رغم انقضاء تلك السنوات التي تقارب الستين عاما على تلك الفترة فقد ظل هدف الاستقلال في مجال الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية بعيدا عن التحقق

.. فيما ظلت الحكومات الأميركية جمهوريه كانت أو ديمقراطية محافظة على توخيّه، في حين ظلت آلتها العسكرية .. وظلت أيضا احتياجاتها المدنية في حال من الاحتياج الشديد والمطرد لتدفقات الوقود الأحفوري ــ من النفط بالذات بوصفها أنجع وأيسر وأرخص أنواع المحروقات اللازمة لاستمرار الحضارة .. والحياة في الدولة الحديثة.

من هنا أطلق الاختصاصيون والدارسون المعنيون على هذا الهدف وصفا لا يخلو بالطبع من الدلالة وهو: الهدف المراوغ، هذا الوصف هو الذي اختير عنوانا للدراسة الضافية التي نشرها مؤخرا اثنان من الكتاب الاختصاصيين الأميركيين هما: «كلينورد كلاوس وإيريك لبتون» (نيويورك تايمز، 22/3/2012)

التنقيب والبيئة

ترجع أهمية هذه الدراسة ــ في تصورنا ــ إلى أنها تكشف عما يدور حاليا خارج وداخل الكواليس النفطي ــ السياسي في أميركا من قرارات ومخططات ونشاطات لعل في مقدمتها تلك الضغوط التي تتزايد حدتها على مدار السنوات القليلة الماضية وتدعو إلى التوسع في عمليات الاستكشاف والتنقيب في مواقع كانوا حريصين على الابتعاد عنها استجابة لتحذيرات أنصار البيئة ودعاة الحفاظ عليها وتجنبا لنتائج قد لا يحمد عقباها من إصابة أجواء ومياه كوكب الأرض بمزيد من آفات التلوث ــ وفي مقدمة هذه الموانع ما تضمه مناطق الشمال القطبي من كوكبنا ومنها ولاية ألاسكا التابعة بالطبع للولايات المتحدة.

ومنها أيضا أصقاع القارة المتجمدة والقطبية ــ الشمالية التي يُنذر استغلالها نفطيا بنذر صراعات قد تحتدم بين الأقطار المطلة على رقعتها ما بين روسيا إلى الشرق .. إلى دول سكندنافيا النوردية عند الوسط .. إلى كندا والولايات المتحدة إلى أقصى الغرب.

توسع غير مسبوق

المهم أن الدراسة الأميركية المذكورة جاءت لتؤكد لنا أن صناعة النفط والغاز في أميركا تجتاز حاليا فترة ــ ربما غير مسبوقة ــ من زيادة النشاط والإنتاج بعد عقدين من التراجع أو الانحسار في هذا المضمار حيث جاء هذا الجهد المستجد مدفوعا بعاملين أساسيين هما:

(1) الارتفاع في أسعار النفط على نحو ما شهدته سنوات العقد الأول من القرن الحالي.

(2) التطور الخطير في كفاءة تكنولوجيا الاستكشاف والاستخراج.

ولأنهم يعدون حكاية الاستغناء في مجال الطاقة هدفا قوميا (على نحو ما أسلفنا)، فقد عمد الفرقاء ــ كما تضيف الدراسة ــ إلى موازاة مثل هذه الجهود بتدابير أخرى منها تقصير طول المسافات التي يقطعونها إلى جانب اقتناء سيارات أحدث طرازا وأكثر كفاءة بمعنى التوفير في استخدام كمية المحروقات النفطية.

ورغم أن هدف تقليل الاعتماد على الوارد الأجنبي عمد إلى رسمه والتأكيد عليه رئيس أميركي أسبق هو ريتشارد نيكسون خلال فترة ولايته التي انتهت (بالاستقالة) قبيل حلول منتصف السبعينات من القرن الماضي، إلا أن الإحصاءات والبيانات الفيدرالية التي أذيعت مؤخرا أوضحت أن أميركا في عام 2011 المنصرم لم تستورد من أنواع الوقود السائل سوى نسبة 45 في المائة من مجموع احتياجاتها ..

وكان ذلك إنجازا توضحه الدراسة التي نحيل إليها عندما تضيف بأن أميركا كانت قد استوردت من هذه المحروقات السائلة نسبة 60 في المائة من احتياجاتها.. وكان ذلك عام 2005 وهذا إنجاز له قيمته ولا شك بحيث يعبر عنه «مايكل ليفي» الخبير في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن قائلا: «على مدار عقود من الزمن، كان الاستهلاك في أميركا يزيد وكان الإنتاج ينخفض ولذلك كانت الواردات في ارتفاع مطرد.. أما الآن فنحن نشهد كلا من هذه المؤشرات وهو يتجه نحو المسار المقابل (بمعنى التراجع عن الازدياد أو الارتفاع)».

تهديد البيئة

تفيد الدراسة أيضا بأن هذا التخفيض الذي سعت إليه أميركا كي يتحقق بنسبة بلغت نحو 20 في المائة من وارداتها النفطية على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، توازت معه حقيقة يسجلها الباحثان اللذان أشرنا إليهما وهي أن واشنطن أصبحت مصدِّرا صافيا لمشتقات النفط الصافي (بعد تكرير الخام) ومن ذلك مثلا الغازولين ولأول مرة منذ رئاسة هاري ترومان التي بدأت مع أواخر الأربعينات وانتهت حقبتها مع مطالع الخمسينات..

وفي مجال الغاز الطبيعي تحققت اكتشافات وتبددت معها مخاوف كانت تخشى في السابق من نضوب الاحتياطيات، وبدأت أطراف خارجية تقدم طلبات تراخيص تتيح لها تصدير الغاز الطبيعي من مصادره في أميركا إلى أسواق في أوروبا وفي آسيا على السواء.

مع هذا كله فالإطلالة الموضوعية على هذه الصورة لا بد وأن تتعامل بكل أسباب الحذر العلمي على مثل هذه البيانات التي ترد في سطور دراسة أميركية منشورة في صحيفة رصينة صادرة في نيويورك، بل إن الدراسة ذاتها لا تلبث أن تعرض أيضا إلى تحذيرات خطيرة صادرة من علماء وأنصار كوكب الأرض وفي مقدمتهم بالطبع حماة البيئة الذين يتصدرهم «آل جور» نائب الرئيس الأميركي الأسبق والحاصل كما هو معروف على جائزة نوبل العالمية، وخاصة في كتابه عن الحقيقة الواضحة .. الناصعة .. ومؤداها أن الإمعان في هذا الاتجاه بغير ترشيد من شأنه أن يفضي إلى نتائج بالغة الخطورة ليس أقلها تدمير أنساق البيئة الكوكبية.

تلوثات بيئية

وفي هذا الصدد تواصل الدراسة الأميركية طروحاتها في سطور تقول: ثمة مناطق من الرقعة الأميركية .. ومنها ولاية «أوتاه» وكذلك «وايمونغ» شهدت مؤخرا إمعانا وتوسعا في عمليات الحفر ثم بدأت تعاني ارتفاعا منذرا بالخطر في معدلات تلوث الهواء ومن ثم تهديد الموائل الطبيعية للأنواع الحية من حيوان أو نبات ناهيك عن العوارض المرضيّة التي أصابت صحة الإنسان..

والأخطر من هذا أن التوسع في هذا المجال يتم على حساب إصابة مستجمعات المياه الطبيعية بآفات التراجع والنضوب وهو ما يهدد مثلا الحوض بيرمي الذي ينسب الجيولوجيون تكوينه إلى زمن جيولوجي سابق يرجع إلى نحو 250 مليون سنة، خاصة وأن من عمليات التنقيب والاستخراج ما قد يستخدم كميات هائلة من مياه الأحواض والمستجمعات المائية الطبيعية التي تستهلكها هذه العمليات مما يهدد بجفافها وخاصة في ظل تلوث الهواء بفعل ظاهرة الدفيئة (غرين هاوس) الناجمة بدورها عن آفة تجمع غازات الاحتباس الحراري الكربونية في الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض.

إدارة بوش

والشاهد أن الاعتبارات السياسية، ومنها طبعا الاعتبارات والأجواء الانتخابية المحمومة حاليا في أجواء أميركا .. فرضت ضريبتها حتى على إدارة أوباما الذي كان قد وعد، سواء في حملة ولايته الرئاسية الأولى بمحاولة إيجاد نوع من التوازن بين صون البيئة وتلبية الاحتياجات القومية من الطاقة .. ويومها تلقت رسالته مدا واسعا من التفهم والتأييد خاصة بعد حقبة بوش التي انشغلت بالشأن النفطي إلى حد المبالغة، سواء بحكم نشوء الرئيس بوش نفسه في ولاية تكساس النفطية .. فضلا عن جهود نائبه ديك تشيني بوصفه واحدا من أركان الصناعات النفطية في طول البلاد وعرضها.. ويومها ..

تضيف الدراسة التي نحن بصددها ــ تصاعد هذا الانشغال إلى أن شكلت إدارة بوش خلال سنوات هذا القرن الأولى قوة عمل خاصة في البيت الأبيض معنية بقضية الطاقة وكان أعضاؤها يجتمعون تحت جناح السرية مع أكبر المتنفذين ــ مسؤولي القمة كما تصفهم الدراسة ــ في صناعة النفط في الولايات المتحدة.

مصالح البارونات

ولم يكن غريبا أن يصدر في تلك الفترة قانون السياسة النفطية في عام 2005 ليقضي بهذا التوسع غير المسبوق في صناعات استكشاف واستخدام النفط ولو على حساب معايير الترشيد البيئية ولينص كذلك على منح إعفاءات ضريبة لصالح البارونات وتايكونات هذه الصناعات حتى بلغت، كما تؤكد الدراسة الأميركية مليارات من الدولارات .. إضافة إلى تخويل وزير داخلية بوش أيضا سلطة منح التراخيص في هذا الصدد بعيدا عن أية معايير أو محاذير صادرة عن الدوائر البيئية.

ولم يكن غريبا أن يأتي أوباما بعد ذلك ليحاول الحدّ من هذه التجاوزات وأن يطرح دعوات لاستكشاف مصادر بديلة من الطاقة المتجددة جنبا إلى جنب مع مصادرها الأحفورية المعروفة سواء من النفط أو الغاز.

مع هذا كله .. فلم يكن غريبا، عند الطرف الآخر من المعادلة، أن تلجأ إدارة أوباما في الوقت الدقيق الراهن إلى اتباع نهج يفضي إلى التساهل بصورة أو بأخرى فإذا بها تسمح باستكشاف مواقع جديدة ولو على حساب صون البيئة وكأنها تحاول بذلك المزايدة على ما يطرحه خصومها الجمهوريون. والمعني بعد هذا كله أن لكل شيء ثمنا .. بما في ذلك الممارسة الديمقراطية ذاتها.. وأن الفوز في ساحتها يهون معه كل شيء حتى ولو كان سلامة البيئة في كوكب الأرض الذي لا بد وأن نعده بكل احترام هبة ثمينة من عطايا السماء.

 إبداع واختراع

وصلت أحدث إحصاءات المديونية الأميركية إلى نسبة تقارب الثمانية في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة تدعو بداهة للقلق والخشية برغم أن هناك من علماء الاقتصاد من يردّ بأن أميركا بلد غني بالموارد الطبيعية من حيث الحجم والتنوع ومقادير الاحتياطي .. وأيضا من حيث الإمكانات البشرية القادرة ــ وتلك حقيقة موضوعية ــ على مواصلة مسيرة التجديد والإبداع والابتكار، سواء كان ذلك ابتداء من الارتياد الكوكبي أو البث الفضائي أو التواصل الحاسوبي وصولا إلى عصر مرتقب يطمح فيه خبراء أميركا لا إلى طرح سيارة كهربائية وهو أمر معقول بحد ذاته بل إلى طرح السيارة ..

الطائرة أو السيارة القادرة على التحليق ولو عند مستوى منخفض فوق الأرض من أجل تجاوز الاختناقات ــ أعناق الزجاجة كما يسمونها، تخطيا أو فلنقل تحليقا فوق زحام المرور.. وهم يطمحون إلى تحقيق هذا الإنجاز أو هذا الحلم في موعد لا يتجاوز السنوات الثماني المتبقية من هذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

أميركا بين المديونية واستقلال الطاقة

مع ما شهدته السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين من ارتفاع أسعار النفط والغاز ازدادت الدعوات في الولايات المتحدة التي رفعت شعار التحول من الاعتماد على الكميات الغزيرة المستوردة من خارج الحدود. وفي هذا الإطار عمدت إدارة الرئيس بوش الابن إلى الانشغال الشديد بالشأن النفطي خاصة وقد كان الرئيس نفسه قد نشأ في تكساس ــ ولاية النفط المحورية في البلاد.

فضلا عن احتلال نائبه ديك تشيني عدة مواقع عند قمة الصناعات النفطية وهو ما أدى ــ كما تقول دراسة أميركية منشورة مؤخرا ــ إلى تشكيل لجنة مخصصة في البيت الأبيض برئاسة نائب الرئيس كانت تعقد اجتماعات سرية مع أباطرة وتايكونات الصناعات النفطية في أميركا وهو ما أدى إلى صدور قانون خاص في عام 2005 برفع القيود التي كانت تحذر من مواقف التوسع في هذا الميدان بالنسبة لسلامة البيئة وخطورة إصابتها بتلوث الهواء وتهديد موائل الكائنات الحية والإفراط المدمر في استخدام محتويات المستجمعات المائية مما قد يؤدي إلى نضوبها.

ورغم أن أوباما كان قد وعد بتصحيح الأوضاع وبترشيد عمليات استخراج وإنتاج أنواع الوقود الأحفوري والتماس المصادر البديلة من الطاقة المتجددة، إلا أن الضغوط الانتخابية في معركته الرئاسية الراهنة ما لبثت أن أدت إلى الإذن باستكشاف النفط في مواقع مستجدة يمكن أن تؤدي إلى عواقب بيئية فادحة الخطورة.. ومنها مثلا ولاية ألاسكا الشمالية إلى جانب مناطق القطب المتجمد الشمالي مما قد يفضي إلى مشاكل دولية.

ومع اشتداد حمى الحملة الرئاسية الأميركيةــ وتحريض أوساط المرشحين ويبرز بين صفوفهم الرئيس الحالي «أوباما» عن الحزب الديمقراطي ومنافسه الأكثر جدية «رومني» عن الحزب الجمهوري على الدق على آلة سياسية تكاد تحوي اثنين من الأوتار التي تنزل نغماتها بردا وسلاما على أسماع جماهير الناخبين في الولايات المتحدة:

* الوتر الأول هو القضاء على البطالة، تلك الآفة التي كاد معدلها الإحصائي يشارف نسبة العشرة في المائة ــ بل يزيد في بعض الأحيان وتلك مشكلة لا تهدد وحسب الدوران الصحي لعجلة الاقتصاد ــ ولكن عقابيل هذه المشكلة وذيولها السلبية الخطيرة جديرة بأن تمتد إلى حيث تهديد السلام الاجتماعي في طول الولايات المتحدة وعرضها.

ومن هنا جاء حرص وزارة العمل في إدارة أوباما الراهنة مع إذاعة ما اعتبره مسؤولوها بوادر صحية أو تصحيح لمسار حركة التشغيل والاستخدام في بلادهم .. وقد أذيع آخر تلك الإشارات يوم الاحتفال بعيد الفصح وكأنه بمثابة هدية إلى مجمع الأيدي العاملة ــ الشابة بالذات في أميركا ولا سيما من خريجي الجامعات والمعاهد والثانويات.

على أن المؤشرات الأخطر ــ إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة سواء المباشرة أو المستترة ــ المقنَّعة كما يقول المصطلح المتواتر ــ إنما يتمثل بدوره في الارتفاع الخطير أيضا في مؤشر المديونية التي تتحملها الخزانة القومية في واشنطن وخاصة لحساب الصين التي ما برحت تواصل تدفق منتوجاتها من المصنوعات المختلفة إلى سوق أميركية ما زال المستهلك فيها يواصل من جانبه الإقبال على التوسع الاستهلاكي إلى حدود السرف والإفراط ..

الوتر أو المحور الثاني هو الأوسع والأهم من القضايا التي تؤرق أميركا ويمكن تلخيصه في العبارة الموجزة التي تقول بما يلي: التوصل إلى تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة والحق أن هذه الاستقلالية، وهو المرادف الموضوعي، كما تراه، لتحقيق الاستغناء أو عدم الاعتماد على واردات النفط من الخارج وقد ظل هدفا يراود كل الإدارات الحاكمة في البيت الرئاسي الأبيض على مدار عقود انقضت من الزمن، وخاصة منذ خروج أميركا إلى ساحة الشأن العولمي العام بوصفها قطبا دوليا أعظم وسط ملابسات خوض ثم انقضاء الحرب العالمية الثانية.