شهدت الصين في السنوات الأخيرة قرارات وإنجازات في ميادين وتخصصات واهتمامات لم تكن لتعرفها على مدار الستين عاماً أو تزيد من تجاربها بعد ثورتها الكبرى بقيادة ماوتسي تونغ عام 1949، وهي ميادين تتراوح ما بين الإنجاز المرموق إلى حد الإبهار في تنظيم وتفعيل دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة، فما بالنا بقدرة الطرف الصيني في صبر آسيوي لا يهدأ وفي أناة لا تفتر همتها على تأهيل أكثر من فريق رياضي مؤهل لكي تدخل به مضمار الألعاب والمنافسات الرياضية الإقليمية والعالمية مابين كرة القدم إلى كرة التنس إلى السلة أو السباحة أو ألعاب القوى (الجمباز) وما إليها، هذا فضلاً عما نتسامع به في إطار متابعتنا للشأن الصيني الراهن عن جهود للتوصل أحدث وأمهر أوركسترا سيمفوني يتيح للصين في لحظة فاصلة ومواتية طبعاً أن تبهر به العالم، مؤكدة في ذلك قدرة الصين على المشاركة في اهتمامات نخبة الانتلجنسيا المرهفة والمثقفة من حيث الذائقة الفنية الرفيعة ولا سيما في مجال أداء الأعمال الشامخة لكبار الموسيقيين العالميين.
تحريم شكسبير
وليس لأحد أن يستهين بهذا الاهتمام المستجد بالموسيقى السيمفونية من جانب الصين في ضوء ما سبقت إلى نشره وتعميمه أركان الحرس القديم الذي أمسك بمقاليد الأمور في العاصمة بيجين مع فاتح عقد الخمسينات من القرن الماضي. يومها صدرت تعليمات أو لوائح أو توجيهات سواء من جانب الحزب الشيوعي أو البيروقراطية الماوتسية الحاكمة وقتها بتحريم التعاطي مع أعمال الشاعر الإنجليزي الأشهر "ويليام شكسبير" الذي حرّموا ترجمة أو عرض مسرحياته في تلك الفترة الباكرة من حياة جمهورية الصين الشعبية. لماذا؟ لأنها تتعرض إلى سيرة وأعمال الملوك والأمراء من هاملت إلى ماكبث ومن هنري الثامن إلى ريتشارد الثالث ومن يوليوس قيصر إلى عطيل الخ، هذا في حين أن العقيدة الماركسية في الصين الشيوعية لا تحرص سوى على تكريس العمال والتركيز على الشغيلة من البروليتاريا الكادحة إلى آخر ما كانت تفرزه آلة الدعاية وقتها من مفردات حالة الانغلاق الإيديولوجية أو هي المراهقة الثورية على حد ما ذهب إليه الزعيم الروسي "فلاديمير لينين".
كلمة السر
الصعود كلمة السر في كل حال بعدما أصبح صعود الصين حالة تتداولها أوساط سياسية وأكاديمية شتى في شرق عالمنا وغربه انطلاقاً من موقف يمتزج فيه الإعجاب بالغيرة وتختلط مهارة تحليل الإنجازات مع رصد السلبيات والأخطاء وخاصة ما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما تؤكد أوساط دولية شتى. بل كما ذكرت جموع المستعبدين للاستطلاع الذي أحلنا إليه ولأن هناك أطرافاً سياسية باتت تقف بالمرصاد لتحليل وانتقاد التجربة الصينية فها هي مجلة الايكونومست تعبر عن هذه الأطراف التي لم تتورع عن التشكك في نوايا الصعود الصيني ومراميه وهو ما عبرت عنه المجلة البريطانية المحافظة في موضوع مهم زمنه في إبريل الماضي تحت العنوان التالي: صعود الصين الفكري.
وتستهل المجلة ما نشرته بإثارة مقارنة إلى اتجاه أميركا وحليفاتها الأوروبيات في منظومة الأطلسي إلى تخفيض موازناتها في مجال الدفاع والبنود العسكرية وهو اتجاه لا يصدر في تصورنا عن رغبة في الجنوح إلى السلم بقدر ما يصدر عن ضرورة تحليلها أبعاد الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تصورها في أميركا أنها كانت تضع أوزارها بمفاجآت غير سارة بالطبع تتفجر مؤخراً أو تتمثل في الخسارة التي أعلن عنها أكبر أو أهم بنك في أميركا مورغان تشيز وبلغت 2 مليار دولار وهو ما أدى إلى هبوط جميع مؤشرات التعامل في بورصات وول ستريت.
تصدع أوروبي
أما في الجوار الأوروبي فمازالت أسوأ الأخبار تترامى عبر الأطلسي جنوباً إلى ضفاف البحر المتوسط مهددة كيان اليونان الاقتصادي وخطر الاهتزاز المالي في إسبانيا ومن ثم في إيطاليا وهو ما يلحق أفدح الأخطار بمنطقة العملة الأوروبية الموحدة اليورو من جهة ومن ثم يؤدي كما تقول دوريه كونت إلى تصدع كيان الاتحاد الأوروبي ذاته من جهة أخرى في كل حل أيضاً فالعنصر الأطلسي يعلن أن تحقيقاتها في موازناته العسكرية لكن الطرف الصيني لا يزال الأدب والصمت الآسيوي التقليدي يواصل زيادة الموازنة العسكرية لمعدل 12 في المائة سنوياً.
طموح الجنرالات
في هذا السياق تتبع الايكونومست نهج الاحتراز العلمي حين تواصل تحليلها في هذا المضمار، موضحة أن ميزانية الصين مازالت موضوعية أقل بكثير في ميدان الدفاع والشأن العسكري من ميزانية الولايات المتحدة بل هي لا تكاد ترقى حتى إلى ربع الميزانية الأميركية في هذا الميدان لكن هذه الحقيقية بكل أرقامها المجردة لم تحل بين المجلة البريطانية وبين أن تمضي قائلة، لكن جنرالات الصين يحدوهم قدر بالغ من الطموح إلى أن يكون بلدهم أكبر من ينفق على اعتمادات الدفاع والتسلح في العالم خلال عشرين عاماً على وجه التقريب صحيح ان الطرف الصيني لا يفتأ يقول إن المسألة هي اتخاذ كل ما يلزم لمواجهة أي محاولات للهجوم ولكن مبادئها التكتيتية تشير في رأي المحللين العسكريين إلى التأكيد مع مبدأ المبادأة أو المبادرة بشن الهجوم إذا ما اقتضى الأمر في يوم من الأيام ولعل هذا ما يفسر احتواء أساسات الصين العسكرية مع صواريخ بالستية وعلى أسطول من الغواصات التقليدية والنووية وعلى قذائف مضادة للسفن الحربية وعلى نفاثات من أحدث طراز وعلى شبكات الرادار المزروعة على طول الحدود فضلاً عن أقمار اصطناعية للاستطلاع وأسلحة فضائية ومعدات حربية الكترونية يقصد بها كما يقول المراقبون والاختصاصيون أن تجعل أي قوى هجومية أميركية في حالة عمى إذا ما تراءى لها شن هجوم في يوم من الأيام.
غرور القوة
وداعاً للمجاملة لا عجب إذاً أن يتخلى كبار جنرالات الصين عن أسلوبهم التقليدي الذي ظلوا يتبعونه في الإدلاء بتصريحات إما مجاملة أو مخففة أو مهذبة أو حافلة أحياناً بما شئت من الاستعارات أو الكنايات وهو ما حدث بالضبط لدى اجتماع دول جنوب شرقي آسيا في عام 2010 الذي أثارت فيه عدة أحداث من الجيران شكاوى عديدة إزاء ما رصدوه من سلوكيات تنطوي على مؤشرات من الخطر وغرور القوة من جانب الصين وبدلاً من الإجابات المخففة أو الملتوية والملفوفة بعبارات الدبلوماسية فوجئ المجتمعون والمراقبون بوزير خارجية الصين يانغ جيتشي يهدد بتصريحات بعيدة عن الأطراف الدبلوماسية المعتادة ليقول ما يلي: الصين بلد كبير والبلدان الأخرى هي أقطار صغيرة.
وتلك حقيقة لا مراء فيها، بعدها جاءت تعليقات محللي السياسات الآسيوية لتفيد بأن الصين بلد ضخم حقاً سواء من حيث المساحة أو عدد السكان أو الثروات، مع ضخامة الحشد العسكري في الصين أرضاً وبحراً وجواً، أيضاً وعلى نحو ما يفيد به مصدر الدراسات الآسيوية أن ميزانيتها العسكرية ارتفعت من 30 مليار دولار في عام 2000 لتصبح 120 مليار دولار في عام 2010 بل ان معهد البحوث المذكور يعمد من جانبه إلى إضافة نسبة 50 في المائة إلى أحدث المبالغ المرصودة في الميزانية، حيث يتم اتفاق هذه النسبة الجسيمة بكل مقياس مع جانب له بالطبع أهمية حيوية وهو جانب البحث والتطوير الذي يستبعدون رصده عادة ضمن أبواب الميزانية.
الشفافية
الشفافية مطلوبة هذا هو بالضبط السبب الذي يحمل أطرافاً شتى في العالم تطالب الصين بمزيد من الشفافية بمزيد من الكشف والوضوح والإفصاح لا عن الأرقام أو الميزانيات بكل أهميتها الموضوعية ولكن بالذات عن النوايا والأهداف ومحتوى ومرمى العقيدة القتالية المفروض أن تخدمها هذه الجهود المبذولة في مجالات الحشد والتعبئة والتطوير، صحيح أنها ما زالت في مرتبة أدنى بكثير من أميركا في حجم القدرة العسكرية لكن الصحيح أيضا ًأن الصين تحتل المرتبة رقم اثنين مباشرة بعد أميركا على نحو ما تفيد احصائيات المنظومات الدولية المختصة التي ترتب أكبر أقطار من حيث الاتفاق العسكري في عام 2011 على أساس أن رقم ثلاثة في الجدول الاحصائي بعد اميركا والصين يخص انجلترا و من بعدها فرنسا واليابان وروسيا وصولاً إلى ألمانيا والهند ثم البرازيل التي تبلغ نفقات دفاعاتها نسبة 2,3 في المائة إلى المجموع العالمي في تلك النفقات.
من هنا كان طبيعياً أن تصدر أحدث وثيقة بشأن التوجيه الاستراتيجي في الولايات المتحدة لتقول بالحرف ما يلي: ان نمو القوة العسكرية الصينية لابد وأن يواكبه مزيد من الوضوح فيما يتعلق بالنوايا الاستراتيجية للصين وبما يكفل تجنب التسبب في أي احتكاك يقع في المنطقة، ولم يكن التقرير الاستراتيجي الأميركي ينطلق من فراغ أن الأشهر الثمانية عشر الماضية بالتراث شهدت تغيرات جذرية وباعثة مع القلق العميق أكدتها المصادمات التي وقفت خلال الفترة القريبة المذكورة في بحر الصين الجنوبي والشرقي بين السفن الصينية وبين سفن كل من اليابان وفيتنام وكوريا الجنوبية والفلبين وانطلقت هذه المصادمات من أرضية المطالبات بالحقوق الإقليمية لكل من هذه الأطراف في مياه تلك المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية.
حرية الصحافة
حرية الصحافة.. لماذا؟ وبدلاً من أن تعمد خلال تلك الفترة إلى محاولة تلطيف الأجواء أو ترطيب العلاقات مع جيران هذا الإقليم في أقصى الشرق الآسيوي إذا بصحيفة غلوبال تايمز التي تديرها الدولة تنشر في عددها الصادر في آخر أكتوبر الماضي افتتاحية لافتة للنظر بكل معنى وتقول سطورها مايلي: إذا لم تعمد تلك البلدان إلى تغيير أساليبها في التعامل مع الصين فلسوف تضطر إلى الاستعداد لسماع قصف المدافع ونحن بحاجة إلى الاستعداد لهذا الأمر.
وقد يكون ذلك هو السبيل الوحيد لحل تلك المنازعات التي تنشب في عرض البحر، ومرة أخرى تعلق الايكونومست من جانبها على مثل هذه السطور الصريحة التي تنشرها صحيفة صينية مازالت توصف بأنها حكومية على نحو أو آخر تقول الايكونومست لم يكن هذا بالطبع إعلاناً حكومياً ولكن يبدو أن الرقيب الصيني يعمد إلى فسح مجال الحرية الصحافي عندما يفيض الكيل كتنفيس من ضغوط البخار القومي في بعض الأحيان، في نفس المجال يلاحظ المراقبون السياسيون أنه تكمن الخطورة بالنسبة للشأن الصيني المعاصر في الحقيقة الجوهرية أو المقلقة التي تقول بما يلي: الجيش الصيني ليس جزءاً من حكومة الدولة.
ولا هو يتبع الحكومة من قريب أو من بعيد والسلطة في الصين تقول فقط ان الجيش الصيني تدير أموره اللجنة العسكرية المنبثقة عن اللجنة المركزية للحزب الحاكم ولا يدار بواسطة وزارة الدفاع، الجيش الصيني اجتاز ثلاث مراحل في تاريخه القريب بدأت الأولى أيام الزعيم المؤسس ماوتسي تونغ حيث كان الاتحاد السوفييتي هو أول مصادر التسليح وبدأت الثانية مع الزعيم كونغ هيساوبنغ وقتلت شعار التحديث، فيما بدأت الثالثة وهي أهم المراحل مع عقد التسعينات ويومها كان الشعار هو ثورة في الشؤون العسكرية وتعلمت الصين خلالها من ثمار وإصدارات المجامع الفكرية الأميركية think thanks وخاصة ما يتعلق باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات آي تي في لبناء القوات المسلحة للصين.
المزيد من الثقة
ولا تزال عيون المسؤولين والمحللين الأميركيين مركزة على تطور الأمور في صين اليوم لماذا؟ لأن الصين تواصل نضوجها وتستهلك قدراتها ومن ثم تكتسب مزيداً من الثقة في النفس فضلاً عن اتساع المصالح الحيوية لبلد يتحول من حالة النمو إلى حالة النهوض أو الصعود وتمهيداً منطقياً للحركة والانطلاق، وفي هذا الخصوص يلاحظ الطرف الأميركي أن الصين لا تتورع عن ملء الفراغات التي تركتها واشنطن في جنوب آسيا بسبب انشغالاتها في العقود القليلة الأخيرة بأمر البلقان في أوروبا فضلاً عن أمور الشرق الأوسط ابتداء من أفغانستان انتهاء بالعراق وما زال الشرق الآسيوي الأقصى في أطراف السياسة الأميركية منطقة مصالح حيوية منذ عهد الرئيس تيدي روزفلت في أوائل القرن العشرين وهو ما دفع الرئيس أوباما إلى معاودة إرسال فضائل من مشاة البحرية إلى المنطقة الآسيوية تدليلاً على معاودة هذا الاهتمام في هذه الفترة من مطالع القرن الواحد والعشرين. مقارنة
في مجال الإنفاق على البحث العلمي واستناداً إلى دراسة مجلة كونت هستوري الأميركية في رصدها لأحوال العالم في عام 2012 الراهنة تقول: إن الصين أحرزت معدلات في خانة تقع ما بين العشرة والعشرين في المائة في مجال الاستثمارات الموظفة في مجال البحث والتطوير وتلك نسبة مرموقة إذا ما علمنا أن الرقم الأميركي المضاهي يقل عن الخمسة في المائة وأن ثمة بلداناً في عالمنا لا تكاد تخصص بنداً له قيمته لصالح جهود البحث العلمي والتطوير التطبيقي في أرض الواقع.
التنين يقترب من القمة
أصبحت عبارة "صعود الصين" شعاراً يتردد على كل الألسنة في طول العالم وعرضه، ولم لا والصين هي الحاضر دائماً في أسواق العالم كافة بإنتاجها الغزير من كل شيء، وخاصة السلع الاستهلاكية والإلكترونيات والهواتف المحمولة، ولا يخلو بيت الآن في العالم من منتج صيني، وقد أوضح استطلاع تم في الفترة القريبة الماضية أن قطاعات واسعة من أطراف الرأي العام العالمي تساورها مشاعر الإعجاب إزاء صعود الصين في مجالات الإنتاج سواء بالنسبة للسلع الاستهلاكية أو السلع الرأسمالية المعمرة، وكلا الأمرين يؤديان بالطبع إلى تلبية احتياجات جماهير المستهلكين، مع أن المحللين السياسيين والاستراتيجيين يطلون على الصعود الراهن للصين من منظور مغاير تماماً هو المنظور العسكري والاستراتيجي.
حيث دلت أحدث الإحصاءات الموثوقة على ما يفيد بالازدياد المطرد في حجم الانفاق الصيني على القوات المسلحة وصناعة وشراء السلاح، فضلاً عن العمل الدؤوب مع الإفادة من نتائج دراسات المجامع الفكرية الأميركية من أجل تطوير بل تثوير القوات من حيث القدرات والمعدات، وهو ما يثير قلق أوساط دولية شتى في مقدمتها بالذات الأطراف الأميركية وحلفاؤها الغربيون، هذه الجهات التي تتوقف ملياً عند الصدمات التي شهدتها الأشهر الـ19 الأخيرة بين السفن الصينية وسفن جاراتها المشاطئة لسواحلها من وسط وجنوب شرق آسيا في إطار نزاعات بشأن الحقوق الإقليمية في مياه المنطقة الغنية بالموارد.
حيث تبدو الصين بأساطيلها الحربية البحرية العملاقة كقوة عظمى أمام جيرانها الصغار الضعفاء، هذا فضلاً عن تطلع الصين معلناً ومجرداً من المجاملات التقليدية التي دأبت الدبلوماسية الصينية على اتباعها في الماضي، إلى دور إقليمي فاعل، إن لم يكن مهيمناً في تلك المنطقة التي ما برحت واشنطن تعدها ساحة لمصالحها الحيوية من أيام روزفلت إلى أيام أوباما، وما زالت الصين موضع إعجاب ومتابعة متواصلة من جانب قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. هكذا قدمت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" لأحدث ما نشرته من تحقيقات حول الصين وصورتها في عيون الآخرين (عدد 18 مايو 2012).
وفي سياق هذا التحقيق، الذي يقوم بداهة على عملية استطلاع ورصد إحصائي، أفادت مجموعات المستجيبين لهذا الاستطلاع بأن مصدر هذا الإعجاب إنما يرجع أساساً إلى قدرة الصين على تلبية وإشباع احتياجات الملايين بل ربما المليارات من البشر في طول العالم وعرضه، سواء من السلع الاستهلاكية أو من السلع المعمّرة ومن تدفقات مرموقة من حيث غزارة الكم ومن حيث مهاودة السعر على السواء. من هنا أصبح من حق قطاعات ودوائر شتى في عالمنا أن يحمل خطابها السياسي سواء كان واقعياً هنا أو كان استشرافياً عنواناً يقول بصورة أو بأخرى بصعود الصين. وبديهياً أن يتجه الخطاب المذكور ليغطي أولاً وقبل كل شيء اهتمامات وشواغل وميادين شتى، يأتي في مقدمتها ما يتصل بنجاحات الصين في مجالات زيادة الإنتاج وتطوير وتحسين المنتوج السلعي فضلاً عن الدخول بقوة واقتدار إلى أسواق العالم في الشرق وفي الغرب، ورفع مستوى مهارات القوى العمالية وإتاحة الفرصة لمزيد من قوى التطوير وقدرات النبوغ والإبداع.
لقد بات التنين الأصفر يخيف العديد من القوى العظمى والكبيرة في العالم، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً، حيث بات العملاق الصيني الذي بدأ بصناعات لعب الأطفال الرديئة سيئة الخامات يصنع الآن أدق الإلكترونيات وبمهارة فائقة، وباتت منتجاته تغطي أسواق الغرب قبل الشرق، كما بات يطمح لممارسة دور فعال ومؤثر في السياسة الدولية والاقتصاد الدولي، خاصة بعد تفاقم الأزمة المالية العالمية التي يبدو أن التنين الأصفر لا يشعر بها.

