«التسابق على ما تبقّى».. هذه هي العبارة التي اختارها مفكر أميركي معنّي بالموارد الطبيعية.. حاضرها ومستقبلها.. عنواناً لكتابه الجديد الذي يتدارس فيه، من منطلق التنبيه والتحذير، أمر ما يشهده عالمنا في المراحل الراهنة من إفراط يصل إلى حد التفريط أحياناً في استهلاك الموارد الطبيعية التي وهبها الله لكوكب الأرض، وخاصة ما يتعلق بأنواع الوقود الأحفوري وأهمها بالطبع الفحم والبترول والغاز الطبيعي.
ويصدر المفكر الأميركي عن منطق يرى فيه مدى «الاستسهال» الذي يرصده من جانبه بوصفه سلوكاً سلبياً ما برح الناس ينتهجونه في معرض التعامل مع تلك الموارد التي يتصورونها رخيصة من ناحية فيما ينظرون إليها وكأنها مورد لا ينفد أو معين لا ينضب أو أنها إمكانيات ميسورة بغير كلفة باهظة ومتاحة بغير حدود من أجل إشباع ما تنطوي عليه الحضارة البشرية المعاصرة من مطالب واحتياجات.
متاح بغير عناء
من هنا فلم يكن غريباً أن يساهم الكاتب المذكور، وهو البروفيسور «مايكل كلير» بمقال مهم في العدد الخاص الذي أصدرته مؤخراً مجلة تعنى بأمور السياسة والاستراتيجية الدولية هي مجلة «كرنت هستوري» وهو عدد يستمد أهميته بدوره من واقع تخصيصه لرصد الاتجاهات العالمية ــ أو العولمية كما تقول المجلة المذكورة لعام 2012 الذي لم ينصرم من عمره سوى الأشهر الثلاثة الأولى.
ولأن «مايكل كلير» مولع ــ كما نتصور ــ بحكاية العناوين التي تجمع بين الطرافة والبلاغة فهو يختار لمقاله العنوان التالي: نهاية كل شيء ميسور «أو متاح بغير عناء».
رؤية مهمة
وفضلاً عن التفاصيل التقنية العديدة التي توردها الدراسة التي نشير إليها، وهي تفاصيل من شأنها أن ترد ولا شك في فصول كتاب «مايكل كلير».. إلا أن ما يسترعي الاهتمام هو تلك الرؤية التي أحالت إليها الدراسة، وقد سبق إلى طرحها واحد من بارونات صناعة النفط والغاز هو «ديفيد أوريلي» الرئيس السابق لشركة «شيفرون» النفطية الشهيرة حين بادر جمهور مستمعيه في مؤتمر عقد في مدينة هيوستون بولاية تكساس، المعروفة بأنها محور النفط في الولايات المتحدة.. وكان قوام هذا الحشد من أعمدة صناعات النفط والغاز في أميركا والعالم.. ويومها قال أوليري:
أيها السادة.. إن أعمالنا وأنشطتنا تجتاز حالياً حقبة فاصلة من التحول الجذري العميق في تاريخها.. فبعد أكثر من 100 سنة كانت كميات النفط المتاحة لنا مواكبة باستمرار مع الطلب المتزايد عالمياً على مادة النفط ومشتقاته. ولكن ها نحن نصل إلى ذلك المنعطف الذي يقول بأن المعروض من النفط الخام المتاح لم يعد سخياً ولا واعداً كما كان في الماضي.. ولدرجة لابد أن أصارحكم معها بأن الوقت الذي كنا نعّول فيه على النفط الرخيص.. بل وعلى الغاز الطبيعي الأرخص قد آذن إلى نهايته..» وبالمناسبة كان ذلك في عام 2005.. وعندما تناقلت ميديا الإعلام في أميركا والعالم مثل هذه الأقوال أو الأحكام.. بادر «ديفيد أوليري» إلى الكتابة في الصحف الأميركية مضيفاً المزيد من النبوءات في عبارات قال فيها:
«لقد انتهت حقبة النفط الرخيص.. والاكتشافات النفطية الجديدة تتم أساساً في أماكن تحوي موارد من الصعب استخراجها سواء من الناحية العملية أو الباحثة الاقتصادية بل ومن الناحية السياسية على السواء..».
الإدمان النفطي
والحاصل أن مثل هذه التحليلات، بكل ما تنطوي عليه من تحذيرات أو حتى إنذارات.. أصبحت موضع اهتمام سياسي متزايد وخاصة في غمار الدعوات التي لا تلبث ترتفع في أميركا وفي الغرب بشكل عام، وتحت شعار أثير لدى الساسة الأميركان بالذات، فما بالنا وهم يتهيأون لخوض معركة انتخابات التجديد الرئاسي للبيت الأبيض.. والدعوة تتلخص ببساطة فيما يلي:
العمل على تعافي أميركا من آفة إدمان النفط ( وخاصة ذلك المستورد من الخارج حيث الخارج هنا يصدق على منطقة الشرق الأوسط في افريقيا بقدر ما يصدق على الجارة اللاتينية المشاغبة طبعاً المعروفة باسم فنزويلا ).
كما تتلخص الدعوة في: العمل على تحقيق هدف الاستقلال النفطي لأميركا ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
وفيما يتعلق بالجانب السياسي يتعامل المحللون النفطيون مع واردات هذه السلعة الاستراتيجية على أن مصدّريها من الشرق الأوسط يواجهون تعقيدات ناجمة عن ديناميات التحول السياسي التي مازالت فاعلة في أرجاء شتى من المنطقة.. وفيما ارتفعت أصوات تنادي بزيادة التركيز على العنصر النيجيري من واردات النفط إلى أميركا.. واجهتها ردود وتحذيرات إزاء ما يعانيه ذلك البلد الإفريقي الكبير من مشاكل سياسية وتعقيدات داخلية وصل بعضها إلى درجة الصراع والتخريب وتدمير المنشآت بل واختطاف العاملين في ميدان الصناعة النفطية.
أما العامل الفنزويلي فهو بدوره مرهون بتوتر العلاقات الحالية بين واشنطن وبين كاراكاس ـ شافيز الذي ما برح يشكل نموذجاً جاذباً لعدد من منتجي النفط الأصغر حجماً في قارة أميركا اللاتينية، وهو ما يضفي بدوره حالة من اللايقين على العلاقات النفطية بين هذه الأطراف وبين سوق الاستهلاك المتزايد في الولايات المتحدة.
هنالك يتطلع الفرقاء إلى شمال الكرة الأرضية.
القطب الشمالي
يتطلعون بالتحديد إلى ما أثبتته البحوث الجيوفيزيقية، وباستخدام أحدث وأكفأ تكنولوجيات الحواسيب والتوابع الاصطناعية من وجود كميات هائلة، من الاحتياطيات البكر كما قد نسميها التي تشكل ركازات النفط والغاز تحت الركام الجليدي الذي يغطي سطح القطب الشمالي.
وفي هذا السياق تطالعنا دراسة «كرنت هستوري» بالإحصائية المبسطة التالية:
الدائرة المتجمدة الشمالية تشكل نحو 6 في المائة من مساحة سطح الكرة الأرضية. ولكنها تحتوي على ما يقرب من 30 في المائة من الاحتياطيات غير المكتشفة من المواد الهيدروكربونية في العالم.
ارتفاع الحرارة
مع هذا كله يظل السؤال الحائر والصعب أيضاً مطروحاً وهو:
ترى.. كيف السبيل إلى تلك الثروة الكامنة تحت ثلوج يمكن النظر إليها بأنها سرمدية أي منذ نشأة الكوكب الأرضي؟
والإجابة الفورية أو المبدئية تقول بغير توان:
يصبح هذا ممكناً إذا ما واصلت درجة حرارة الكوكب في الارتفاع (بفعل ظاهرة التساخن العولمي) ومن ثم ينفسح السبيل أمام ارتياد مناطق القطب الشمالي خاصة في ضوء التقدم المطرد في تكنولوجيات التعدين.
وبديهي أن مثل هذه الأمور محفوفة بالمخاطر. وأول هذه المخاطر يتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه من جانبنا الوصف التالي: جدل المناخ أو ديالكتيك الطقس الكوكبي.
وبمعنى أن يصبح الطريق سالكاً إلى بترول القطب الشمالي، فقط عندما ترتفع درجة حرارة الكوكب.. فتذوب ثلوجه الأزلية.. ومن ثم تنداح كتل الجليد المنصهر فإذا بها تؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر وإغراق مناطق لا يعلم بها إلا الله في أصقاع شتى من العالم.
ويزيد البروفيسور «كلير» من مغبة هذه الأخطار المتوقعة حين يضيف مُحذّراً من أن انصهارات جبال الجليد جديرة بأن تصادف السفن الوافدة فتعوقها وربما تغرقها وتدمر محطات وأرصفة استخراج النفط في تلك المناطق وخاصة في مواسم الصيف وتسبب انسكابات البقع النفطية بكل أضرارها الفادحة وعلى صعيد أوسع وأخطر مما عانته مؤخراً مناطق خليج المكسيك في فترات زمنية قريبة بالولايات المتحدة.
السياسة والموارد
ثم يأتي المنظور السياسي الذي يتمثل في أن دائرة القطب الشمالي ليست أرضاً وطنية تعود ملكيتها أو السيطرة على مقاليدها إلى بلد بعينه من أقطار عالمنا.. إنها فضاء عولمي يخصّ شراكة متعددة الأطراف تجمع بين أميركا وكندا إلى الغرب.. وتصل إلى روسيا وكيانات البلطيق إلى الشرق وتحصر بينهما أقطار سكندنافيا النوردية (الشمالية) على حد سواء.. وتلك وصفة بديهية لصراعات إقليمية قد تندلع بين كيانات فاعلة.. وطامعة ثم تتفاعل تحت درجة حرارة.. وبالأدق درجة زمهرير يدنو تحت مستوى ناقص 40 فهرنهيت في بعض الأحيان.
في هذا السياق أيضاً تمضي دراسة «كرنت هستوري» لتطّبق نفس التحذيرات التي تحدق بالنفط والغاز أو الفحم، كي تصدق على مجموعة الموارد المعدنية الأخرى ومنها كما تفصّل الدراسة ركازات الحديد والنحاس والكوبالت والنيكل.
ولا تقتصر المسألة على تناقص الإنتاج، وإنما يتعدى الأمر إلى ما تشهده أنماط الاستهلاك الراهنة في عالمنا من تزايد الاستهلاك لتلبية ما أصبح يتطلبه أسلوب معاصر لحياة البشر الذين درجوا على مستوى من الرفاهية وعلى نمط للتعامل مع آلاء الطبيعة ومواردها وإمكاناتها بشكل غير راشد وغير مسؤول.
تزيد المشكلة تفاقماً على نحو ما يذهب إليه الدكتور «مايكل كلير» حين يوضح أيضاً أن تناقص العرض ــ وكما تقضي بذلك النظرية الكلاسيكية في الاقتصاد ـ كفيل بأن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار..
الاستهلاك والترشيد
وعندنا ان جدل الأزمة سيظل متواصلاً.. وبمعنى أن الرغبة في تخفيض أسعار البترول لابد وأن تُفضي إلى عزم على التماس المزيد من الاستكشافات والإنتاج من مناطق مثل القطب الشمالي.. ولن يتيسر مثل هذا الأمر إلا بمزيد من انفتاح طرق الوصول والاستخراج والتعدين في القطب ولاسيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة. ولكن هذا الارتفاع إنما يحدث بسبب اشتداد ظاهرة الدفيئة الناجمة بدورها عن آفة احتباس الغازات الكربونية الكفيلة من جانبها بزيادة مشاكل تلوث أجواء كوكب الأرض بكل عقابيلها الضارة على كائنات هذا الكوكب بين إنسان أو حيوان أو نبات وهو ما تدفع البشرية ثمناً باهظاً في مقابله.
وربما يستغرق الأمر وقتاً أطول نسبياً، وبمعنى أن لا تحين نهاية حالة اليسر المعقول الذي تنعم به البشرية في الزمن الراهن.. خاصة وأن التكنولوجيا ما برحت تحرز تقدماً وأنها تستطيع في مراحل ليست بالبعيدة أن تصل إلى استثمار الموارد المتاحة وأن تبلغ مواقع الاحتياطيات الكامنة والركازات الواعدة ومن ثم يمكنها أن تزود آلة التصنيع والنقل بما تحتاجه من موارد لاستمرار حركتها ومواصلة أنشطتها.
الاستخدام المنفعي
مع هذا كله فلا مهرب من أن يرتفع بالنذير صوت العِلْم والدرس والإحصاء منبهاً بغير وجل.. أو محذراً بغير ترهيب إلى ضرورة التعامل مع موارد الكوكب بأسلوب يجمع بين القصد والترشيد.
تلك مرحلة انتقال لابد وأن تشهد أساسيات وسلوكيات التحول من الاستهلاك «الاهتلاكي» كما قد نسميه إلى الاستخدام «المنفعي» الذي تتوزع ثمراته على أساس من العدل بين طبقات المجتمع الإنساني.
تلك أيضاً هي النقطة المحورية التي تتطرق إليها دراسة الأستاذ الأميركي المنشورة في مجلة «كرنت هستوري» التي ألمحنا إليها.. وهي تختتم سطورها بأن تقول بغير مجاملة ما يلي:
إن التحول من حقبة موارد ميسورة بغير عناء إلى حقبة موارد تتسم بالمشقة والعناء سوف يتم لقاء ثمن غال، سواء من حيث التكاليف الاقتصادية أو الأضرار البيئية أو الاضطرابات الاجتماعية أو الصراعات السياسية. ويكمن الحل الوحيد في سلوك لن نكف عن الدعوة إليه وهو:
تخفيض الاستهلاك وخاصة من أنواع الوقود والمعادن التي درجنا على استخدامها بالإضافة إلى تسريع خطى التماس وتطوير موارد بديلة ومتجددة في آن معاً.
و.. مازال الأمل معقوداً.
أسعار البترول
الارتفاع في الأسعار، وخاصة عندما ينسحب على أسعار الأغذية، سوف ينطوي بالضرورة على تغيير مطلوب في سلوك الطبقات الميسورة وخاصة في البلدان الغنية بقدر ما يؤدي إلى مزيد من المعاناة التي ينتظر أن تكابدها الطبقات الفقيرة.. والحاصل أنه ابتداء من عام 2008 زادت الأسعار بمقدار ضعفين وأحياناً ثلاثة أضعاف بالنسبة لسلع أساسية من قبيل القمح والذرة وما في حكمهما، مما أدى إلى اندلاع احتجاجات شعبية في أقطار شتى من عالمنا.. ثم زاد من وطأة هذه المشقة ما عاناه العالم من ظواهر الجفاف التي أدت بدورها إلى فشل غلات المحاصيل اللازمة وإن كان السبب الأساسي في هذه المشقة، وكما أوضحت دراسات البنك الدولي كان راجعاً إلى ارتفاع أسعار البترول.


