الفترة من 1884 1885 على وجه التحديد التي شهدت انعقاد اجتماع بالغ الخطورة في العاصمة الألمانية دعا إليه وأشرف على ترتيباته وسير أعماله الكونت "أوتو بسمارك" مستشار ألمانيا في تلك الفترة أو هو المستشار الحديدي كما كان يصفه معاصروه.

وإذا كان من مآثر "بسمارك" أن قامت على يديه رغم قسوته الحازمة صروح الوحدة الألمانية ولو باستخدام الحديد والنار على حد ما كان يقول به شعاره الأثير إلا أن من خطايا "بسمارك" أيضا هو دعوته الأطراف الأوروبية غرب أوروبا بالذات الى أن يلتئم عقدها في عاصمة ألمانيا حيث حمل المؤتمر ولايزال اسمه التاريخي المقيت وهو: مؤتمر التسابق (بمعنى التهافت أو حتى التكالب) على أفريقيا.

نهب الثروات

هو في الأساس اجتماع كل أطراف أوروبا الغربية التي كانت تترقب وقتها لاقتسام ما تستطيع اختطافه أو انتزاعه من الكعكة الأفريقية، سواء على شكل ثروات كامنة تحت أرض القارة المذكورة من المواد الأولية الخام، أو على شكل أسواق مفتوحة واحتكارية أي بغير منافسة لتصريف ما تنتجه مصانع أوروبا في تلك الفترة، فضلا عن فتح مجالات تتيح سبل النزوح والاستيطان الإمبريالي حتى لا ننسى لأفواج بل أجيال من أبناء الدول الأوروبية الذين ما لبثوا أن توجهوا الى القارة وخاصة جنوبي الصحراء الكبرى يتسيدون على شعوبها.. ويستغلون مقدراتها.. الزراعية بالذات.

ويستأثرون دون أهلها بما كان يسمى في شرق أفريقيا على وجه الخصوص بأنه "الأرض العالية" البركانية التكوين والشديدة الخصوبة والثرية من حيث انتاجية غلات أفضل المحاصيل (البن والشاي وما اليهما) تاركين لأهل البلاد أو مواطنيها الشرعيين أراضي الوديان الواطئة حيث مشقة العيش وشح الأقوات ولفح القيظ.. وانتشار الأوبئة تصيب الإنسان والحيوان على السواء.

الزحف الإمبريالي

هكذا احتشد المؤتمِرون في برلين، مع مطالع العقد الثامن من القرن 19 لشن هجوم مدّهم الامبريالي على أفريقيا.. وإذا كان التحليل السياسي قد استوفى جانب ما تعرضت له القارة السمراء من ضروب الاستغلال الاقتصادي والاستبداد السياسي والاحتلال الأجنبي.. فإن ثمة جانبا مازلنا نتصور أنه لم يستوف حقوقه من البحث المتعمق والتحليل الموضوعي: نتحدث عن جانب يمكن أن نضفي عليه العنوان التالي: جانب الفرصة البديلة.. أو الفرص الضائعة.

والمعنى ببساطة يقول انه قد ضاعت على أفريقيا وشعوبها تلك الفرصة التي كانت قد أتيحت لأوروبا وشعوبها من أجل تنمية قدراتها وتطوير حياتها والارتقاء بمستوى مؤسساتها في مجالات التعليم والفكر والبحث العلمي والتطوير التطبيقي مستفيدة في ذلك بما كانت تجود به عقود السنوات الثمانين أو التسعين الفاصلة بين انعقاد مؤتمر التسابق على أفريقيا في برلين وبين زمن الستينات من القرن العشرين وهو عقد الاستقلال السياسي نكرر السياسي - للقارة الأفريقية.

التخلف عن العالم

هكذا لم تستفد أفريقيا، أسوة بغيرها من قارات عالمنا وشعوبه من ثمرات الثورة الصناعية في مجالات النقل (القطار) في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر الى ثورات الاتصال التي شهدتها العقود الختامية من القرن المذكور متمثلة في اختراع البرق التلغرافي ثم الاتصال الهاتفي استشرافاً لعصر اللاسلكي الذي أوصل الى عالم البث الإذاعي المسموع ثم المرئي مع عقود القرن العشرين.

كل هذا ضاع على أفريقيا وأبنائها.. وكله أدى الى إبقائها راسفة في أغلال التخلف الاقتصادي ومن ثم الاجتماعي بكل تأكيد. وكل هذا تم على يد أوروبا التي مازال على مسؤوليها وشعوبها أن ينظروا في أمر تعويض أفريقيا عن كل ما فات وضاع.

مفكر أفريقي

وبدلا من النظر في قضايا مثل هذا التعويض فهل أتى الآن حين من الدهر تعمد فيه أوروبا وليس غيرها الى العمل على تخلف أفريقيا من جديد؟

هذا هو السؤال الذي بادر إليه المفكر الاقتصادي "سولودو" في مستهل أطروحته التي نشرتها كما ألمحنا مجلة "نيو أفريكا".

وفيما يتفاخر الأوروبيون بأنهم باتوا يبرمون اتفاقات مستجدة مع أفريقيا من أجل التبادل الاقتصادي إلا أن الباحث الأفريقي المذكور يتساءل عما إذا كان الأمر مجديا في نهاية المطاف بالنسبة للقارة السمراء..

حيث أصبح يتعين على أفريقيا كما يذكر البروفيسور "سولودو" أن تلغي معظم الضرائب الجمركية (بنسبة 80 في المئة على الأقل) التي تتقاضاها على وارداتها السلعية من الاتحاد الأوروبي، وهو البند الذي فرضه الطرف الأوروبي شرطا للسماح بدخول السلع أو المنتجات الأفريقية الى الأسواق الأوروبية.

الخطر الصيني

صحيح أن الاتحاد الأوروبي لايزال حريصا على استمرار علاقاته الوثيقة الحميمة أحيانا مع أفريقيا، ولكن الصحيح أيضا أن الأمر لا ينبثق أساسا عن مطلق المشاعر الدافئة نحو صداقة أفريقيا، بقدر ما أنه ينطلق من استشعار خطر قادم، بل هو زاحف من أقصى شرق العالم وهو الخطر الصيني التي باتت أطراف أوروبية شتى تصف تحركها في أفريقيا بأنه يشكل صورة من صور "الغزو" أو صور "الاستغلال" التي تتخذ شكلا مبتكرا من أشكال المعونات التي تقدمها الصين حاليا الى دول أفريقية عديدة وتحمل بدورها عناوين جاذبة من قبيل "المشاريع المشتركة" أو "المعونات التي لا تستند الى عنصر المشروطية"..

ولأن أميركا ركزت في مراحل سابقة على علاقاتها مع دول قارة أميركا اللاتينية، "ردهتنا الجنوبية" كما توصف في حوليات السياسة الأميركية منذ اعلان مبدأ الرئيس الأميركي "مونرو" في عام 1824، فلم تكد أوروبا تجد سبيلا إلا معاودة التركيز على أفريقيا، في ضوء التحدي الصيني المستجد في السنوات الأخيرة. ومن هنا عمدت أوروبا الى توقيع صكوك قانونية تحمل العنوان التالي: اتفاقات الشراكة الاقتصادية.

الإعلام الأوروبي

هنالك انتفضت ميديا الإعلام والدعاية في الاتحاد الأوروبي الى الترويج والتهليل لتلك الاتفاقات.. وإن كان التقدير الموضوعي لها وعلى نحو ما يشير اليه البروفيسور "سولودو" - يفيد بأنه قد فرضتها الاحتياجات الماسّة بل الحيوية التي تشعر بها أوروبا الى موارد أفريقيا وخاماتها وامكاناتها الطبيعية.

وفي هذا السياق بالذات يحيل المفكر الأفريقي المذكور الى الوثيقة التي أعدها خبراء المفوضية الأوروبية وتم تقديمها الى البرلمان والمجلس الأوروبي في عام 2008 وحملت الوثائق العنوان التالي:

"مبادرة الموارد الأولية الخام.. تلبية احتياجاتنا الأساسية للنمو والعمالة في ... أوروبا".

وهنا يعلق المفكر الأفريقي قائلا:

- من قراءة عناوين ومضامين هذه الوثيقة يستطيع المرء أن يشكل لمحة ولو خاطفة وإن تكن واضحة عن الدوافع الحقيقية التي دفعت الى حكاية اتفاقات الشراكة (التي عمد الأوروبيون الى إبرامها مع عدة أطراف في القارة الأفريقية).

الرقة المصطنعة

في نفس المضمار يواصل الخبير الاقتصادي الأفريقي تعليقه المنشور قائلا بأسلوبه شبه التهكمي:

- لاحظ من فضلك أسلوب الرقة و(الشياكة) الذي اتبعه المفاوضون الأوروبيون.. لقد رصّعوا أسلوبهم بعبارات من قبيل "المساعدة" لأفريقيا والحرص على "تنميتها". والواقع أن التاريخ كان يعيد نفسه في هذا الخصوص ولكن بطريقة بالغة الطرافة.. ألا نذكر مثلا ما سبقوا الى إعلانه عندما رفعوا شعار "مصلحة أفريقيا خلال مؤتمر برلين إياه في عام 1884..

وقد أدى الشعار والمؤتمر الى توطيد وترسيخ دعائم استعمار القارة تحت لافتة تقول "نحن نساعد على إنهاء نظام العبودية".. هكذا قالوا.. وبعدها استعمروا.. والباقي أصبح كما نعرف ملكا للتاريخ.

والحق يضيف المفكر الأفريقي أن الأوروبيين كانوا ومازالوا يتفاوضون بوصفهم كتلة واحدة، في حين أن الجانب الأفريقي مقسّم الى سبع مناطق في طول القارة وعرضها. وثمة اختلالات حتى لا نقول انقسامات - تكاد تفصل في ما بينها من حيث درجة النمو الاقتصادي والتطور السياسي والاجتماعي وهو ما يوّصل بداهة الى حالة من اللاتكافؤ ولمصلحة الطرف الأوروبي بطبيعة الحال.

قمة اقتصادية

بعدها تصل الدراسة الأفريقية المنشورة الى أن تقول بوضوح شديد ما يلي:

- إذا ما كانت اتفاقات الشراكة السابق ذكرها تقصد حقا وصدقا الى تنمية أفريقيا.. فالأمر يحتاج الى أن يشعر الأفارقة أنهم "يمتلكونها".. وبمعنى أن تطرح على طاولة، بل على طاولات المناقشة والرأي بين صفوف القطاع الخاص والبرلمانات الأفريقية ودوائر المجتمع المدني.

ونحسب أن قد آن الأوان لعقد "مؤتمر قمة إنمائية" يضم كلا من أفريقيا وأوروبا بحيث يتاح للفرقاء أن يتبادلوا الآراء في إطار من الصراحة المباشرة ودون أن ننسى أن الأطراف الأفريقية سبق لها وأن بذلت من جانبها محاولات جادة وموضوعية لكي تعيد بناء هياكلها الاقتصادية أملا في المضّي على طريق التنمية المستدامة..

وقد حظيت هذه المبادرات الأفريقية بتأييد واسع النطاق من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة فضلا عن جميع حكومات القارة ذاتها، وكان ذلك في منتصف عقد الثمانينات من القرن العشرين.. لكن الذي أفسد الأمر كله، وأعاق انطلاق هذه المسيرة الانمائية الجادة كان وكالات المعونة التي امتلكت، كما يؤكد الباحث الاقتصادي الأفريقي، قوة وجاذبية مستمدة بالطبع من "حافظة النقود" فكان أن تحولت جهود التنمية الى عمليات انتظار المعونة..

وعاشت القارة عبر العقدين الأخيرين مرحلة من تدمير الجهود وتبديد المحاولات الانمائية وهو ما عرّض للخطر حياة المئات من الملايين من أبناء القارة.. وكأنما كان عليهم أن يمضوا سنوات هذين العقدين حتى يدركوا ما اقترف بحقهم من أخطاء.

لا وقت للندم

ولأنه لا وقت للندم، فمازال اقتراح "القمة الأفريقية" مطروحا لمعاودة البحث الموضوعي لقضية تنمية القارة.. فيما يقترح أيضا أن يشارك في هذه القمة المقترحة أطراف بارزة في مجموعة "بريكس" من الاقتصادات الصاعدة وفي مقدمتها كل من الصين والهند فضلا عن أميركا - بحكم أن كلا من هذه الأطراف الثلاثة يصدر عن اهتمام فعلي ومتأصل.. ومصلحي أيضا بشؤون القارة الأفريقية.

أخيرا تخلص الدراسة الى سطور يقول فيها البروفيسور "سولودو":

- منذ 30 عاما نشر المفكر "والتر رودني" كتابا يحمل عنوان: "كيف أدت أوروبا الى تخلّف أفريقيا". ولما كنا الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين فإنني أتصور أن علينا أن نعزف نغمة جديدة، وبمعنى أن تستجمع الإرادة الكافية من كلا الجانبين كي نتطلع الى أن يقوم أحفادنا خلال العقود القليلة المقبلة بإصدار كتاب جديد ردا على ما سبق إليه "والتر رودني".. وبحيث يأتي عنوان الكتاب المرتقب ليقول بما يلي: كيف أدت أوروبا الى تنمية أفريقيا؟.

 

مؤتمر لتنمية القارة السوداء

 

إذا كانت العاصمة البلجيكية بروكسل ترمز الى كيان الاتحاد الأوروبي بحكم وجود مقراته على صعيدها، فإن العاصمة الألمانية برلين ترتبط تاريخيا وفي الفكر والوجدان الأفريقي بالذات بذكريات تاريخية مؤلمة باعتبارها استضافت في الفترة 1884 1885، وتحت رعاية المستشار الألماني وقتها "بسمارك"، المؤتمر الاستعماري الشهير بعنوان "مؤتمر التسابق نحو (استعمار - استغلال احتلال) أفريقيا".

وبحكم التأثير البالغ للمؤتمر المذكور الذي أسفر بداهة عن الاحتلال الأوروبي للقارة السمراء على مدار نحو 90 عاما فإن محللي الشأن الأفريقي المعاصر وهم في معرض الانتقاد للعلاقات السلبية الراهنة بين الاتحاد الأوروبي والأطراف الأفريقية - لم يتورعوا عن التحذير من أن التاريخ يكاد يعيد نفسه.

وبمعنى أن المشروطيات التي تفرضها أوروبا على الصادرات الأفريقية، فضلا عن إحلال المعونة بكل مشاكلها محل مشاريع التنمية الحقيقية بكل جدواها في الأجل الطويل، إنما تستعيد مآلات مؤتمر برلين القديم ولكن بأسلوب القرن الحادي والعشرين.

حيث حلت بروكسل محل برلين بطبيعة الحال، من هنا يطرح الدارسون الأفارقة اقتراحا بمؤتمر قمة اقتصادي جديد يضم الأطراف الأفريقية صاحبة المصلحة فيما يضم الأطراف الأوروبية ومعها دول من مجموعة "بريكس" المكونة من الدول الخمس (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا) ذات الاقتصادات الصاعدة والواعدة، اقتصادات صاعدة مثل الصين والهند تشكل مع الولايات المتحدة الأميركية قوة اقتصادية عالمية تستطيع بكل ثقة انتشال القارة السوداء من مأساتها.

حيث تُطرح على المؤتمر المقترح مشاكل أفريقيا وآفاق تنميتها وبأسلوب يجمع بين الصراحة والموضوعية وصولا الى تحقيق غاية تتيح نسيان شعار "أوروبا أدت الى تخلف أفريقيا" ولمصلحة شعار: "العالم يدعم آفاق التنمية في أفريقيا".

ترى.. هل هي برلين من جديد؟

هذا السؤال الذي اختارته مجلة "نيو أفريكا" أفريقيا الجديدة - عنوانا بارزا لغلاف أحدث أعدادها الشهرية الصادرة في شهر ابريل الماضي.

"نيو أفريكا" مجلة عريقة راسخة القدم حيث يبلغ عمرها ستة وأربعين عاما بالتمام والكمال. وفي محاولة لتفسير هذا السؤال.. البلاغي كما يمكن أن نقول، بادرت المجلة الأفريقية الى عبارة شارحة.. وجارحة أيضا تقول فيها: كيف تعمل أوروبا على تقويض (بمعنى تدمير) جهود التنمية في أفريقيا.

وبديهي أن كان السؤال المطروح والتفسير المذكور أعلاه هما محور الموضوع الذي تصدّر كل طروحات العدد الصادر مؤخرا عن "نيو أفريكا". وفي هذا السياق استضافت المطبوعة الأفريقية واحدا من أهم خبراء الاقتصاد والتنمية الأفارقة، هو البروفيسور "تشوكوما تشارلس سولودو" وهو مفكر نيجيري عمل مستشارا اقتصاديا لرئيس بلاده ردحا من الزمن.. ثم انخرط في سلك العمل الدولي، سواء في مركز دراسات الجنوب في جنيف، أو بوصفه كبير الخبراء الاقتصاديين للبنك الدولي في واشنطن.

وبدوره يبدأ البروفيسور "سولودو" دراسته العميقة والمكثفة أيضا بشأن الأحوال الراهنة التي تعيشها القارة السمراء، فضلا عن التحديات التي تواجهها في الوقت الحالي وفي مستقبل الأيام بعنوان شديد الإيجاز وحاسم المعاني في آن معاً، والعنوان يقول: من برلين إلى بروكسل. وفيما يبدو هذا العنوان من البساطة بمكان.

لكن لا محل للتعامل معه إلا من منظور التجربة التاريخية التي عاشتها، بل عانتها أفريقيا، على مدار عقود سبقت من الزمان الحديث. فأما بروكسل فهي بداهة مقر الاتحاد الأوروبي أو هي مقر أوروبا الموحدة في لحظتنا الراهنة. لكن برلين توحي بأمور أخرى موغلة في تخوم الماضي الذي يرجع الى ثمانينات القرن التاسع عشر.. أو الى الفترة 1884 1885 على وجه التحديد.