لأن الماضي أصبح منقضيا ولا سبيل إلى إرجاعه، ولأن الحاضر أصبح حافلا بآلام الأفراد ومشاكل المجتمعات، فلا بأس في مثل هذه الظروف الراهنة، وعلى متن هذه السطور من نظرة نحاول أن نلقيها على آفاق المستقبل مستندين في ذلك إلى بحث مهم ومستفيض نشرته في واحد من أحدث أعدادها مجلة "المستقبلي" (ذي فيوتشرست) الصادرة عن الجمعية العالمية لمستقبل العالم التي تتخذ مقرها في ولاية ميريلاند الأميركية.

 

تشكيل الحياة

الدراسة الاستشرافية المذكورة انطلقت من اعتماد حيز زمني قوامه جيل أو شبه جيل من البشر المعاصرين، وبمعنى أنها الفترة الممتدة من اللحظة الراهنة إلى مشارف منتصف هذا القرن الواحد والعشرين.

ولقد كان بديهيا أن ينطلق الباحثان صاحبا هذه الدراسة وهما "جيمس ايرفن" مدير برنامج التغيير الثوري في المركز العسكري بكاليفورنيا، وزميلته "ساندرا شوارز باه" كبيرة المحللين في المركز المذكور، من واقع ما أمكن إنجازه حتى الآن، ولصالح الإنسانية، على يد الاختراقات، بمعنى الفتوحات التي تحققت من خلال أوجه التقدم في مجال العلم والتكنولوجيا وهو ما يبشر ــ كما يقول صاحب الدراسة ــ بأن ثمة امكانيات واعدة تبشر بإعادة تشكيل الحياة على سطح كوكب الأرض.

ولقد نلاحظ، منذ شروعنا في تفحص أهم الإنجازات وأبرز الامكانات أو التوقعات التي تبشر بها تكنولوجيا المستقبل انها تلك المرتبطة بما تحقق من تقدم بارز بل ومذهل أحيانا في مجال استخدامات وتطبيقات تكنولوجيا الحواسيب الالكترونية وتكنولوجيا كائنات الروبوت ذات الذكاء الاصطناعي الذي مازال يتطور جاهدا كيما يصل إلى حيث محاكاة الذكاء البشري بصورة أو بأخرى.

 

الحاسوب الإلكتروني

والمعروف أن الحاسوب الالكتروني (الكومبيوتر) لايزال متربعا على عرش التجديدات الراهنة والابتكارات الثورية المرتقب تحقيقها ومن ثم وضعها موضع التطبيق. ولعلنا لا ننسى أن عام 1959 هو الذي شهد إشارة البدء التي كتبت في سياقها شهادة ميلاد أول حاسوب ــ كومبيوتر ــ في تاريخ زماننا. وها هي الدراسة التي نحن بصددها تؤكد لنا أن قدرات الحاسوب الالكتروني زادت خلال المدة الفاصلة بين مولده في العام المذكور وبين عام 2012 الحالي بمعدل يبلغ عشرة أضعاف وبحيث يمكننا أن نتوقع زيادة مطردة بمقدار عشرة أضعاف أخرى مما يرفع القدرات بمعدل 100 ضعف بالتمام والكمال خلال السنوات الثلاثين ــ الأربعين المقبلة.

 

الأصغر والأقوى

وفي نطاق هذه المضاعفات تبدأ أولى توقعات دراسة "ذي فيوتشرست" بتصور الانتشار الواسع لاستخدامات الحاسوب ليغطي كل مجالات حياتنا اليومية مع انخفاض أسعار وتكاليف الأجهزة والرقائق ومعدات الضبط والتحويل ومجسّات الاستشعار، التي تتمثل مهمتها كما تقول الدراسة أيضا فيما يلي: -  استشعار وجودنا كبشر، وتوقع الرغبات التي تساورنا وقراءة الانفعالات التي تجيش في صدورنا. والمعنى من هذا كله هو أن المستقبل القريب كفيل بأن يشهد التصغير المستمر في حجم الأجهزة الحاسوبية جنبا إلى جنب مع التعظيم المستمر أيضا في كفاءة أدائها..

مقرونا كذلك بالتيسير المستمر في الوقت نفسه من حيث بساطة استخدامها وسهولة التعامل معها ولصالح جماهير "الأميين" الكترونيا أو حاسوبيا، وهُم بعشرات ــ مئات الملايين في طول العالم وعرضه.. والمهم أن هذه الأجهزة الأصغر والأكفأ والأبسط والأرخص ستكون متصفة بقدر "الكتروني" مرموق، بل مبهر أحيانا من الذكاء، بحيث تقبل التواصل فيما بينها عن طريق عمليات التشبيك في نطاق منظومة الكترونية مترابطة ومتصفة بكفاءة الأداء.

 

المنفعة والجدوى

هنا قد نطرح السؤال:

- كيف سيعود ذلك نفعا وجدوى بالنسبة للبشر؟

وهنا أيضا تجيب الدراسة حيث تطرح التصوّر التالي:

- سيتم ذلك عن طريق التفاعل اللغوي بين الحاسوب وبين البشر. وليس ذلك ببعيد على الإطلاق، فالبحوث الفكرية والتطبيقية الجارية حاليا في أميركا (وادي السيليكون) وفي الهند (منطقة بنغالور) وفي غيرهما تفيد بل تعِد بأنه في غضون 20 سنة وربما أقل، سيكون علماء البرامجيات (سوفت وير) قد توصلوا إلى طرح أجهزة حواسيب الكترونية قادرة على التفاعل والتواصل مع لغة البشر وفهْم الكلمات والعبارات الصادرة عن هؤلاء البشر نطقا وكتابة، فضلا عما تدل عليه تلك العبارات والكلمات من معان ودلالات، ومن ثم ــ تضيف الدراسة المنشورة بالحرف ــ يكون الجهاز الحاسوبي قادرا على أن يتكلم ويصغي ويقرأ بصوت مرتفع وبنبرة يحاكي فيها صوت الإنسان (الطبيعي).

ومن هذه الاستخدامات الحاسوبية المتوقعة أو المرتقبة ما سوف يتيح استرجاع المعلومات باستخدام اللغة الطبيعية بل وبترجمة المعلومات المسترجعة من لغاتها الأجنبية سواء بصورة صوتية أو في شكل مدوّن مطبوع.

 

ثورة الثقافة

وعندنا أن مثل هذا الإنجاز الثوري بكل معنى لن تقتصر آثاره على مجرد إضفاء تيسيرات على تطبيقات التكنولوجيا المعاصرة أو على استخدامات أجهزة الحواسيب اللامعة الذكاء:

نحن نتصور أن الحاسوب الذي يحاكي لغة البشر ويتواصل لغويا ولحظيا مع الكائن البشري كفيل بأن يحقق ما "نصفه" بأنه ثورة تتحول بها مجتمعاتنا من مستوى الثقافة المكتوبة.. (في المخطوطات والمطبوعات) إلى مستوى جديد يقوم بصورة أو بأخرى على التفاعلات الشفاهية المنطوقة بين الإنسان والحاسوب.

صحيح أن مثل هذا التطور الخطير، في رأينا، يمكن أن يأتي وكأنه عودة نكوصية إلى العصر السحيق في تاريخ الحضارة الإنسانية. وهو العصر الشفوي أو عصر ما قبل اكتشاف الحرف المسجل والنص المكتوب ــ إلا أن الدراسة الأميركية التي نحن بصددها في هذه السطور تضيف، من باب التوضيح أو الاحتراز، أن هذا التطور لن يمثل ما نخشاه من تراجع في مسيرة الحضارة، ولكنه جدير بأن يشكل إضافة لها قيمتها الملحوظة، لأنه سوف يدخل عنصر التلقائية ــ الأتمتة كما قد نسميها (Automation) كي يكون سائدا وفاعلا في حياتنا اليومية وحيث يصبح عدد كبير من أنشطتنا المعتادة منفذا بشكل أوتوماتيكي ــ تلقائي ومن هنا لا يحتاج إلى معاودة أو تأكيد أو تكرار..

ومن ذلك مثلا ما قد نستخدم فيه الصوت البشري لإصدار الأوامر أو تسجيل طلبات أو السؤال عن الاتجاهات أو إصدار تعليمات شفوية يصار إلى تنفيذها فورا وتلقائيا بواسطة الأجهزة الالكترونية وكائنات الذكاء الاصطناعي ولاسيما في مجال أداء المهام المعقدة والواجبات المركبة الصعبة التنفيذ.. وبديهي أيضا أن ينسحب هذا التطور النوعي في حياة أهل العقود القليلة المقبلة على نظم التعليم والخدمات التي تتوقع هذه الدراسة الأميركية أن تصبح أكثر اتساما بالطابع الاوتوماتيكي.

 

الصوت والصورة

هنا أيضا تتحول الدراسة من مستوى التفاعل باللفظ واللغة والكلمة المنطوقة صوتيا إلى مستوى آخر هو التفاعل بالشكل والزوايا والظلال والصورة. - أنت هنا أمام كائنات حاسوبية تتميز بما نسميه رؤية الماكينة ومن المتوقع أن لا يطول انتظارها بل ستكون متاحة ــ كما يؤكد الخبراء ــ في فترة ما بين 5 سنوات إلى 15 سنة لا أكثر وحيث تصبح هذه الأجهزة خلال هذه المدة وما بعدها أكثر رقيا وكفاءة بمرور الوقت. لن يقتصر أمرها على مجرد رؤية هذا السيد المحترم أو مطالعة هيئة تلك السيدة وقورة ومسنّة كانت أو شابة حسناء. م أجهزة الرؤية الالكترونية سوف تكون قادرة على أن تتجاوز حدود القدرة الموهوبة لعيون البشر.. سوف تنفذ إلى ما وراء حجب الرؤية حيث تتعرف على الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية وتمارس الرؤية المتعددة المنظورات.

 وبديهي أن مثل هذه الامكانات يمكن أن تكون من الفائدة بمكان، لا في داخل البيوت التي لا تحتاج إليها ولكن في المواقع الحيوية ولاداء المهام الجوهرية المطلوب أن تؤديها هذه الأجيال السوبر ــ متطورة من كائنات الروبوت، القادرة بفضل رؤيتها النافذة على التعرف على الأشياء وإدراك الأغراض التي تستعصي رؤيتها على العين البشرية. ومن ثم فهذه الكائنات قادرة على تصنيف وفرز تلك الأشياء والموجودات والتعامل معها والاستجابة إزاء ما قد يطرأ عليها من متغيرات.

 

التكنولوجيا والطب

وفيما تتعمق الدراسة الأميركية المنشورة بمجلة "المستقبلي" في دنيا أجهزة الحواسيب وكائنات الروبوت المصطنعة الذكاء.. فهي لا تغفل من تطورات المستقبل جوانب العلاج والدواء بحكم أهميتها الحيوية للبشر في مختلف أنحاء العالم.

إن الدراسة تتطرق مثلا إلى قضية الأمراض الوراثية التي لا يخلو منها بلد أو مجتمع في عالمنا.. تقول إن الطب يعرف الآن نحو أربعة آلاف مرض وراثي ناجم عن اضطرابات في الجينات وكثيراً من تلك الأمراض مازال مستعصيا على المداواة والعلاج. وهي تمضي في سياقها المستقبلي لتقول أن المعارف الجديدة ــ العلمية والطبية المتوافرة مؤخرا بشأن الهيكل الجيني عند البشر بفضل أوجه التقدم التي أحرزها الاختصاصيون في دنيا البيوتكنولوجيا أمكن بفضلها تشخيص عدد من المشاكل الوراثية (الثانوية كما يسمونها) وهي تلك التي لم يكن ممكنا من قبل التعرف على وجودها وقد أصابت الكثيرين من أفراد القوى الإنتاجية العاملة في مجتمعات شتى ومن ثم تؤدي معالجتها بعدما أمكن التعرف عليها ــ إلى تطورات كبيرة في أداء تلك القوى العاملة ــ وزيادة إنتاجيتها.

 

جدل التقدم

والحق أن وجود هذه الأعداد المتكاثفة من هؤلاء "المتقاعدين" إنما تجسد جانبا ما يمكن من جانبنا أن نطلق عليه الوصف التالي: جدل التقدم.

بمعنى أن لكل شيء ثمنا مدفوعا ــ ولكل ظاهرة إيجابية وجها آخر يتسم بالسلبية.. وهذا جانب لم يكن ليغفله النهج الموضوعي الذي حرصِْت على اتباعه الدراسة التي نرجع إليها. وعليه، فهي تعرض لهذه الجوانب السلبية الناجمة عن تكنولوجيات المستقبل التي أشبعناها ــ كما ترى ــ إشادة وتقريظا، سواء في سطورنا التي سلفت أو في متن الدراسة التي توفر عليها الباحثان "جيمس إيرفن" وزميلته "ساندرا شوارزابا" وقد اختارا لهذا الجانب العنوان التالي: آثار التكنولوجيات الناشئة على المجتمع.

في هذا الإطار لابد من الاعتراف بأن دخول كائنات الروبوت ذات الذكاء الحاد وبشكل مبهر ومعها أحدث الأجيال المتطورة من صنف الحاسوب الالكتروني، إلى ساحة العمل والإنتاج أمر يكفل إيجابا زيادة الإنتاجية ورفع مستوى جودة الإنتاج وخاصة بفضل هذه الكائنات ذات الكفاءة العالية وهي لا تكلّ ولا تملّ بالطبع وبديهي أنها لن تشكو ولن تعلن الاضراب أو الاعتصام كي توقف عجلة الإنتاج في يوم من الأيام ــ فإ ذا بها تحل محل العاملين البشر الذين بلغوا سن التقاعد وهم يتزايدون حاليا وخاصة في عدد كبير من البلدان المتقدمة (من ألمانيا إلى اليابان).

 

الوجه السلبي

لكن الوجه السلبي لنفس الظاهرة الإيجابية وهو ما وصفناه بأنه "جدل التقدم" إنما يتمثل في أن أجيال الروبوت إياها كفيلة في تقدير دراسات عديدة بأن تحل محل ما قد يصل إلى نصف، نعم نصف، العمل البشري في بعض قطاعات الصناعة والخدمات.. بل يمكن أيضا أن يستأثر "جناب" الروبوت ــ الذكي كي لا ننسى ــ بجميع خطوط العمل في قطاع الزراعة على مستوى العالم لدرجة أن يحل محل العاملين في هذا القطاع وأغلبهم من أفقر الشرائح الاجتماعية ولاسيما في أقطار العالم الثالث.. وبالتالي فالبشر مهددون في أعمالهم ومن ثم في أرزاقهم لصالح الآلات الذكية التي يتواصل تطويرها.

ليس هذا وحسب، فها هي الدراسة الأميركية تختم مبحثها بسطور تقول فيها:

- والأدهى والأمّر في هذا المضمار يتمثل في أن هذه الإزاحة المتوقعة للعمل البشري ولصالح الآلات الذكية، جديرة بأن تتم بوتيرة أسرع ما نتصور: يعني في غضون فترة قوامها سبع سنوات قد تقل وقد تزيد.

 

 

 

إضاءة

 

الاستخدام التطبيقي

 

على صعيد الاستخدام التطبيقي، يمكن تشغيل الحاسوب الآلي المتطور الذي يحاكي العقل البشري بقدرات فائقة، هذه الكائنات ذات القدرات الفريدة لهذه الأجهزة الحديدية، من حيث الرؤية المستقبلية والتطبيقية يمكن أن نراها في المستقبل القريب في إطار تشكيلة متنوعة وربما خطيرة من العمليات الصناعية والمختبرية، وحتى في الأماكن التي يصعب على الإنسان التواجد فيها أو الوصول إليها، وكذلك في مهام المراقبة والحراسة وفي أحدث نظم توجيه حركة المركبات وفي نظم الوقاية من أخطار الحوادث وما في حكمها، وكذلك في العمليات الجراحية الدقيقة، وحتى في المنازل، وفي رعاية الأطفال وتربيتهم وحتى في تثقيفهم.

نموذج بيوجيني ــ كيميائي للجسم البشري

 

في كل حال أصبح بالإمكان ــ كما توضح الدراسة التي ذكرناها ــ بناء نموذج بيوجيني ــ كيميائي للجسم البشري باستخدام الحاسوب الالكتروني وهو ما كفل مؤخرا تحقيق منجزات أكثر من مرموقة من حيث الكشف عن "أسرار الجسم وتعزيز الدفع نحو استحداث طرائق علمية وطبية جديدة" تتيح المواجهة الفّعالة للاضطرابات الجينية والوظيفية التي تصيب البشر، وبحيث يتسنى البتّ فيما إذا كان الجسم البشري يؤدي وظائفه على النحو المطلوب أو حتى المعقول الذي يحقق قدرا من التوازن لصالح صحة الإنسان. في كل حال..

فالفيصل في مثل هذه الدراسات والجهود المبذولة ضمن جهود العلماء وفي مختبرات وتجارب الباحثين إنما يتمثل في وضع العلم وانجازاته في خدمة المجتمع ورفاهه أو في خدمة الإنسان وسلامته وتقدمه ومن ثم في خدمة الحضارة الإنسانية.

لقد اجتازت هذه الحضارة الإنسانية أطوارا شتى بدأت بعصر الزراعة حيث كانت الطبقة المهيمنة تحمل اسم الارستقراطية وحيث كانت الطبقات الدنيا من العمال الزراعيين وتطورت الحضارة إلى عصر الصناعة الذي هيمن على هيكله الاجتماعي طبقات الصفوة الحاكمة متحالفة مع التجار والصناعيين وبعدها تجلت أهمية العاملين في مجالات الخدمات والإبداع والتخطيط الحضري في عصر ما بعد الصناعة وصولا إلى زماننا الراهن الذي حمل كما ما هو معروف لقب "عصر المعلومات" حيث تحوّل النفوذ إلى منظمي وأصحاب المشاريع إلى جانب العاملين المهرة في مجالات الصناعة والخدمات..

وارتقابا لما تطلق عليه الدراسة الأميركية الوصف التالي: عصر الروبوت ــ البيوتكنولوجيا. والدراسة تحاول توصيف هذه الحقبة المرتقبة، وقد لاحت بعض إرهاصاتها من خلال الاختراقات العلمية التي تحققت والفتوحات التقنية التي ما برحت تتحول من أروقة المختبر إلى فضاء التطبيق. هذا العصر المرتقب ــ الوشيك في بعض الجوانب ــ تتمثل طبقاته المؤثرة أو العليا في أفواج المفكرين والعلماء وفي منظمي المشاريع وفي الاختصاصيين العاملين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ــ "الآي تي" كما يسمونها ــ إضافة إلى عمال الصناعة المهرة ويليهم قرب القاع العاملون في مجال الزراعة.

التطور العلمي يتفوق على الخيال

 

ما برح العالم يحقق إنجازات مرموقة، وبعضها يأتي أقرب إلى الاختراقات العلمية أو الفتوحات التكنولوجية ولاسيما في دنيا تطوير الحواسيب الالكترونية وتحديث كائنات الذكاء الاصطناعي (الروبوت) بحيث تصبح أكثر استجابة لتلبية احتياجات البشر.. ولدرجة أن تشهد السنوات القليلة القادمة جيلا مستجدا وبالغ التطور من هذه الكائنات التي تستطيع أن تتفاعل مع الكائن البشري، سواء باستخدام كلمات وعبارات اللغة المحكية أو بترجمة هذه اللغة في حال استخدام لسان أجنبي..

هذا فضلا عن قرب التوصل إلى ما تسميه دراسة أميركية منشورة في المجلة المعنية "بالمستقبليات" بأنه رؤية الماكينات التي تتمتع بقدرات تفوق بداهة امكانات العين البشرية، وبهذا تستطيع تلك الكائنات الالكترونية الذكية أن تتعرف فورا على الأشعة تحت الحمراء أو على الأشعة فوق البنفسجية وما في حكمها. ومن المقرر أن تشهد السنوات القليلة القادمة إنجازات أخرى في مجالات الطب، وخاصة ما يتصل باكتشاف وتشخيص وعلاج الأمراض الوراثية التي يقارب عددها 4000 مرض وراثي في أنحاء العالم، وهو ما يؤدي في رأي "الدراسة الأميركية المستقبلية" إلى معالجة أعداد غفيرة من أفراد القوى العاملة.

وبالتالي إلى زيادة الإنتاجية. ولأن لكل ظاهرة جوانبها الايجابية والسلبية. فإن ما يمكن وصفه بأنه "جدل التقدم" يتمثل في أن هذه التطورات الخارقة في مضمار تكنولوجيا الحواسيب والروبوتات جديرة خلال فترة قصيرة نسبيا من الزمن أن تدفع بأعداد كبيرة من هذه الكائنات إلى الحلول محل أعداد ضخمة من البشر العاملين في طول العالم وعرضه مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج من جهة فيما إلى قطع أرزاق الملايين من البشر من جهة أخرى، هكذا دائما العلوم والتكنولوجيا والاختراعات تعطي الإنسان الكثير وتأخذ منه أيضا الكثير، لكن التطور العلمي مستمر بلا توقف، وبمرور الزمن تزداد وتيرة سرعته بدرجة أكبر، فقد كان البشر حتى نهاية القرن التاسع عشر ينتظرون سنوات طويلة حتى يخرج عليهم العلماء والمخترعين باكتشاف جديد، ولنا أن نعلم أن الزراعة كمجال رئيسي في حياة البشر.

هذا المجال الذي بدأت معه البشرية أولى خطواتها في التاريخ القديم بحثا عن الغذاء والاستقرار في المكان وتكوين المجتمعات، هذا المجال الحيوى الهام لم يشهد تطورا في أدواته وآلاته الزراعية حتى مطلع القرن العشرين، بل ظل على نفس الأدوات والآلات التي كان يستخدمها الإنسان الأول في العصر القديم، وفجأة مع بدايات القرن الماضي بدأت تطور الأدوات والآلات الزراعية بدرجة كبيرة، وبدأ الاعتماد على الحيوانات والمواشي يتراجع ليحل محله الآلات البخارية ثم الكهربائية، والآن أصبح الجهد البشري المبذول في الأرض الزراعية أقل منه عشرات المرات عن ذي قبل في حين زاد الإنتاج الزراعي عن ذي قبل عشرات المرات.

الآن ونحن في العقد الثاني من القرن الأول من الألفية الثالثة أصبح العالم يستيقظ كل يوم على اختراعات جديدة، وأصبح من الصعب على البشرية ملاحقة التطور السريع والهائل في العلوم والتكنولوجيا، وأصبح العالم الكبير المترامي الأطراف من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب يبدو أمام الإنسان العادي الجالس أمام الحاسوب على الشيكة العتكبوتية، وكأنه، كما يقولون، قرية صغيرة يمكن دخول كل بيت فيها والتعرف بسهولة على أهلها، حتى الثورات الشعبية التي كانت الشعوب تنفق من أجلها عقود وأجيال، باتت تدبر وتدار وتنفجر وتغير المجتمعات وتسقط عروش الأنظمة الديكتاتورية المستبدة بالحكم سنوات طويلة في لحظات معدودة، وأصبح الصراع الآن تديره القوى العقلية المتحكمة في التكنولوجيا وليس القوة المادية المسلحة بالأمن والجيوش.

العالم يتطور بتطور التكنولوجيا السريع الذي يفوق الخيال البشري.