؤدي الى أخطار تصيب كوكبنا، وتلخصها «الغارديان» في سطور الدراسة التي نشرتها.

حيث يتمثل في مقدمتها خطر ازدياد الأنشطة الإعصارية التي تعصف بمرافق ومظاهر الحياة كما نعرفها، إضافة الى خطر ارتفاع منسوب سطح البحر وإطالة الأمد الزمني لحالات الجفاف التي باتت تصيب أصقاعا في أفريقيا بل وفي مناطق شاسعة من الولايات المتحدة الأميركية نفسها.. وهناك أيضاً موجات الحرارة القائظة والمهلكة التي تنتاب مواقع شتى من الكوكب - فما بالنا بظواهر أصبحت متواترة الحدوث مثل موجات التسونامي المحيطية ومثل حرائق الغابات التي تلتهم مساحات أكثر من مترامية من الغطاء النباتي الذي يشكل حصن الوقاية بصحة كوكبنا.

سؤال محوري

عند هذا المنعطف من البحث يطرح مايكل كلير السؤال المحوري والبديهي أيضاً:

فإلى الجزء الثاني المتمم لهذا المبحث.

 

 

معاهدة وستفاليا وبداية الصراعات

 

تسود توقعات بين أهم الخبراء الثقات في مجالات الطاقة العالمية ومفادها احتمال نشوب ما أصبح يعرف بأنه «حرب ثلاثين سنة جديدة» في سوق الطاقة على صعيد عالمنا.

وهي إشارة تستعيد وقائع الحرب التي دارت مع مستهل القرن السابع عشر ودامت نحو 30 سنة بين أطراف شتى من شمال ووسط وغرب أوروبا واتسمت بصراعات دينية ومذهبية وقومية وسياسية الى أن جاءت خاتمتها في عام 1648 بتوقيع معاهدة سلام «وستفاليا» التي مازالت تعد الصك القانوني الذي قامت على أساسه فكرة ومنظومة «الدولة القومية» بمفهومها الحديث.

بيد أن حرب السنوات الثلاثين المتوقعة من شأنها أن تدور في عالم الطاقة بكل أبعاد هذا العالم وشواغله: الموارد والاحتياطيات وعمليات الاستخراج واقتصاديات النقل والتصدير والتسعير وتقلبات الأسواق وما الى ذلك، ولاسيما في ضوء ما تتوقعه دراسات منشورة وموثوقة بحكم صدورها عن اختصاصيين في هذا المضمار.

ومنهم من يتوقع أن تشهد العقود الثلاثة المقبلة - تناقص المتاح من مصادر الطاقة التقليدية وخاصة النفط والغاز متوازيا مع تزايد نفوذ وتحذيرات الاختصاصيين في الشأن البيئي من أخطار الانبعاثات الكربونية الناتجة عن استخدام تلك المصادر..

وفي هذا الجزء الأول من المبحث المذكور بكل أهميته تصل الدراسة الى الحديث عن 7 مصادر للطاقة البديلة من أجل تقصي هذه المصادر وتأثيراتها على مدار السنوات الثلاثين المقبلة. دارسو ومحللو العلوم السياسية يعرفون أن كل حرب عالمية - بمعنى كل صراع دولي أو كوكبي - إنما يفضي بحكم التعريف الى إعادة رسم الخارطة السياسية على مستوى العالم.

حدث هذا بعد الحرب العالمية الأولى التي سقطت في غمارها الإمبراطوريات الكبرى في أوروبا.. ما بين الرومانوف في روسيا الى العثمانيين في تركيا. فضلا عن الهابسبورغ في النمسا والمجر والهوهنزلورن في ألمانيا القيصرية. حدث هذا أيضا بعد الحرب العالمية الثانية التي أسقطت الرايخ الألماني والفاشست الإيطالي ومن ثم قسّمت العالم الى معسكري الشرق والغرب على مدار معظم السنوات من النصف الثاني من القرن العشرين.

ثمة حرب بدأت تهتم بها أوساط التحليل السياسي ومعها هذه المرة دوائر التحليل والفكر الاقتصادي وقد عاودت ظهورها وربما إلحاحها على الأذهان، رغم أنها وضعت أوزارها منذ 360 سنة وأكثر من عمر هذا الزمان.

حرب الثلاثين سنة اشتعلت شرارتها في أوروبا واتقدت نيرانها على مدار الفترة الفاصلة بين عام 1618 وعام 1648 للميلاد.

ولقد جاءت مشاهد وفصول هذه الحرب على شكل سلاسل من المعارك - وأحيانا المجازر - التي اندلعت جذوتها بين الأطراف الأوروبية المختلفة التي ضمت أقطاراً مثل السويد في أقصي شمالها النوردي الى ألمانيا في عمق وسطها الجرماني الى فرنسا المطلة من أقصي غرب أوروبا على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

وقد لا يعنينا في مثل هذا المقام تفاصيل هذا الصراع الدموي الثلاثي العقود، الذي اشتعلت نيرانه من بين تلك الأطراف الأوروبية على أسس من الصراعات الدينية والمنافسات السياسية - القطرية وغيرها. لكن الذي يعنينا أمران:

أولهما يرتبط بالتطور السياسي حيث يكاد الدارسون يجمعون على أن حرب الثلاثين سنة المذكورة أعلاه جاء ختامها بتوقيع صك قانوني جوهري بالنسبة الى ظهور وتجسيد المؤسسة السياسية التي عرفت ولاتزال تعرف باسم « الدولة القومية ».

أما ثانيهما فيرتبط بالصراع على مصادر الطاقة التي تبدأ بدورها من مستوى الاستكشاف والتنقيب.. ثم الاستخراج والتجهيز الى التصدير والنقل الى التسعير والطرح في أسواق العرض والطلب على السواء.