نعود إلى أهمية الجغرافيا في حياة الدول والثقافات والشعوب.. والمعنى أن موقع انجلترا بوصفها جزيرة تطل على منافذ المحيط الأطلسي هو الذي أنتج توجهاتها نحو بناء الأساطيل البحرية.. واندفاع مواطنيها إلى ارتياد البحار والمحيطات .

ومن ثم تكوين قدرات بحرية ازدادت قوة واقتدارا فكان أن بدأت بالمشاركة في حركة الكشوف الجغرافية عبر البحار ثم وصلت ــ كما أسلفنا ــ إلى بناء الامبراطورية التي ضمت أصقاعا وأجزاء من آسيا وأفريقيا.. بل ومن أميركا الوسطى المطلة على البحر الكاريبي.

ثم كان من أقدار ألمانيا أن كانت قوة برية تحف بها اليابسة في وسط أوروبا ولا تتمتع بمنافذ بحرية أو محيطية يُعتد بها وهو ما حال بينها وبين التوجه نحو بناء الأساطيل أو العمارات البحرية، كما يقول التعبير المستخدم في كلاسيكيات التراث العربي.

 

العامل الجغرافي

في ضوء هذا كله نستطيع أن نفهم أبعاد معادلة التفاعل بين عنصري الموقع الجغرافي والموضع السياسي.. وهو ما أوصل إلى اعتماد المصطلح الذي بات معروفا للكافة وهو مصطلح «الجغرافيا السياسية» أو العامل الذي يحمل أحيانا اسم «الجيوبوليتيكي» أو اسم «الجغراسي» في أحيان أخرى.

وأيا كان خيارك في التسمية أو التوصيف فقد استرعى اهتمامنا في الفترة القريبة الماضية ما ذهبت إليه مجلة «الشئون الخارجية» (فورين بوليسي) الأميركية في أحدث أعدادها الصادرة (عدد يناير/فبراير 2012) حين نشرت قائمة حصرية شملت 8 بلدان من عالمنا واختارت لهذه اللائحة عنوانا لا سبيل إلى تجاهله بحال من الأحوال.. والعنوان يقول بالتالي:

8 من الكيانات السياسية المهدد بالخطر.

بل اختارت «الفورين بوليسي» وصفا لتلك الكيانات الثمانية استعارته من علوم البيولوجيا (الأحياء) والأيكولوجيا (البيئة) ويعني الأنواع ــ الكائنات الحية المهددة بالانقراض.

أما القائمة المذكورة فهي كلا من الدول الثماني التالية: جورجيا. تايوان. كوريا الجنوبية. بيلا روسيا (روسيا البيضاء). أوكرانيا. أفغانستان. باكستان . واسرائيل.

 

ما بعد أميركا

وذكرت المطبوعة السياسية الأميركية أنها إنما تحيل في هذا السياق إلى واحد من مخضرمي الفكر السياسي في أميركا هو البروفيسور «زبغنيو بريجنسكي» في أحدث كتاب أصدره مع مطالع العام الحالي بعنوان: «ما بعد أميركا» وهو الكتاب الذي يكاد يساير فيه مؤلفه ما سبق وذهب إليه الإعلامي الأميركي الهندي الأصل «فريد زكريا» في كتابه الصادر عام 2009 بعنوان شبه مماثل هو «عالم ما بعد أميركا».

وفيما اكتفى «زكريا» بعرض صورة العالم الذي ارتأى من جانبه أن سيشهد غروب شمس القطب الأميركي الواحد أو الأوحد في سياسة العالم المقدر له أن يشهد في رأي «زكريا» قوى صاعدة وجديدة يمكن أن تتصدرها كل من الهند والصين.

فقد ارتأى «بريجنسكي» أن يرفع عقيرة أقرب إلى التحذير أو حتى النذير من مغبة تصدع مكانة أو تراجع دور القطب الأميركي الذي يراه المفكر المذكور دورا تنظيميا أو ضابطا لإيقاع حركة العالم بمعنى الحفاظ على هيكله الراهن بعيدا عما قد يخفيه المستقبل من أخطار.

 

البقاء للأقوى

هنا يقول «بريجنسكي» بالحرف ما يلي:

- إذا ما حدث تدهور في دور الهيمنة العالمية لأميركا، فإن البلدان ذات البنية الأضعف تصبح أكثر تعرضا أو انكشافا أو استضعافا أمام إملاءات النفوذ من جانب القوى الإقليمية الكبرى.. وها هي الهند والصين في حالة صعود، وها هي روسيا حيث يزداد مع الأيام ميلها إلى عقلية السيطرة الامبريالية، وها هو الشرق الأوسط الذي يجنح باستمرار نحو زعزعة الاستقرار..

ومن هنا تتحقق امكانية اندلاع نزاعات إقليمية في غياب دور أميركا ونشاطها الفعال على الصعيد الدولي.. وعلينا من ثم أن نستعد إزاء واقع عالمي (أو كوكبي) تسود فيه قاعدة «البقاء للأقوى».

و.. هذا ما قاله «بريجنسكي» وقد كان الرجل، كما هو معروف، مسؤولا عن الأمن القومي في البيت الأبيض خلال حقبة الرئيس «كارتر» في عقد السبعينات من القرن الماضي.

 

الشرق الأوسط

٪ اب

نستطيع أن نلخص حالات التشخيص التي تطرقت إليها مجلة «السياسة الخارجية» الأميركية على النحو التالي ولكن سوف نعمد من منظور مصلحتنا العربية إلى البدء بالهمّ القومي الذي يحمل اسم اسرائيل مع الحفاظ على الطابع الثُماني للقائمة المذكورة.

(1) بالنسبة للشرق الأوسط بعامة، ولإسرائيل بشكل خاص، يتصور «بريجنسكي» أن تراجع وانحدار دور أميركا كقوة عالمية كبرى من شأنه أن يؤدي إلى ما يشبه إعصار التسونامي أو إلى ظواهر خطرة أقرب إلى الزلازل الجيوبوليتيكة في المنطقة الشرق أوسطية بشكل عام حيث تزداد احتمالات الضغوط الداخلية والاضطرابات الاجتماعية وتيارات الأصولية العقائدية والمذهبية.

. وهو ما يعوق، في تصور المفكر الأميركي، أي حل ممكن لقضية الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي وخاصة حل الدولتين المتجاورتين ناهيك بالمتعايشين وذلك عامل كفيل بدوره بازدياد أوضاع المنطقة اشتعالا وربما يدفع بالعناصر القوية في الشرق الأوسط إلى حلبة صراع خطير (يقصد بالذات اسرائيل وايران). ثم يحدد المفكر الأميركي مسار الخطر بأنه يتهدد اسرائيل في الأساس مع ما قد يواكب ذلك في رأيه من ارتفاع مد التطرف الراديكالي وما قد يصحبه من أزمات عالمية في إمدادات الطاقة.

 

جورجيا وتايوان

٪٪ (2) : .

٪٪ (3) .. .

 

* بارونات حرب نووية + تشدد إسلامي إلى حد التطرف + تيارات معادية للغرب + حكومات تعمل على التصعيد النووي + زعزعة استقرار تمتد إلى مناطق آسيا الوسطى.. وهو ما يفضي إلى استشراء تيارات العنف كي تصل إلى حدود مجاورة أقطار كبرى على رأسها كل من الصين والهند وروسيا.

 

 

عالم ما قبل وما بعد أميركا

 

 

منذ زوال المنافس السوفييتي في أوائل تسعينات القرن الماضي، نعمت الولايات المتحدة، بدور الدولة الأكبر والأعظم، ومن ثم بمكانة القطب العالمي الوحيد الذي يكفل ــ كما يتصور قادته ــ حالة من الاستقرار في العالم. ولكن مع ظهور أطراف جديدة في سنوات العقد الأول من القرن الجديد، فضلا عن ظاهرة التراجع الاقتصادي لأميركا فقد بدأت هذه المكانة في الانحسار لدرجة أن دفعت عددا من محللي الشأن الأميركي إلى الحديث عن «عالم ما بعد أميركا (فريد زكريا) وعن «مرحلة ما بعد أميركا» على نحو ما طرحه مؤخراً البروفيسور «زبغنيو بريجنسكي» في أحدث كتبه الصادرة.

وفي ضوء هذه الطروحات.. نشرت مجلة «السياسة الخارجية» (فورين بوليسي) في أحدث أعدادها الصادرة دراسة مكثفة حول 8 دول أو كيانات سياسية معاصرة رأتها الدراسة الأميركية مهددة بأخطار جسيمة ــ شأن الكائنات أو الأنواع الحية المهددة بخطر داهم من الناحية الجيوبولوتيكية وحددت الدراسة المذكورة هذه الكيانات أو فلنقل الكائنات المهددة بالخطر في كل من الشرق الأوسط: اسرائيل + جورجيا + تايوان + كوريا الجنوبية + بيلا روسيا + أوكرانيا + أفغانستان + وأخيرا باكستان.

في كتابه بعنوان «استراتيجية الاستعمار والتحرير» طرح العلاّمة المصري ــ العربي الراحل «جمال حمدان» فكرته الشهيرة التي تقول بأن دور كل قطر من أقطار عالمنا إنما يتحدد ويتحرك.. ينمو أو يتقلص.. يزدهر أو يتراجع على أساس اثنين من العوامل المحورية التي تلخصها العبارة الموجزة التالية: الموقع والموضع.

والمعنى أن الموقع الجغرافي لأي بلد على الخارطة الجغرافية للكرة الأرضية يعد بمثابة الأساس أو المنطلق الذي يحدد موضع البلد المذكور على صعيد الساحة السياسية للعالم الذي نعيش فيه.

وربما كان أقرب مثال في هذا السياق هو ما يتعلق باثنين من الأقطار المهمة بل والمحورية في سياسات عالمنا.. والبلدان المذكوران هما انجلترا وألمانيا.

ولن نسهب في هذه السطور المحدودة في دور كل من البلدين أو في التطور التاريخي لكل منهما وخاصة بعد عصر النهضة الأوروبية ــ الرينسانس ــ وصولا إلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر.. ومن ثم إلى مطالع القرن العشرين.

يكفي أن نقول إن كلا من انجلترا وألمانيا كان له فضل النهوض بمستوى العالم من خلال ما أسهم به مواطنوهما في الثورة الصناعية التي نقلت الإنسانية من مستوى العمل اليدوي إلى مستوى استخدام الآلة والطاقة الحركية ومن ثم إلى مستوى الانتاج الجمعي الكثيف.

وفيما شهدت انجلترا ــ كما هو معروف ــ الإنجاز التاريخي في حركة النقل العالمي عندما اكتشف مواطنها «ستيفنسون» (1781-1848) قطار السكة الحديد فقد سبق لألمانيا أن أسدت خدمة جذرية وجليلة إلى الحضارة الإنسانية عندما سبق مواطنها «يوحنا غوتنبرغ» (1390-1468) إلى اكتشاف حروف الطباعة التي نقلت الفكر الإنساني من دنيا المخطوط إلى عالم الكتاب المنشور والمطبوع.

مع هذا كله.. فقد تجاوز التطور في بريطانيا نظيره في المانيا رغم ما شهده كل من هذين البلدين من مظاهر وثمار نهضة الفكر والثقافة والفلسفة والإبداع ابتداء من «شكسبير» في انجلترا وليس انتهاء «بجوتة» في ألمانيا.

تفوقت انجلترا على ألمانيا فكان أن ارتبط اسمها بذلك الكيان الامبريالي الواسع والباذخ الذي حمل اسم «الامبراطورية البريطانية» التي لم تكن تغرب الشمس عن أقاليمها فيما وراء البحار.