لقد جاء شعار الانفتاح متزامنا، مع أو معبرا عن، الأنباء التي "بَشرت" الهنود بأن السوق الهندية فتحت أبوابها أخيراً لاثنتين من المؤسسات الأميركية إحداهما تملك سلسلة عالمية من مشارب القهوة والثانية تتعامل في الكتب نشرا وتجارة وتوزيعا من خلال استخدام شبكة الانترنت العولمية بالدرجة الأولى.

درة التاج

هكذا بات المهتمون الهنود بقضايا الشأن العام يرصدون إرهاصات هذه التحولات التي يرونها جزءا من "أمركة" بلادهم التي طالما ظلت تعتز بتراثها الوطني الأصيل بل وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين، حيث قطفت تلك الأصقاع الآسيوية القريبة من أوطاننا العربية ثمار التمازج والتفاعل بين التراث الهندوسي والتعاليم البوذية جنبا إلى جنب مع ميراث مزدهر جسدته الممالك والامبراطوريات المسلمة التي دفعت حضارة الهند أشواطا ثمينة ومجيدة إلى الأمام هذا فضلاً عما أفادته الهند خلال حقبة السيطرة الامبريالية التي مازال يصدق عليها مصطلح "الراج" .

حيث سيطر النفوذ الاستعماري البريطاني، وظلت الهند تُعرف باسم "درة التاج" الذي كان يقبع صاحبه، أو صاحبته الملك أو الملكة في قصر بكنغهام في العاصمة لندن.. وخلال تلك المرحلة الأخيرة وعلى مدار أكثر من قرنين من الزمان الحديث، ما بين القرن الثامن عشر والى قرب منتصف القرن العشرين وفي سنة 1947.

بالذات عاشت الهند حقبة تعاني فيها من السيطرة الخارجية، فيما أفادت منها في الوقت نفسه وهو ما يتمثل بالذات في اقتباسها من التراث الديمقراطي للمستعمر الإنجليزي، وهو تراث تمتد جذوره في تربة الزمن الماضي.. ربما إلى وثيقة العهد الأعظم "الماغنا كارتا" في 15 يونيو عام 1215) بوصفها الصك المحوري الذي كان بشيرا بتفعيل الممارسة الديمقراطية بصورة أو بأخرى.

 

الديمقراطية والاشتراكية

كل هذا التراث النفيس حافظت عليه الهند وتجلت آلاؤه في مجال الممارسة الديمقراطية بالذات ولاسيما قبيل الاستقلال على يد زعيمها الروحي الأكبر المهاتما غاندي، ثم اكتسب زخمه السياسي القوي في ظل تلميذه النجيب جواهر لال نهرو (1889 - 1964) الذي قامت أركان مرحلته على دعامتين حملت الأولى اسم الديمقراطية وحملت الثانية صفة الاشتراكية.

هذه الحقبة تصفها سطور بقلم أكاش كابور ونشرتها جريدة نيويورك تايمز (عدد 9/3/2012). وتوضح السطور كيف ظل القطبان الأميركي والهندي، على امتداد السنوات الأربعين الفاصلة بين إعلان الاستقلال مع فاتح الخمسينات وبين وفود المتغيرات على الساحة الهندية مع فاتح التسعينات في حال من التناقض أو التباعد لدرجة لم تكن تخفى على دارسي العلوم السياسية أو محللي الشأن العالمي الذي ساد تلك الحقبة التي استغرقت سنوات تلك العقود الأربعة من منتصف القرن العشرين.

 

تحولات التسعينات

تمضي السطور الهندية المذكورة كي تؤكد عنصر التنافس، بل الخصومة أحيانا بين القطب الأميركي ونظيره الهندي. وكانت تلك بالذات حقبة الحرب الباردة حيث انحاز الجانب الهندي على نحو أو آخر إلى القطب السوفييتي، وحيث اتسعت هوة التباين، إلى حد التناقض أحيانا بين ما تصفه كلمات أكاش كابور بأنه "الانطلاقة الرأسمالية الأميركية" وبين التقشف الاشتراكي الهندي.. ولدرجة أن كان كل من هذين القطبين يعيشان حالة من التضاد من النواحي الثقافية والاجتماعية والعملية في آن معاً.

بيد أن هذا كله بدأ في التغير مع مطالع عقد التسعينات، وبالذات بعد أن اختارت الهند سياسة تحرير اقتصادها مما أفسح المجال أمام تحولات طرأت على تصميم أماكن المعيشة وفي أسلوب الاستهلاك.. إلى حدود كمالية أحياناً.. فضلاً عن نشوء شرائح طبقية جديدة استطاع بعضها رفع مستوى الحياة في ربوع الهند، يستوي في ذلك الحواضر والأرياف على السواء.

 

المؤرخ الهندي

أين هذه المستجدات مما سبق وطرحه د.ك ناريان، الذي يعدونه مؤرخ الحوليات الهندية المعاصرة حين كتب منذ نصف قرن فقط عن رحلاته إلى أميركا سطورا يقول فيها:

- بين أميركا والهند اختلافات عميقة من حيث التوجهات السائدة والفلسفة المتبعة، فالفلسفة الهندية تؤكد على عناصر التقشف والتزهد وعلى البساطة وتجنب التعقيد في حياة الناس اليومية.. في حين تُشدد أميركا على عناصر اقتناء الماديات وعلى ذلك السعي الذي لا يهدأ ولا يكلّ إلى تحقيق الثراء وصولاً إلى الرخاء.

لكن هذا كله أصبح في الطريق إلى التغيير، وبصورة مشهودة.. وجذرية في بعض الأحيان.

هكذا تقول ملاحظات أكاش كابور التي ألمحنا إليها.. وهو تغيير يستحق أن يتدبر أموره الأقطار والشعوب التي تتشابه ظروفها مع ظروف الهند ومنها كما نتصور شعوب أمتنا العربية، وشعوب العالم الثالث، النامي بشكل عام.

 

 

النهضة الهندية

وربما أفضت هذه الروح المستجدة على النسق القومي في الهند إلى تغيرات جذرية بحق جاء أهمها على شكل تحّول من سلوكيات التباعد والانعزال في الهند تحت شعارات التزهد عن التعاطي والتفاعل مع الحياة وقضاياها ومشاكلها وتعقيداتها، إلى نمط سلوكي أكثر تعاطيا مع الحياة بل هو أعمق اشتباكا مع قضاياها.. بحكم كونه أكثر حرصا وأشد حدبا على تحقيق ما قد تصبو إليه نفوس البشر أجيال الشباب بالذات من آمال وطموحات.

من هنا جاءت أحدث استطلاعات الرأي العام على المستوى العالمي لتفيد بأن أفراد الشعب الهندي أصبحوا من بين أكثر البشر تفاؤلا واحتفالا بالمستقبل.. هذا فيما باتت المكتبات الهندية تحوي كتبا تحمل عناوين لها بالطبع دلالاتها إذ تقول: الهند في طريقها إلى الوصول.

أو تقول: النهضة (الرينسانس) الهندية.

 

العمل والإبداع

وفيما تذهب بعض الاستطلاعات إلى تحفظ يساور أفراد الشعب الهندي إزاء الإغراق الأميركي في أمر الجوانب المادية، إلا أن مؤسسة "بيو" نشرت مؤخرا نتائج بحوث قامت بها لرصد اتجاهات الرأي العام وأفادت البحوث بأن من عوامل احتفال قطاعات الشعب الهندي بظاهرة "الأمركة" التي عرضنا لها ما يتمثل في تقدير الهنود لجوانب إيجابية ارتبطت أيضا بالأمركة وفي مقدمتها جانبان يتمثل أولهما في عنصر العمل الجاد.. الشاق (وهو إتقان العمل الذي يحبه الله سبحانه من عباده على نحو ما يقضي به تراث الإسلام المضيء).

والجانب الثاني هو عنصر التفكير الإبداعي الابتكاري الذي يؤرقه كما قد نقول هاجس يرمي إلى تجديد الحياة وبما يصّب لمصلحة البشرية وحضارتها في التحليل الأخير.

 

احتفال بالأمركة

الهند إذاً في طريقها للاحتفال بحكاية الأمركة. لكنه ليس احتفالاً في المطلق.. بل تشوبه وتحذر منه اعتبارات تحفظية بالغة الخطر وشديدة الخطورة في وقت واحد.

من مظاهر هذه السلبيات ما يتمثل كما تقول المصادر الهندية في أن قرى الريف الهندية قد بدأت تشهد معمارا أكثر تقدما وبالطبع أيسر راحة عما شهده ماضي الأكواخ الساذجة السابقة لكن القرى بدأت في الوقت نفسه تدفع ثمن هذا الرخاء غالياً ومتمثلاً في الحقول التي هجرها الفلاحون وفي المزارع التي تشققت تربتها من فرط الإهمال إلى درجة البوار .

وهو ما يهدد موضوعيا بتردي الانتاجية الزراعية من جهة وبوقوع أزمات بيئية من جهة أخرى.. وعلى المستوى الاجتماعي والسلوكي بدأت الهند الجديدة تشهد تصدعا في الهياكل الاجتماعية بفعل النزعة المادية المستجدة حيث تهاوت المجالس العرفية المعروفة باسم "باتشايات".

وتدهورت قيمة أعراف القرية ما بين احترام كبار السن أو شبكة التعاون والتآزر ضمن نطاق الأسرة الكبيرة الممتدة.. مما ترك فراغا يعترف به المحللون وإن كانوا يضعون أيديهم على قلوبهم تحسبا من توقع داهم ينذر بوجود فراغ اجتماعي مخيف ويمكن أن تملأه عناصر الخروج على القانون مع وتفشي آفة العنف غير المشروع على شكل جرائم العدوان على الأفراد والممتلكات..

 

خطر الوعد الأميركي

هي إذاً صورة الهند الجديدة.. التي تجمع كما أوضحنا بين عنصري العولمة والأمركة بكل ما ينطوي عليه العنصران من إيجابيات لا تخفى ومن سلبيات منذرة بالخطر. تلك هي الصورة التي يصورها الكتاب الوشيك الصدور بقلم أكاش كابور وقد اتخذ الكتاب العنوان التالي: الهند تتحول: صورة الحياة في الهند الحديثة.

والحاصل أن الاختلاف الفاصل بوضوح بين الجانبين أصبح واضحا للعيان.. ويزيد من خطورته أنه أقرب إلى القدر المحتوم.. فلا أحد يرضى من ناحية ببقاء الأكواخ البسيطة والحياة الساذجة والمرافق المتخلفة سواء في الهند أو في العالم الثالث بشكل عام..

ولكن من الذي ترضيه أيضا أن تتحول تلك الأصقاع النامية إلى حيث تتهاوى على أديمها المؤسسات الأصيلة التي كانت تجسد روح التكافل والتآزر الاجتماعي وتكرس قيمة الانتماء العائلي.. فإذا بها تترك فراغا اجتماعيا هائلا..

فيما تنفذ إلى تلافيف هذا الفراغ أشباح العنف والطمع والأثرة والعدوان، حيث لا تصلح وعود العولمة ولا مغريات الأمركة أو على حد قول أكاش كابور: صحيح أن الوعد الأميركي بالتجديد والابتكار له مغرياته الجاذبة إلى حد الفتنة.. ولكنني تعلمت منذ عودتي من أميركا إلى موطني في الهند كيف أن هذا الوعد الآسر يمكن أن ينطوي على خطر داهم وجسيم.

 

الأمة الهندية على مفترق طرق جديد

 

 

تياران يتجاذبان الهند بقدر ما يؤثران بعمق وتواتر على سائر أقطار العالم الثالث بشكل عام، أولهما تيار "العولمة" الذي بات عارما وسائدا إلى حد يقرب من الهيمنة، وخاصة في ضوء ما تحقق في العقود القليلة الأخيرة من منجزات في عالم الحاسوب الالكتروني الذي تحولت معه الحياة في العالم المتقدم من المستوى الورقي إلى المستوى الرقمي (الديجيتال) بكل ما ينطوي عليه ذلك من وعود التقدم في ميادين شتى من الحياة المعاصرة.

وهناك أيضا تيار "الأمْركة" بمعنى محاكاة ما استطاعت أميركا أن تنجزه، سواء في العالم المادي من مخترعات أدت إلى تجديد وربما تثوير حياة البشر المعاصرين، أو ما أصبحت ترمز إليه أميركا من قيم الابتكار والحض على إتقان العمل والتطلع المستمر إلى تطوير أساليب الحياة. وفي ضوء هذا كله أصبحت الهند بكل تراثها القومي والروحي الممتد طويلاً عبر الزمن..

عرضة للتأثير من جانب هذين القطبين، حيث يرصد محللو الشأن الهندي كيف أن الهند بدأت تسودها نزعات التأثر بالأمركة سواء في جانبها الإيجابي الذي يحض على الانطلاقة في العمل وعلى الانفتاح الرأسمالي بعيدا عن التراث السياسي الذي ظل اشتراكيا منذ مراحل الاستقلال الهندي المبكرة.. ولكن هناك من راصدي هذه الظاهرة من بات يحذر من عواقب تيار الأمركة العارم الذي ظهرت مشاكله وتناقضاته في أرياف الهند بالذات..

ما بين تحولات الرفاهية إلى سلبيات تصدّع الهياكل الاجتماعية الأسرية والعُرفية وهو ما ترك فراغا يخشى من أن تملأه تيارات العنف والعدوان والجريمة، خاصة مع تزايد أعداد عشرات الملايين وربما المئات من الفقراء في مختلف أنحاء وولايات شبه القارة الهندية.

وهو الأمر الذي كان يمكن التعامل معه إلى حد كبير في ظل السياسات السائدة في الهند منذ منتصف القرن الماضي، وذلك بفضل تدخل الدولة الكبير في إدارة الاقتصاد وتوجيهه لخدمة كافة فئات المجتمع، أما الآن، مع الانفتاح الكبير على الرأسمالية في صورتها الأميركية تصبح الأمور غير مضمونة العواقب.

مزيج من الحماس والتوقع يخالطه قدر لا يخفى من شعور القلق والترقب.. تلك هي التركيبة التي ما برحت تساور عقل ووجدان المراقبين والمحللين السياسيين في الهند إزاء ما يرصدونه في الوقت الحالي من ظاهرة مستجدة بصورة أو بأخرى على ساحة الهند.

صحيح أن الهند على نحو ما سبق إلى تعريفه كبار الاقتصاديين وبخاصة البروفيسور جيوفري ساكس خبير البنك الدولي) - أصبحت بفضل تقدمها العلمي وتطورها التكنولوجي عضوا أصيلا في مجموعة "بريكس" الشهيرة من الاقتصادات الناهضة أو القوى الصاعدة (التي تضم كذلك كلاً من البرازيل وروسيا إلى جانب كل من الصين وجنوب أفريقيا).

وصحيح أن هذه الأشواط من التقدم التي قطعها أصدقاؤنا الهنود جاءت مجسدة بالذات في حقيقة أن الهند أصبحت تتنافس على المركز الأول أو المركز الثاني مباشرة من حيث تصنيع ومن ثم تصدير منتوجات بل هي إبداعات البرامجيات الحاسوبية (سوفت وير) وهو ما لايزال يتجلى في مساهمات وادي "بنغالور" للتفوق التكنولوجي الذي أصبح يضاهي وأحيانا يفوق وادي "السيلكون" الشهير في كاليفورنيا غربي الولايات المتحدة.. إلا أن الظاهرة التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور جاءت لتحّول الاهتمام من مستوى "عولمة الهند" بمعنى مشاركتها المقتدرة في التحول الكوكبي من العصر الورقي، إلى العصر الحاسوبي، وصولاً إلى العصر الرقمي (الديجيتال).

وهو ما لا يزال يطالعنا به هذا القرن الواحد والعشرون، وبحيث جاءت الظاهرة المستجدة لتتجاوز حكاية "العولمة" إلى حكاية "الأمرْكة" أو على نحو ما ذهبت إليه مؤخرا ميديا الإعلام في شبه الجزيرة الهندية حين رفعت شعارا ظاهره الاحتفال وباطنه فيما نتصور التوجس أو التحذير. والشعار يقول ببساطة ما يلي: ها هي الهند وقد تعرضت لآخر تأثيرات العولمة.