بدأت أزمة الاقتصاد العالمي منذ عام 2008.. جاءت كي تبدد الأوهام التي سبق وعكفت على نشرها وزخرفتها ميديا الإعلام في الغرب.. في أوروبا وأميركا. وكانت هذه الوسائل الدعائية الجماهيرية قد أشاعت في نفوس أهل الأرض روحا من التفاؤل الى درجة التهليل وخاصة بالتبشير بنجاحات مرتقبة لذلك الكيان الذي عقدوا عليه الآمال العِذاب وحمل منذ فاتح التسعينات لافتة الاتحاد الأوروبي.

وكرّست وجوده معاهدة ماستريخت التي صوروها فتحا جديدا في عالم السياسة الدولية، كيف لا وقد كانت تجسيدا- والشهادة لله لقيام كيان فيدرالي أو بالأدق كونفيدرالي يجمع بين دول أوروبا ويحقق حلما طالما راود قادتها منذ أيام بسمارك أو بونابرت وربما منذ العصور الأوروبية الوسطى بأن تجمعهم آصرة سياسية واحدة أو موحدة تزيدهم قوة وتضفي على قارتهم الأوروبية مزيدا من صلابة ومنعة وزخما من أجل التقدم.

 

نظام دولي جديد

في الوقت نفسه مطالع تسعينات القرن العشرين - نادى البشير غربي الأطلسي بانفراد أميركا بمكان ومكانة القطب العالمي أو العولمي الواحد بعد انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي الذي طالما ظل غريما منافسا بشراسة خلال سنوات الحرب الباردة التي استغرقت كما هو معروف ما يزيد على الأربعين عاما من النصف الأخير من القرن المذكور.

يومها كما قد نذكر بادر الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب الى الإعلان عن قيام نظام دولي جديد.. بل انتعشت بورصة التوقعات هل نقول المراهنات السياسية - على مدار التسعينات ذاتها سواء على مستوى أوروبا..

في ظل قيادة جاك شيراك الفرنسي مثلا.. وكان الرجل واعيا ومستثمرا لتراث زعيمها التاريخي الجنرال شارل ديجول، أو في ظل وصول بيل كلينتون الى المنصب رقم واحد في أميركا بكل ما حفلت به حقبته الرئاسية من ذكاء القيادة وترشيد الإدارة الاقتصادية واقتطاف ثمار الفوز أو التغلب في سباق الحرب الباردة.. وقدرة البيت الكلينتوني الأبيض عبر التسعينات على التواصل بذكاء مشهود مع قطاعات الجماهير وهو ما تجلى في مضمار الاقتصاد الى حيث حققت الولايات المتحدة، في ختام سنوات كلينتون الثماني فائضا ماليا يسجل في خانة المليارات.

في كل حال دخل العالم الغرب بالذات سنوات القرن الواحد والعشرين محاطا بزفة الآمال العراض لاسيما بعد أن حقق عباقرة الشباب الالكتروني كما قد نسميه ما بين بيل جيتس أو الراحل ستيف جوبز انجازات باهرة بل مذهلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

 

اقتصاد الكازينو

والمشكلة أن بدأ القرن الجديد بفاجعة الحادي عشر من سبتمبر عام 2010 وما أعقبها من احتشاد أميركا ومؤيديها لغزو أفغانستان ومن بعدها غزو العراق.. ثم من بعدها أيضا إعلان شعار الحرب العولمية الكونية على الإرهاب.. وجاء هذا كله فوق سطح ساخن مندفع بالمجهود العسكري والسياسي والعبء المالي والنفسي..

فيما كان كامنا تحت نفس السطح الساخن الى حد الالتهاب.. عوامل الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها، كما يقول محللو الشأن الاقتصادي المالي ورغم أن بعضها كان ظاهرا للعيان ولم يكن أهونها بنود الإنفاق الطائلة المهولة التي تحملتها قوى الغزو القادمة من وراء البحر وغياهب المحيط الى كل من أفغانستان والعراق، ولا كان أقلها أيضا الاستسلام الى نزعة الاستهلاك في أميركا بالذات الى حد الاهتلاك بمعنى حد السرف والغلو والاهدار..

وهو ما جسدته مع صيف عام 2008 ظاهرة انكشاف القروض العقارية ومشتقاتها المالية فضلا عن ظاهرة المضاربات التي جاءت أقرب كما أكد المحللون الاختصاصيون - الى ألعاب المقامرة لدرجة أن أطلق عليها ثقات الخبراء وصف اقتصاديات الكازينو بعد أن عاينوا تطور ظاهرة بالونية ظلت تنتفخ باطراد بفعل تصرفات وأطماع رؤساء مجالس إدارات الشركات المالية والقطاعات المصرفية في وول ستريت بالذات الى أن انفجر البالون في وجه المقرضين والمقترضين على السواء وعلى شكل أزمة مالية أميركية..

ما لبثت بحكم سلسلة انتقال الأثر أو هي نظرية الدومينو كما يعرفها المصطلح السياسي من أميركا الى أوروبا الغربي على نحو ما بات العالم يشهده خلال السنوات الأربع المنصرمة، وحتى الآن من تداعيات الأزمة الخانقة مجسدة في أقطار أوروبية مثل اليونان أو اسبانيا أو البرتغال.

نظرة تفاؤلية

ورغم ما لمسناه (كاتب السطور) في زيارة أخيرة للولايات المتحدة، وجولة امتدت ما بين وول ستريت في نيويورك الى مؤسسات المنظومة المالية العالمية الصندوق والبنك الدوليين في واشنطن.. فضلا عن رصد طروحات ميديا الإعلام الأميركية وكلها تكاد تجمع على اتباع خط تفاؤلي في مجمله يبشر.

أو يحاول أن يبشر، بإمارات تحسن بدأت في عرفهم تطرأ على الاقتصاد الأميركي فإن الرد على هذه النظرة التفاؤلية يتمثل أولا في نظرية فتش عن أصحاب المصلحة وهم في هذه الحالة واضعو استراتيجية التجديد الرئاسي لصالح أوباما في الحزب الديمقراطي الذين لا يتورعون وهذا حقهم البديهي عن التركيز الى حد التكريس إن لم يكن المباهاة أو التمجيد على ما انطوت عليه مؤشرات لاحت مع أوائل ابريل الماضي كي تَعِد أو تبشر بانخفاض معدلات البطالة وبمعنى ارتفاع مؤشر الاستخدام أو التشغيل لصالح قطاعات من الشباب الأميركي الباحث عن العمل.

 

الجمهوريون ينتقدون

وبصرف النظر عن هذه العلامات الواعدة بصورة أو بأخرى على أي بادرة انتعاش وهو ما لم يتردد في دحضه بداهة دوائر الحزب الجمهوري المعارض التي لا يفتأ مرشحها شبه المؤكد ميت رومني يندد بفشل الإدارة الأوبامية، الديمقراطية في معالجة أدواء الاقتصاد متناسيا بالطبع أن بدايات الإصابة كانت في أوج الإدارة الجمهورية في عهد بوش الابن بالبيت الأبيض، إلا أن التقييم الموضوعي.

وهو ما يهمنا نحن في العالم الثالث والوطن العربي مازال يؤكد بأن المسألة لا تقتصر على اعتلال الاقتصاد الأميركي رغم أهمية واتساع تأثيره.. ولكنها تتمثل أساسا في اعتلال الاقتصاد العالمي الذي نُعد نحن من بين أطرافه وشركائه وأصحاب المصلحة فيه.

 

 

سادة الإنكار.

بمعنى أنهم يغضّون النظر أو يغلقون الأسماع أو هو في حال من التجاهل المتعمد لتفاقم الأحوال. وهي توجه اليهم الاتهام بأنهم سادرون في حكاية فرض إجراءات التقشف واتخاذ تدابير الانكماش في تصور مرفوض كما تتصور الدوائر الدولية بأن هذا الانكماش هو المفتاح الذهبي، الذي لا مفتاح سواه، الى علاج أمراض الاقتصاد حيث يقضي بالحد من الإنفاق .

وهو المرادف الموضوعي طبعا لتقليص حركة الاقتصاد وانكماش رقعة أنشطته وشطب بنود عديدة في أبواب الميزانيات الوطنية.. وتلك أمور تؤدي الى تقليص جهود التنمية من ناحية والى زيادة المعاناة التي تكابدها أوسع قطاعات الجماهير من الكادحين والفقراء والمستضعفين من نواح أخرى.

 

أزمة للعالم كله

وبديهي أن مثل هذه المشاكل الخانقة لم تعد مقتصرة على أوروبا وحدها: إن ثمة تداخلا وتبادلا.. وتأثيرا وتأثرا يجمع بين أطراف العالم.. وخاصة في مجالات الاقتصاد ويتم ذلك على شكل التبادل التجاري تصديرا أو استيرادا وتحويلات تتم بين طرف مبادر وطرف مستفيد. وعلى جناح هذه التداخلات تتجلى امكانات التجديد على شكل آلات أحدث وأساليب أكفأ في تسيير عجلة الإنتاج وإدارة حركة الخدمات بين بلدان الشمال والجنوب في عالمنا.. وهو ما ينعكس بالسلب في مجموعه على مجمل صورة وحركة الاقتصاد العالمي بشكل عام.

ولا يملك المحلل الاقتصادي في هذا السياق أن يتجاهل ما خلصت إليه في أحدث تحليلاتها مؤسسة :بروكنغز البحثية الشهيرة في الولايات المتحدة حين أصدرت تحليلها قائلة:

-إن مؤشر الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة وهو الرقم القياسي الذي يقيس رياضيا واحصائيا حجم ومسار النشاط الاقتصادي والمالي في العالم، فضلا عن حجم الثقة والاطمئنان الى مسير ومصير هذا الاقتصاد، جاء ليوضح بجلاء أن الاقتصاد العالمي قد تدهور بشكل مطرد منذ خريف العام الماضي...

 

قروض الصندوق

وقبل الاستسلام الى حالة من القنوط إزاء مثل هذه الأحوال البالغة السلبية.. علينا أن ننّوه من ناحيتنا بما أسفرت عنه الاجتماعات التي عقدتها مؤخرا أطراف شتى من مجموعة العشرين وتعهدت برصد واعتماد رصيد بالغ السخاء .

كما نتصور وصل الى مبلغ 430 مليار دولار من أجل مضاعفة قدرة صندوق النقد الدولي على تقديم القروض لانتشال الاقتصادات المعتّلة من وهدة الأزمة الخانقة التي تعانيها، سواء جاءت هذه الأزمة من واقع ظروف الاعتلال الاقتصادي الداخلية، أو جاءت بوصفها شظايا متناثرة من جراء الأزمة العولمية التي ما برح يكابدها الاقتصاد الكوكبي في المرحلة الراهنة.

من هنا جاء ترحيب جريدة وول ستريت جورنال المختصة كما هو معروف بأمور المال والاقتصاد بمثل هذه الخطوة التي تجمع كما نراها بين الايجابية المسؤولة وبين السخاء الموضوعي، خاصة أنها ارتفعت بحافظة الصندوق الدولي الاقراضية الى مستوى 700 مليار دولار وهو ما وصفته وول ستريت جورنال (عدد 21/4) بأنه مضاعفة حافظة الصندوق ليصبح الأمر أقرب الى الحصون الدفاعية (فايروول بلغة الحاسوب) لاحتواء أزمة منطقة اليورو.

 

دول أخرى

ثم كان طبيعيا كما أكدت أوساط الصندوق الدولي أن لا يكون هذا المبلغ الطائل بكل المقاييس موجها برمّته الى حيث إنقاذ جماعة اليورو وخاصة اسبانيا أو اليونان.. إن هناك اقتصادات ما برحت تعاني من أزمات، سواء كانت الأسباب داخلية أو كانت راجعة الى التأثير البديهي على نحو ما أوضحنا سلفا لاعتلال الاقتصاد العالمي في أوروبا أو أميركا على وجه الخصوص.

والشاهد أن ثمة اجماعا بين أهل الخبرة على أن أمراض أو أزمات الاقتصاد العالمي.. وفي أوروبا على وجه الخصوص.. لا يمكن معالجتها باستخدام عقار واحد.. ولكن العلاج لابد وأن يتراوح ما بين تدابير للحد من الإسراف وليس الحد من الإنفاق وأخرى لإعادة رسم الأولويات تحقيقا للمستوى المعقول موضوعيا من العدالة في الإنفاق وحتى لا تنجو القلة المحظوظة أو المتنفذة على حساب الكثرة المطحونة التي أصبح أفراد عديدون منها محرومين من العمل بسبب البطالة وأحيانا وهذا هو الأدهى والأنكى - محرومين من السكن اللائق نتيجة تدهور منظومة القروض أو الرهنيات العقارية.

مع هذا كله.. فالقضية لم تعد لتقتصر على أزمة الاقتصادات الشمالية المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة.حتى الاقتصادات الواعدة.. أو الناهضة وهي التي تشكلها مجموعة بريكس الصاعدة كما يسمونها.. أصبح لها بدورها مشاكل وأمامها عقبات.

وتلك قصة أخرى.

 

البنوك والديون وإفلاس الدول

 

سلطت الأضواء في أواخر ابريل الماضي على الاجتماعات التي التأم عقدها في العاصمة الأميركية واشنطن وضمت أطرافا شتى وخاصة من مجموعة العشرين التي تمثل أهم الاقتصادات في العالم. وقد تدارس أطرافها واقع الأزمة التي ما برح يكابدها الاقتصاد العولمي وخاصة في منطقة اليورو العملة الأوروبية الموحدة.. وهي أزمة بدأت تتجلى منذ بواكير أزمة الرهونات العقارية ومشاكل المديونيات الداخلية في الولايات المتحدة خلال الحقبة الأخيرة من ولاية الرئيس بوش الابن في عام 2008..

وبحكم التشابك الحيوي والموضوعي بين الأطراف والقوى والمصالح الاقتصادية في عالمنا، فقد كان طبيعيا أن تحظى هذه الاجتماعات باهتمام كل المراقبين المعنيين بالشأن الاقتصادي في طول العالم وعرضه، خاصة وقد استطاعت اجتماعات واشنطن أن ترتفع بحافظة الإقراض في صندوق النقد الدولي الى 700 مليار دولار وإن كان الاختصاصيون ولاسيما في أميركا مازالوا يحثون الأطراف الأوروبية في اسبانيا واليونان مثلا على عدم الاقتصار على إعلان وتفعيل سياسات التقشف التي تنطوي بداهة على تدابير الانكماش وتقليص الإنفاق من الميزانيات الوطنية.

وبالتالي حذف أو شطب بنود من أبواب تلك الميزانيات، وهو ما قد يؤثر سلبا على أوسع قطاعات الجماهير، في حين أن الأهم هو مواصلة مسيرة التنمية وإعادة رسم الأولويات بما يحقق مبدأ العدالة بين قطاعات المجتمعات المستهدفة في هذا المضمار.تقول بيانات بنك التسويات الدولية، أن ديون دول الاتحاد الأوروبي الهامشية الأضعف (البرتغال وإيطاليا وأسبانيا واليونان وآيرلندا) بلغت 4.1 تريليونات دولار في نهاية الربع الأول من عام 2010 زادت حتى الآن لأكثر من 5 تريليونات دولار.

كما أن الدول الأكثر تورطاً في ديون تلك الدول الخمس هي فرنسا (843 مليار دولار) وألمانيا (652 مليار دولار) والمملكة المتحدة (380 مليار دولار) وهولندا (208 مليار دولار) والولايات المتحدة (195 مليار دولار).ومع تفاقم المشكلة، وفقدان الحكومات القدرة على السداد، تحولت البنوك الخاصة إلى البنك المركزي الأوروبي مطالبة إياه بتمويل عجز الحكومات، وإلى الحكومات طالبة تحويل هذه الديون إلى الشعوب.

وهكذا يزيد تركز الثروات وفي نفس الوقت ينكمش الاقتصاد.وهكذا أصبحت كل البنوك الأوروبية وعلى رأسها البنوك الألمانية والفرنسية متورطة في مئات البلايين من السندات الحكومية لدول الجنوب الأوروبي والقروض الخاصة بلا ضمانات حقيقية (بالإضافة إلى رصيدها من السندات العقارية الأميركية المسمومة) وسوف تعاني خسائر فادحة إذا لم تدفع أو تم إلغاؤها.

وتعاني معظم تلك البنوك من أزمة سيولة منذ الأزمة العالمية عام 2008، والبنوك الأميركية محجمة عن إقراضها خوفاً من إفلاسها. ومعظم البنوك الأميركية لديها ائتمان لدى معظم البنوك الأوروبية تم تجميده لأن أحداً لا يدري مدى تورط البنوك المختلفة في الأزمة اليونانية والإيطالية والأوروبية والأميركية بصفة عامة. ومن المعروف أن البنك الفيدرالي الأميركي وبنك انجلترا وبنك اليابان وبنوك سويسرا يقومون بتوفير الدولارات لبنوك أوروبا بعد أن قامت البنوك الأميركية بسحب ودائعها منها خوفاً من الخسارة.كما يقال إن البنوك الأميركية راهنت أيضاً على فرض إجراءات التقشف على اليونان وأيطاليا.

ولذلك فإن جايتنر وزير الخزانة الأميركية يضغط لفرض تلك الإجراءات حتى لا تفقد تلك البنوك رهانها وتفلس. ولو كان الانهيار مقصوراً على اليونان لهان الأمر. لكن إذا انهارت إيطاليا، فستنهار البنوك الأوروبية الكبرى بما في ذلك الألمانية والفرنسية، وستتلوها مباشرة انهيارات كثيرة في أميركا.

الحقيقة هي أن الدول الأوروبية الغنية تحاول إنقاذ بنوكها أكثر من مساعدة اليونان. ولا ننسى أن البنوك المركزية الأوروبية بما فيها البنك المركزي الأوروبي مملوكة للحكومات (مثل البنك المركزي المصري)، ولكنها تدار بصورة مستقلة عن الحكومات بواسطة رجال البنوك وليس بواسطة المسؤولين الحكوميين. أي أن رجال البنوك (الخاصة) لهم اليد العليا في إدارة الشؤون المالية في أوروبا.