رغم أن «فلاديمير» بوتين لم يحقق فوزه في رئاسة بلاده سوى منذ أيام قلائل، فقد توقفت دوائر سياسية عديدة عند تصريحاته التي أعقبت هذا الفوز الرئاسي الجديد، وقال فيها عبارته الشهيرة والغريبة أيضاً: أنا لم أقرر بعد ما إذا كنت سأخوض سباقاً محدداً للرئاسة بعد عام 2018.

وعندما سأله مندوبو الصحف الأجنبية في موسكو عن خططه في المستقبل.. أجاب قائلاً: لست أدري إذا ما كنت أريد الاستمرار في السلطة لأكثر من 20 عاماً.

الدولة السوفييتية

والمعروف أن فلاديمير بوتين تولى مركز الرئاسة الأول في الكرملين الروسي في عام 1999. ويومها تنفس الروس كل صعداء ارتياحاً لانقضاء حقبة «بوريس يلتسين» التي رأوا فيها تدميراً للواقع الروسي الذي أعقب الحقبة السوفييتية التي كانت قد بلغت شيخوختها بعد فترة زمنية بدأت مع ثورة أكتوبر 1917 ووصلت إلى ذروتها من حيث المنعة والنفوذ الدولي بعد مشاركة روسيا ـ ستالين في الانتصار على هتلر في الحرب العالمية الثانية.

ومنه إلى دخول العصر النووي عند ختام الأربعينات ومن ثم إلى حقبة خروشوف التي أعلنت مع سنوات الخمسينات سياسة التعايش السلمي، إلى جانب قدر من التفاعل أو التفاهم العقائدي مع قوة بازغة حملت أيامها عنوان العالم الثالث ومجموعة عدم الانحياز، ثم ما لبثت التجربة السوفييتية أن آلت بالتدريج مع الثلث الأخير من القرن الماضي إلى ذبول وشحوب وغروب.

حيث تكسّرت قوة اندفاعها بفعل شيخوخة القيادات ابتداء من ليونيد برجينيف وخلفائه، وأيضا بفعل الجمود العقائدي الذي جسدته انحيازات الكرملين إلى نصوص التنظير (الماركسي) على حساب الواقع الحي بكل متغيراته التي ظلت تطرأ على معطيات الساحة الدولية، إلى أن جاءت هزيمة الغزو السوفييتي لأفغانستان في أواخر سبعينات القرن، لتكتب أولى سطور شهادة الوفاة للكيان السوفييتي ـ الشيوعي الذي كان وقتها أقرب إلى الديناصور، بمعنى كائن بالغ الضخامة من ناحية الشكل، ولكنه كائن مقضي عليه بالفناء في واقع الأمر.

 

غورباتشوف ويلتسين

هنالك لم تفلح مع الاتحاد السوفييتي محاولات التنفس الاصطناعي، كما قد نسميها، وقد جهد في طرحها واستخدامها ميخائيل غورباتشوف من خلال وصفته المعروفة، التي ضمت شعارات من قبيل إعادة البناء أو الجلاسنوست، تلك التي دعت ـ كما هو معروف ـ إلى إعادة هيكلة البناء، والى تبني شعارات العلانية أو المصارحة أو الشفافية حسب التعبير الشائع، وكانت جديرة بأن تكون بلسما شافيا للجسد السوفييتي العليل ـ لولا أنها جاءت هذه الأدوية السياسية موصوفة في ربع الساعة الثالثة والعشرين من حياة ذلك الكائن السياسي، الذي أسلم روحه مع فاتح التسعينات.

وبالأدق أسلمها إلى يلتسين الذي تدهورت في ظل رئاسته كل أدوار روسيا، انكماشا في رقعتها وتقلصا في مكانتها الدولية، وانهيارا في مقدراتها الاقتصادية، وخاصة بعد بيع مؤسسات القطاع الروسي العام، ومن ثم استئثار فعاليات وأفراد وقوى خاصة بمقاليد اقتصادها، لا على أساس نشاط القطاع الرأسمالي أو الاستثمار الخاص، ولكن على أساس تكوينات احتكارية، انحدر بعضها إلى تشكيلات عصابية أفرزت تجمعات الجريمة المنظمة التي حملت وقتها وصف المافيا الروسية.

خريج «كي جي بي»

في غمار هذه الظروف كان وصول رجل تربى في مؤسسة الاستخبارات الروسية «كي جي بي» اسمه بوتين إلى المنصب الأول في الكرملين إيذاناً بأن ثمة تغييراً يحدث، وأن على سائر أطراف المعادلة الدولية ألا يتصوروا أن موسكو لم تكن لتستقيل من موقع الدولة الكبيرة، إن لم يكن الدولة الكبرى الفاعلة بكل تأثير في مجريات أمور العالم المعقد الذي نعيش فيه.

دامت حقبة بوتين الرئاسية (الأولى حتى لا ننسى) فترتين ما بين عام 2000 إلى عام 2008 وبعدهما تولى الرجل رئاسة الوزارة التي حرص خلالها على الدفع نحو إجراء تعديلات دستورية بمدّ الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، وكان ذلك باتفاق أشار إليه المراقبون في العاصمة الروسية مع زميله الرئيس الحالي، ورئيس الوزراء المرتقب «مدفيديف».

يبلغ بوتين عامه الستين، وقد لاحظ راصدو الشأن الروسي تكاثف المعارضة الموجهة ضده، وعلى نحو ما كشفت عنه وقائع ونتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في العاصمة موسكو على وجه الخصوص، وكان رد الرجل ومؤيديه أن موسكو وكبريات الحواضر الروسية مازالت حاشدة بأنصار مخضرمين بالذات ينتمون إلى الاتجاهات والعقائد الشيوعية، ممن أعلنوا معارضتهم الفكرية والحزبية.

ومن ثم الانتخابية ضد عودة بوتين إلى سدة الرئاسة الأولى في البلاد. لكن بوتين حقق الفوز الأخير مهما بلغت الشكوك التي أحاطته، بفضل حشود من التأييد في المواقع الريفية وشبه الحضرية والنائية بعيداً عن العاصمة وما في حكمها، أو على الأقل بعيداً عن صالونات المثقفين.

 

قيصر طيب

لقد لوحظ أن بوتين مازال يحظى بتأييد القوى البسيطة وربما الأقل حظا من جموع الشعب الروسي، التي مازال يحدوها آمال في تحسين الأحوال التي لم تشهد بعد تحسنا منذ أفول شمس الاتحاد السوفييتي، حيث مازالت البطالة متفشية، وإن كان مؤيدو بوتين قد نجحوا في استغلال «الميديا» الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية لكي يرفعوا بورصات الوعود والآمال.

ولكي يبرروا سوء الأحوال، بدعوى أن بوتين لم يكن ينقصه العزم على الإصلاح، ولكن المشكلة كانت تتمثل في فساد الحاشية أو سوء تقدير المسؤولين المحليي، وقد ترجموا هذا الشعار التبريري في عبارة مازالت يرددها الشارع الروسي وتقول: قيصر طيب.. ونبلاء أشرار!!

وفي هذا الإطار تكتب من موسكو مندوبة «الغارديان» البريطانية «مريام ايلدز» (2/3/2012) عن شابة روسية صادفها الصحافيون وهي واقفة عند مدخل مركز ثقافي يعود إلى الحقبة السوفييتية، وقد استرسلت في تعداد مشاكل المدينة الصناعية التي تعيش فيها ما بين هجرة شباب المدينة وسوء أحوال مصانعها، لدرجة يبدو معها المستقبل مجللا بالغيوم، ولكن عندما سألوها عن بوتين أجابت: أظن أن بوتين بعد توليه مقاليد السلطة سوف يبذل قصارى ما في وسعه لكي يجعل حياة الروس أفضل.

 

السياسة الخارجية

في مجال السياسة الخارجية أعلن بوتين أن سياسة «إعادة الترتيب» التي سبق واعتمدها الكرملين الروسي خلال حقبتي بوتين (الأولى) ومدفيديف (التي تلتها) أسفرت في جانبها الإيجابي عن اتفاقات بين موسكو وواشنطن على تخفيض مخزونات كل منهما من أسلحة الصواريخ الاستراتيجية.

وإن كان ثمة هواجس وشكوك ما برحت تساور الجانب الروسي إزاء منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية ودورها في شرقي أوروبا المتاخم بداهة للحدود الروسية على وجه الخصوص، ولاسيما أن روسيا مازالت تخشى من أن نشاط هذه المنظومة المدعومة من الغرب كفيل بأن ينهي فعالية الرادع النووي الروسي في يوم من الأيام.

في نفس السياق، أعرب بوتين مؤخرا عن شكواه، لأن الرئيس الأميركي السابق «جورج بوش» ـ الابن كان قد وعد باتفاق ـ صفقة حسب تعبير السياسي الروسي ـ يتاح بمقتضاه للخبراء الروس رصد نشاط رادارات المنظومة الأميركية سالفة الذكر.

ولكن إدارة بوش مالبثت أن تراجعت عن الاتفاق المأمول، بدعوى أن القذائف الصاروخية الأميركية لم تكن موجهة نحو روسيا، بل كانت موجهة نحو «إيران»، وهو ما أفادت به «نيويورك تايمز»، في رسالة من العاصمة الروسية بقلم «إيلين باري» (عدد 2/3/2012).

 

الدرع في أوروبا

ولقد أدلى بوتين بهذه التصريحات إلى مجموعة منتقاة بعناية من رؤساء تحرير ست من الصحف الدولية الكبرى، الصادرة في كل من بريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا وألمانيا واليابان (ولوحظ أنه لم يكن من بينهم أي رئيس تحرير أو أي صحافي أو كاتب كبير من الولايات المتحدة).

وإن كان الرئيس الروسي المنتخب مؤخرا قد استثمر لقاءه معهم من أجل «تمرير» رسالة إلى رئيس أميركي موشك على التجديد من الحزب الديمقراطي، أو على الانتخاب من المعارضة الجمهورية، ومؤداها ما يدعو إلى ضرورة العمل على بناء (أو تجديد) الثقة، ولو بنسبة معقولة بين الطرفين الروسي والأميركي، وخاصة ما يتعلق بتهديدات النظام الصاروخي الذي ترددت أنباء بأن واشنطن عاكفة على نصبه.

ومن ثم تفعيله في مناطق أوروبا الشرقية (بولندا مثلا)، وهو ما يزرع بذور الشكوك ـ على نحو ما ألمح بوتين ـ عند الطرف المستهدف، وهو ما يفضي بالطبع إلى عدد من «الصراعات وأعمال العدوان» على حد تعبير بوتين أيضا، الذي لم ينس في تصورنا، وربما بحكم مهنته الأولى كرجل استخبارات محنك، أن يشفع هذه المحاذير بنغمة شبه إيجابية، حين استطرد قائلا:

ـ ليس معنى هذا أن أميركا بحكم التعريف هي بلد مجبول على العدوان، ولكن لأننا بإزاء حقيقة من واقع الحياة، ولا سبيل إلى الالتفاف حولها، وهذا هو ما يبعث القلق في نفوسنا.

تقرير من بطرسبورغ

وفيما عرضت «التايمز» الأميركية لهذه الصورة الإيجابية، أو شبه الإيجابية، لبوتين الذي يوشك أن يتحول مجددا من مقر رئاسة الوزراء في موسكو إلى مقر الرئاسة الأولى في العاصمة الروسية، ويتبادل المواقع ـ.

كما يقول المطلعون على كواليس السياسة هناك ـ مع الرئيس السابق «مدفيديف»، إلا أن الجريدة الأميركية لا تلبث أن تشفع هذه الصورة برسالة من اثنين من كبار مندوبيها المطلعين على كواليس الشأن الروسي، وهما «أندرو كريمر وديفيد ترزنهورن». اللذان أعدا تقريرهما من العاصمة التاريخية «سان بطرسبورغ» بشأن ما وصفاها بأنها دائرة الأصدقاء المقربين جدا إلى الرئيس بوتين.

هي دائرة المليارديرات الجدد في روسيا ـ القرن الواحد والعشرون ـ وربما كان أخطر ما في هذه الدائرة هو ما يتمثل في سيطرة رؤوسها على احتكارات النفط والغاز اللذين تمتلكهما الدولة في الأساس، وجاء في مقدمتهم مدرب رياضة الجودو ـ سابقا بالطبع ـ «اركادي روتنبرغ» ثم «يوري كوفالشوك»، الذي لايزال مسيطرا على عدد من فروع مؤسسة «غاز بروم» الشهيرة في روسيا.

وبثروة بلغت مؤخرا أكثر من مليار ونصف مليار من الدولارات، فما بالنا بواحد من كبار التايكونات في روسيا، وربما في العالم هو «تمشنكو»، الذي بدأ مديرا شبه مجهول للمبيعات في شركة نفط محلية، ثم أصبح شريكا مع أكثر من مؤسسة عامة وخاصة في حدود 70 مليار دولار.

 

بارونات النفط وفي هذا السياق تعلق «التايمز» في سطور.. تقول فيها:

ـ هؤلاء «البليونيرات» الثلاثة أعضاء في الدائرة المقربة للغاية من الرئيس بوتين، وهي الدائرة الحميمة التي تضم عددا من الأصدقاء والأقرباء والمساعدين والزملاء، المنتمين إلى دوائر الأمن، فضلا عن قدامى المستشارين الذين تضخمت ثرواتهم بصورة خرافية خلال السنوات الــ 12 السابقة، التي كان بوتين خلالها هو القائد رقم واحد في طول روسيا وعرضها.

وفي محاولة لاتباع الموضوعية تسجل الصحيفة الأميركية أن الأوساط المقربة أيضا من بوتين ترفض مثل هذه الادعاءات، وتؤكد أن تلك علاقات عارضة وليست حميمة، وأن الرجل حرص على إعلان دخله السنوي عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فلم يتجاوز هذا الدخل نحو 153 ألف دولار على مدار السنوات الأربع الأخيرة.

وهو إيراد حرص بوتين أيضاً على تأكيد أنه جمع فيه بين راتبه كرئيس وزراء وبين معاشه التقاعدي كعسكري سابق، إضافة إلى حصيلة الفائدة المصرفية المتجمعة من بعض الاستثمارات (المتواضعة بطبيعة الحال)، فضلا عن فوائد الإيداعات البنكية المتواضعة أيضا، التي كانت تخص زوجته.

 

عائلة الرئيس

وبمناسبة الزوجة، فقد لاحظ المراقبون السياسيون ذلك الحرص الدقيق من جانب فلاديمير بوتين على إبقاء عائلته الصغيرة بعيداً عن وهج الأضواء، سواء كان الزوج ـ الأب يشغل موقع رئيس الدولة أو منصب رئيس الوزراء، ومؤدى هذه الملاحظة أن الزوجة، «لودميلا» اختفت تماما عن الظهور في الحياة العامة، وهو ما ينطبق أيضا على الابنتين، وهما الآن في سن الشباب.

والطريف أن عقيلة بوتين شوهدت آخر مرة في شهر أكتوبر من عام 2010، وكانت المناسبة ـ الرسمية حتى لا ننسى ـ هي زيارة موظف (أو موظفة) تعداد السكان لسكن العائلة لاستكمال الإحصاء المتعلق بأحدث تعداد للسكان في روسيا.

في هذا السياق أيضا أعلن فلاديمير بوتين أن زوجته لن تضطلع بموقع أو مهام السيدة الأولى في البلاد خلال فترة رئاسته، ثم علّق على هذا القرار قائلا: ـ لا أنكر أن هذا ليس بالأمر الميسور بالنسبة لها، ولكن «ميديا» الإعلام الحديثة تعمل بغير وازع دون أن تراعي مثل هذه الأمور، وبوسعكم أن تروا كيف أن أسرتي بعيدة عن أمور التعاطي مع عالم السياسة ودنيا «البيزنس»، ومن جانبي فأنا أريد أن نتركهم وشأنهم باعتبار أن هذا الوضع يرتبط بما يرغبون فيه من شعور بالأمان وراحة البال.

 

التحديات

وبصرف النظر عن خصوصيات الرئيس الروسي المنتخب مجددا، والمتطلع إلى عام 2018، من أجل التجديد كما قد نقول، فالحاصل أن أمامه، وأمام بلاده، تحديات بالغة الشراسة، يأتي في مقدمتها تحدي الاقتصاد، على نحو ما يذهب إليه نائب وزير الخارجية الروسية «أ. دينسوف» (دراسة منشورة في مجلة الشؤون الدولية الصادرة في موسكو، صيف عام 2010)، الذي يبلور أخطر التحديات التي يواجهها اقتصاد روسيا ورفاقها في رابطة «كومنولث الدول المستقلة».

ويتمثل في الانكشاف أمام تقلبات الأسواق العالمية، مع استضعاف الأسواق المحلية لتلك الدول، فضلا عن اعتمادها على تدفقات الاستثمارات الخارجية، وتلك أمور لا يمكن الركون إليها اذا ما كان الهدف هو تحديث الاقتصاد، وخاصة في ظل أزمة مالية واقتصادية مازالت تمسك بخناق عالمنا في الفترة الراهنة.

 

 

قيصر روسيا يعود إلى عرشه في الكريملين

 

فاز رئيس الوزراء الروسي «فلاديمير بوتين» في انتخابات الرئاسة الروسية التي أجريت في الرابع من مارس الجاري بولاية رئاسية جديدة، يتولى فيها المنصب رقم واحد في الكرملين الروسي، وعلى مدار ست سنوات، حسبما يقضي بذلك آخر تعديل لدستور بلاده، واسترعى الرئيس المنتخب أنظار المراقبين حين تكلم عن احتمالات تجديد ولايته مع حلول عام 2018.

وساعتها يكون قد أمضى 20 عاماً كما قال، في سدة المناصب الأولى في الاتحاد الروسي، خاصة وقد تولى هذه المناصب عام 2000 بعد حقبة الرئيس الراحل بوريس يلتسين التي شهدت أضرارا بالغة لحقت باقتصاد البلاد وسمعتها وثرواتها ومكانتها الدولية، وانهار فيها الاقتصاد الروسي لأدنى درجة، ووصلت نسبة الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر لأكثر من أربعين في المئة.

كما سيطرت مجموعة من كبار زعماء عصابات المافيا مع بعض رجال الأعمال والبنوك على ثروات البلاد، وكذلك على دائرة صنع القرار السياسي داخل الكريملين، وغابت تماما روسيا على الساحة الدولية ولم يعد لها ولا جزء بسيط من مكانتها التي كانت في العهد السوفييتي، رغم احتفاظها بمقعد مجلس الأمن الدولي، وأيضا بقوتها النووية العملاقة التي تضاهي القوة الأميركية، وهذا فقط ما كان يسمح لها بالجلوس مع الكبار.

في هذا المناخ وهذه الظروف ظهر فلاديمير بوتين كمرشح للرئاسة من قبل الرئيس يلتسين نفسه، ورغم أن أحدا لم يكن يعرفه آنذاك، إلا أنه لم يحدث عليه اعتراضات، وذلك باعتبار أنه لن يكون في الإمكان أسوأ مما كان، فالأحوال كانت شبه منهارة في كافة المجالات، وتولى بوتين الرئاسة لدورتين متتاليتين لمدة ثماني سنوات استطاع فيهما أن يحقق إنجازات أشبه بالمعجزات.

وهذا ما اعترف به الغرب نفسه، حيث منحته مجلة «تايم» الأميركية شخصية العام 2007، ووصفت ما حققه في روسيا من إنجازات بالمعجزات، ولأن الدستور لا يسمح له بفترة رئاسة ثالثة، ورغم إلحاح الجميع على بقائه، وموافقة الأغلبية البرلمانية على تعديل الدستور لمنحه فترة ولاية ثالثة، أو حتى عمل استثناء خاص له، إلا أن بوتين نفسه رفض أي تعديل على الدستور.

وترك الرئاسة لمرشحه ورفيقه ديمتري ميدفيديف الذي حقق فوزا كاسحا في الانتخابات بفضل تأييد بوتين له، والآن يعود بوتين للترشح للرئاسة لدورة ثالثة بعد تنازل مدفيديف له في مشهد أشبه بالتمثيلية المتفق عليها مسبقا.

وفي ذروة حملته الرئاسية حرص بوتين على التواصل مع رؤساء تحرير كبريات الصحف في الغرب وفي اليابان (مع ملاحظة استثناء الصحف الأميركية) حيث ألمح إلى الخلاف مع أميركا بشأن منظومة الدفاع الصاروخي التي تراها موسكو تهديدا لأمنها، خاصة لدى نصبْها قرب حدودها (في بولندا على سبيل المثال)، وإن حرص بوتين أيضا على عدم دمغ أميركا بالعدوان، بل ألمح إلى أهمية الحوار أو التوافق بين واشنطن وموسكو.

وفي نفس السياق، أشارت دوائر إعلامية أميركية إلى مَن وصفتهم بأنهم دوائر الأصدقاء الحميمين المقربين من بوتين، ومنهم مجموعة من كبار رجال الأعمال وخاصة في ميدان النفط والغاز الطبيعي، ممن يمكن وصف كل منهم بالملياردير أو «التايكون»، وإن كانت الدوائر الروسية قد ردّت بأنه لا تربطهم سوى صلات عارضة مع الرئيس الروسي المنتخب الذي مازال حريصا على أن يبتعد بأسرته الصغيرة المؤلفة من زوجة وابنتين في سن الشباب عن أدوار السيدة الأولى أو موقع العائلة الروسية رقم واحد، ويكفيه نوعية التحديات التي باتت مطروحة في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تحديات التنمية والاقتصاد.