فيما أصيبت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي بمحنة التحول مع بداية التسعينات الى حكم العصابات الاقتصادية وأوليجاركيه الأقلية الفاسدة المحتكرة للثروة والامكانات والنفوذ تحت حكم «بوريس يلتسين»، فقد شاءت حظوظ صين ما بعد « ماو» أن يتحول بها «دنغ هيساو » الى اقتصاد انفتاحي بالغ المرونة ومبرأ من جمود الأيديولوجية المتخّشبة الى حيث وَضَع الاقتصاد الصيني على مدار عقد الثمانينات من القرن الماضي على عتبة النمو المتسارع في معدله.. والاستثمار الذكي المقتدر لأهم موارد الصين متمثلة في الطاقات البشرية والأيدي العاملة الغزيرة والرخيصة على السواء.

تجليات التنمية

هكذا كان من حق الدارسين الجادين، ومنهم الأكاديمي الأميركي «أوفر هولت» الذي أشرنا إليه، أن يتحدثوا عما وصفوه بأنه «المعجزة الصينية» في مجال الاقتصاد بالذات.. ولم يكن أي من هؤلاء الأكاديميين في أقطار الغرب الأوروبي الأميركي مبالغا عندما أطّل على الإنجاز الاقتصادي الصيني من منظور «المعجزة»، بعد أن شهد العالم.. ما بين غروب القرن العشرين وانبلاج سنوات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.. وصول معدل النمو السنوي في الصين الى خانة 13 وأحيانا 14 في المئة.. وهو معدل مرموق بكل المقاييس.. وفيما كانت مثل هذه البارامترات..

 المعايير الاحصائية تهّم اختصاصيي الاقتصاد القياسي « الأيكونومتري» كما يسمونه، فإن تجليات الانجازات أو المعجزة الاقتصادية الصينية ما لبثت أن وصلت رسائلها الى ما يمكن أن يكون بسطاء المواطنين وعامة المستهلكين في طول العالم وعرضه على مدار سنوات سبقت من القرن الحالي إن لم يكن على شكل آلات معقدة وسيارات مستجدة أو سلع مستحدثة.. فقد شملت هذه التجليات أيضا سلعا وأدوات وبضائع تهم المستهلك العادي البسيط في حياته اليومية وبأسعار لم تكن لتقبل المنافسة..

أو المزاحمة كما يقول أهل التجارة والأسواق.. بل ولم تكن الصين لتتورع عن إنتاج فوانيس رمضان للسوق المصرية.. بقدر اهتمامها بإنتاج سيارة صينية معقولة السعر، وقل الشئ نفسه عن مستلزمات الحياة اليومية التي ظلت محل إقبال وتفضيل المستهلك الغربي الأميركي بالذات طيلة سنوات قليلة انقضت وهو ما تحولت به الولايات المتحدة بجلالة قدرها الى أكبر مَدين في العالم ولحساب الطرف الصيني في معادلة الاستيراد والتصدير وهو ما أصاب الميزان التجاري بين واشنطن وبكين بخلل فادح وشبه مزمن ولمصلحة الطرف الصيني بطبيعة الحال.

عن المتغيرات

لكن الذي بات يلفت انظارنا وأنظار الدارسين المتابعين من عالمنا الثالث هو أن «المعجزة الصينية» إياها أو فلنقل «الشأن الصيني» الراهن أصبح خاضعا لمتغيرات مستجدة مازالت تحمل أسرارها ووقائعها ومتغيراتها الفترة القريبة الماضية، وهو أمر يستوجب بداهة مراجعة جذرية وموضوعية وشاملة لماضي وحاضر الصين من حيث انجازاتها الاقتصادية وتحولاتها السياسية ومتغيراتها الاجتماعية فضلا عن التحديات التي بات راصدو هذا الشأن الصيني يتوقعون بروزها في مستقبل الأيام.

في هذا الإطار تنشر دورية فكرية رصينة هي «واشنطن كوارترلي» في أحدث أعدادها الصادرة (عدد ربيع 2012) دراسة مهمة أولا من حيث صدور المجلة - كما هو معروف عن مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن العاصمة، وثانيا لأن صاحب الدراسة، هو وليس غيره، البروفيسور «ويليام أوفرهولت» الذي ألمحنا إليه بوصفه أول من تحدث في عام 1993 عما وصفه وزملاؤه بأنه «المعجزة الصينية»، ويومها أصدر كتابه الموسوم بعنوان «صعود الصين».

لكن ها هو المفكر السياسي الاقتصادي الأميركي يعمد اليوم الى معاودة النظر ومراجعة التقييم لما يصفه بأنه حقبة « هوغنتاو» زعيم الصين الحالي ورفاقه من قيادات الحزب الشيوعي الحاكم في العاصمة بكين على امتداد السنوات الفاصلة بين عام 2002 وعام 2012. وفي هذا الصدد يقول الأكاديمي الأميركي:

- في الحقبة المذكورة تغيرت الأمور (الأوضاع التوجهات) في الصين بشكل يكاد يستعصي على التعرف عليه بما في ذلك قضايا وأوضاع السياسة والاقتصاد وسياسات الأمن القومي.

قبل الحكم

صحيح أن البروفيسور «أوفرهولت» يدعو المحللين الغربيين الى الإمعان والتريث قبل إصدار أحكام متسرعة على ما يجري داخل الصين.. حيث أن كثيرين من أهل الغرب ينطلقون من مواقف ربما تجمع بين التسرع وربما التحامل وبين التعلل بأمنيات مجرد أمنيات من جهة أخرى..

ولدرجة أن يبادر بعضهم الى توقع تحولات ديمقراطية جذرية وربما عنيفة ينتظرون حدوثها وربما تكون «ثورة ياسمين» كما يسمونها.. ومنهم من يتمادى الى حيث يقول ان صناديق التأمين ضد المخاطر الصناديق التحوطية الصينية كما يسميها الاقتصاديون مهددة بأن تنفجر يوما مثل فقاعة عملاقة فإذا بمحتوياتها تتطاير الى أن تذروها الرياح.

ورغم أن المفكر الأميركي يحذّر من هذا الاندفاع الأرعن أحيانا في مضمار التحليل، واصفا مثل هذه الدراسات بأنها تطرح صورا متناقضة مع بعضها البعض، وأنها من ثم تفتقر الى فهم الجذور التي يستند إليها الواقع الصيني الراهن إلا أنه يعود مؤكدا أن مثل هذه التوقعات التخوفات أيا كان موقعها من مشاعر النذير أو المراجعة أو حتى التشفي- إنما تشترك في أمر واحد يلخصه في عبارات تقول بما يلي:

إنها تصدر عن آمال ومخاوف ما برحت تساور أصحابها تجاه ما يجري حاليا في واقع الصين.

تراجع في الرأي

ثم يضيف البروفيسور «أوفرهولت» قائلا: منذ عشرين عاما كنت عاكفا على اعداد كتابي بعنوان «صعود الصين»، وكان بوسعي وقتها أن أتنبأ من منطق الثقة (العلمية) بنجاح الصين الذي كان قائما على سياسة زعيمها الأسبق «دنغ هيساو بنغ» التي دعت الى النسج على منوال تجربة كوريا الجنوبية وتايوان وسياساتهما الممثلة في ما يتصل بقضايا التنمية والتحول الاقتصادي. و

لكن بعد هذه العقود الثلاثة المنصرمة من ذلك النجاح الذي أحرزته الصين فإنني أرى يضيف المفكر الأكاديمي الأميركي أن مستقبل الصين اليوم أصبح يفتقر الى الكثير من عوامل اليقين أو الاستقرار.

هنا يجوز من جانبنا في العالم الثالث طبعا أن نطرح السؤال البديهي عن أسباب هذا التغير في الحكم المستجد مؤخرا بالنسبة لتطورات الأمور في الصين.

وجاء عام 2003

ثم جاء عام 2003.. وابتداء من ذلك العام تحولت الصين من القيادة الكاريزمية الى القيادة المؤسسية على نحو ما يذهب إليه الأستاذ الأميركي الذي نحيل الى دراسته في هذه السطور، ومن ثم فأنت لا تجد الزعيم الساحر.. المفّدى أو الملهم على نحو ما كان الحال بالأمس، بل تجد القائد وقد أصبح أقرب الى المسؤول الإداري المنِّظم الذي يتحاشى تجشم الخطر ومواجهة المخاطرة..

ويتسم بنزعة عملية واقعية (برغماتية حسب المصطلح المتواتر).. ويتبع نهجا أقرب الى التراكم والتدرج (مقابل نهج التحول الجذري الحاسم والناجز).. ثم ان هذا النمط من القيادات الصينية حتى لا ننسى يتسم بالشخصية غير الانفعالية لدرجة انعدام النمط أو الطابع أو اللون بمعنى التميز والتجديد.

تلك هي صورة الصين المتغيرة.. بمعنى الخاضعة لمتغيرات حتمية أوجبتها أو فرضتها سنن التطور التي لابد وأن تنطبق قوانينها على المجتمعات بقدر ما تنطبق على الأفراد كذلك.

الاستدراك العلمي

ومرة أخرى صين اليوم خضعت في مضمار السياسة الى إصلاحات سياسية ذات إيقاع سريع لدرجة لاهثة في الفترة من رحيل زعيمها الأول «ماو» في عام 1978 والى عام 2002 الذي تحدده الدراسة الأميركية سنة مفصلية شهدت نمطا مستجدا تماما من حقبة القيادات المعتدلة بعد أن انقضت حقبة الزعامات التاريخية.. وفي هذا السياق يستطرد تحليل الدراسة المذكورة على النحو التالي:

- جاء الإصلاح السياسي في الصين على أساس وتيرة لاهثة السرعة.. ومن ثم تحولت البلاد من حكم الزعامة الشخصية ذات الأهواء المتناقضة أحيانا على نحو ما شهدته حقبة «ماوتسي تونغ»، الى أن أصبحت محكومة بواسطة مؤسسات تستند الى قواعد محددة.

وفي سياق هذه العملية أثمرت بذور التحولات الديمقراطية وكان أن أثّرت في كل شئ، ابتداء من الملابس والأزياء بل وقَصَّة الشَعْر.. وليس انتهاء بالوظائف بل واختيار شريك أو شريكة الحياة فضلا عن أساليب السلوك الاجتماعي والخطاب السياسي.

التفاؤل الزائد

هنا قد نستدرك مع هذه الدراسة الأميركية حذرا من مغبة الانسياق في التفاؤل أو الإغراق في مبالغات التحول.. لكن الدراسة لا تلبث أن تستدرك من جانبها كي تضيف قائلة:

إن الحاصل في الصين هو أن تحولت قواعد النظام الشمولية (الانفرادية - الديكتاتورية) الى قواعد النظام السلطوي (حيث مقاليد السلطة في يد الحزب الحاكم في التحليل الأخير).. ومع ذلك فقد تركت التحولات الإيجابية الانفتاحية إن شئنا أثرها خارج المضمار السياسي حيث تقدمت خطى السوق الاقتصادية وبدت دوائر الاقتصاد الخاص وكأنها تستجمع زخما جديدا كي تتجاوز حتى وتيرة مشاريع الدولة ذاتها وربما كانت تحاكي بذلك نجاح التجربة الاقتصادية في تايوان.

لكن صين اليوم باتت على أعتاب حقبة مستجدة من التحولات غير المسبوقة، سواء من حيث نوعية القيادات أو مآلات التحول الاقتصادي والتطور السياسي.. وهو ما يطرح السؤال البالغ الإلحاح على النحو التالي:

هل تؤول الأحوال الراهنة في الصين الى تراجع وانحسار على نحو ما حدث في تجربة اليابان؟

أو تواصل الصين مسيرتها الحالية مستندة الى نوعية جديدة من القيادات التي تستلهم روح زمن العولمة فإذا بها تفضي بالصين الى مستقبل تصبح فيه بحق قيادة عالمية يحسب لها كل الحساب؟

هذا السؤال المزدوج تطرحه الدراسة الأميركية التي أحلنا إليها.. ومعها نحاول من جانبنا إجابة السؤال بشأن مستقبل الصين.. في المبحث التالي المتمم لهذا الحديث إن شاء الله.

 

 

اقتصاد المعجزة الصينية

 

منذ أكثر من عقدين من الزمن نشر الأكاديمي الأميركي المرموق البروفيسور «ويليام أوفرهولت» كتابه الشهير بعنوان «صعود الصين». وجاء البحث المذكور واعدا بتحولات تأكدت صحتها على مدار آخر عقود القرن العشرين ثم العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين خاصة.

وقد كانت الصين قد بدأت تجربتها في الصعود بفضل تحوَّلات سياسية واقتصادية وانمائية واكبتها مع مطلع التسعينات ظاهرة عُرفت وقتها باسم «سقوط الايديولوجية» بمعنى انتهاء حقبة التمسك بالدوغما المذهبية أو الجمود الأيديولوجي وهي الآفة التي أصابت الاتحاد السوفيتي وأدت بالتالي الى تصدع كيانه ومن ثم زواله تماما من فوق الخارطة مع بداية عقد التسعينات المذكور..

وهكذا مضت الصين، منذ حقبة «دنغ هيساو بنغ» في أواخر سبعينات القرن العشرين، الى تفعيل التحولات التي أنجزت في سياقها نجاحات اقتصادية ومعدلات انمائية شهد بها العالم كله، بل وبلغت رسالتها كل الأطراف الدولية ابتداء من أوساط الساسة والاختصاصيين وليس انتهاء بالمستهلك العادي البسيط في شمال عالمنا وجنوبه على السواء، وهو ما تجلى مع سنوات القرن الجديد في اختلال الميزان التجاري بين واشنطن وبيجين لمصلحة الطرف الصيني على طول الخط.

لكن المفكر الأميركي «أوفرهولت» ما لبث أن عاود مؤخرا وبالتحديد في ربيع هذا العام نشْر دراسة مستجدة تعد بمثابة مراجعة للشأن الصيني بل جاءت أقرب الى التراجع بالأسلوب الأكاديمي عن المقولات التي سبق الى طرحها بشأن صعود الصين وهي مراجعات تستحق الدرس والاهتمام من جانبنا في العالم الثالث.

منذ 19 سنة وبالتحديد في عام 1993- صدر في أميركا كتاب سياسي في اتجاهه المحوري، ولكنه كان يحمل طابعا يكاد يكون تبشيريا.. وجاء عنوانه على النحو التالي: صعود الصين.

لم يكن الكتاب مجرد نشرة دعائية ولا كان مؤلفه من دهاقنة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين بل العكس كان صحيحا.. لقد جاء الكتاب من تأليف واحد من أهم أساتذة علم السياسة وعلم إدارة الدول وهو البرفيسور «ويليام أوفرهولت» أستاذ أصول الحكم في جامعة هارفارد. ولقد جاء كتابه حلقة منطقية ومفهومة في سلسلة الاهتمامات التي ظل يركز عليها المفكر الأميركي المذكور على مدار سنوات سبقت صدور الكتاب.. وكان في مقدمة هذه السلسلة حلقة جوهرية تحمل بدورها عنوانا لم يكن وقتها يخلو من دلالة.. وهذا العنوان هو: اقتصادات.. المعجزة.

نعم.. كان اقتصاد الصين يبشر في تلك الأيام من مقتبل عقد التسعينات بتحقيق ما يشبه المعجزة بصورة أو بأخرى: كانت تلك هي الفترة التي شهدت ما أصبح وقتها يعرف بشعار تقول كلماته باختصار حاسم وأحكام قاطعة ما يلي: سقوط الأيديولوجية.

كيف لا.. وقد وجد الشعار طريقه الى ساحة الشأن العالمي العام بعد سقوط بل وزوال الكيان العقائدي السياسي الديناصوري كما قد نسميه، وقد كان يحمل عنوان « الاتحاد السوفيتي». والأكثر دلالة في هذا السياق هو أن الكيان الأيديولوجي اليساري الآخر في آسيا هذه المرة سبق الى طرح بل صَهْر الأيديولوجية الماركسية اللينينية التي كان يعتنقها ولمصلحة اتجاه مستجد يأخذ بالنهج الأقرب الى الانفتاح العملي.. الواقعي أو هو البرغماتي في أمور إدارة الاقتصاد على وجه الخصوص..

وبديهي أن كان هذا الكيان الشرق آسيوي هو الصين، وبالذات صين «دنغ هيساو بنغ» الزعيم الذي خَلَف ماوتسي تونغ زعيم الصين التاريخي وقائد ثورتها الثقافية في الستينات ومؤسس دولتها وحزبها الشيوعي الحاكم منذ عام 1949.