منذ أن عانى العالم وطأة الأزمة المالية التي وقعت في عام 2008.. ظلت الأسعار العالمية في ارتفاع مطرد، حيث زاد بعضها بمقدار الضعفين فيما ارتفع البعض الآخر بمعدل ثلاثة أضعاف، وخاصة ما يتعلق بأسعار المواد الغذائية ممثلة في السلع الغذائية الأساسية مثل القمح والذرة وما في حكمهما.. وكما نسمع كثيراً عن الأزمة المالية العالمية، فإن هناك أزمة عالمية أخرى في طور التبلور تجري على قدم وساق، وتهدد بإلحاق الأذى بالكثير من الناس. وهي أزمة الغذاء التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة بعد ارتفاع أسعار القمح والذرة والأرز وباقي المواد الغذائية الأساسية في السنوات الأخيرة، وتصاعدت بوتيرة مقلقة في الأشهر القليلة الماضية. وإذا كانت الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية ترهق الأميركيين الأكثر غنى نسبياً مقارنة ببعض دول العالم، فإنها مدمرة بالنسبة للبلدان الفقيرة، حيث تنفق العائلات أكثر من نصف دخلها على الغذاء. وفي أنحاء العالم المتفرقة شهدنا مظاهرات تحتج على الوضع بعدما قامت دول رئيسية موردة للمواد الغذائية من أوكرانيا إلى الأرجنتين بالحد من صادراتها في محاولة لحماية المستهلكين في الداخل.
لنبدأ أولاً بالأمور التي لا يمكن تحميل مسؤوليتها لأحد. أولاً هناك زحف الصينيين الذين باتوا أكثر إقبالاً على أكل اللحوم، وإلى جانبهم طبعاً المواطنون في الاقتصادات الناشئة الذين بدأوا يأكلون على الطريقة الغربية. ولو عرفنا أنه لإنتاج قطعة لحم تحتوي على مائة سعر حراري يتعين إطعام الحيوانات المنتجة للحم 700 سعر حراري من الحبوب، فلكم أن تتخيلوا الضغط الذي سيمارسه الاستهلاك المتنامي للحوم على إنتاج الحبوب. لكن ارتفاع أسعار النفط، وهنا السبب الثاني، يلعب دوراً آخر في أزمة الغذاء الحالية بعدما أصبحت أساليب الزراعة الحديثة والمعاصرة أكثر اعتماداً على الطاقة لإنتاج الأسمدة الكيماوية وتشغيل آلات الحرث والحصاد، فضلاً عن وسائل نقل المحصول. ومع تجاوز سعر برميل النفط المائة دولار تحولت تكلفة الطاقة المرتفعة إلى أحد أهم الأسباب التي تدفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع. ولابد من الإشارة إلى أن أسعار النفط المرتفعة لها علاقة كبيرة بالنمو الاقتصادي الذي تشهده الصين وباقي الاقتصاديات الناشئة في العالم. فقد دخلت هذه القوى الصاعدة سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر في منافسة محمومة مع باقي العالم على الموارد الطبيعية النادرة أصلاً، بما فيها النفط والأراضي الزراعية، وهو ما يدفع في النهاية أسعار المواد الخام من جميع الأنواع إلى عنان السماء.
وثمة آلية نمطية تربط باستمرار بين ارتفاع أسعار المحروقات ومنها بالطبع النفط والغاز الطبيعي وبين زيادة أسعار المواد الأساسية ومنها بالطبع السلع الغذائية.. وقد زاد من وطأة الأزمات المذكورة.. استمرار أنماط الاستهلاك المتوسعة وخاصة في الأقطار الغنية من عالمنا دون الإدراك الكافي لأهمية الترشيد بهدف الصون في استخدام المواد الحيوية ومنها أنواع الوقود الأحفوري التي تدل الدراسات على أنها في حال من التناقص دون أن يعوض عنها حتى الآن ما كشفت عنه التكنولوجيات السوبر ــ متقدمة وخاصة ما يتعلق بما تحتويه الدائرة المتجمدة المحيطة بالقطب الشمالي التي تحتوي ــ كما تقول أحدث الدراسات ــ على نسبة 30 في المائة تقريباً من الاحتياطات النفطية في العالم، ومع ذلك الاستخراج أو الإنتاج في تلك المنطقة المحفوفة بكثير من الاحتمالات السلبية حتى بما يحول دون سهولة تحقق الجدوى الاقتصادية إلا مع ارتفاعات درجة الحرارة الكوكبية وتلك في حد ذاتها يشكّل ظاهرة سلبية وتنطوي على أخطار محدقة بكوكبنا، ومن ثم فالسبيل الوحيد إلى مجابهة تحديات المستقبل يتمثل في أمر وحيد هو «ترشيد الاستهلاك».
