سياسات أميركا، وخاصة بعد زوال خصمها السوفييتي، ما زالت في حالة تشابك مع سياسات، بل ومصائر دول عالمنا بين شرقه وغربه.. ناهيك عن أن هذا التشابك إنما يمتد واقعياً إلى عالم الاقتصاد والمال.

وعالم التوازن الدولي ومن ثم سلام عالمنا وأمنه، والانشغال برصد الحالة الأميركية الحاضرة وتداعيات وتطورات التنافس الانتخابي بين الحزبين الرئيسيين على ساحة الشأن العام في الولايات المتحدة، وهما الحزب الديمقراطي (الحاكم حالياً) والحزب الجمهوري (المعارض ـ المنافس)، أمر لا يعد من قبيل الرياضة المعرفية أو الترف الفكري، بقدر ما أنه يكاد يصح نوعاً من الفرض الواجب.

 

الساحة العربية

وبالنسبة لنا في الوطن العربي بشكل خاص، فإن هذا الواجب العربي يرجع إلى أسباب جوهرية، نحاول إيجازها على النحو التالي:

إن ظاهرة تشابك الأقدار التي ألمحنا إليها، تتجلى إلى حد التداخل الشديد بأوضح ما يكون، على صعيد الساحة العربية على وجه الخصوص.. سواء بالوجود الأميركي الذي ما برح ظاهراً ومباشراً في تجسيده العسكري في العراق، أو في العلاقات الاقتصادية ـ النفطية بالذات، التي تربط بين المصالح والشركات والكيانات الأميركية.

وبين مصالح قومية عربية في هذا المجال الحيوي، ومن ثم في دنيا النشاط الاستثماري على صعيد مناطق شتى من عالمنا، هذا فضلاً عن دور الثقافة والإعلام الأميركي الناطق بالإنجليزية، بكل ما يمارسانه من تأثيرات على الأوضاع والمؤسسات والسلوكيات والتوجهات الإعلامية والثقافية في العالم العربي.

ثم هناك العامل الفيصل الذي تتفرد به مؤسسة العلاقات العربية ـ الأميركية، وهو عامل يحمل أساساً لافتة لا تضم سوى كلمة واحدة هي: إسرائيل.

وهي كلمة مقيتة، لأنها مشحونة بمنظومة من التجارب السلبية التي تتنوع حلقاتها وتتعدد مشاهدها التراجيدية، ابتداءً من اغتصاب الأرض، إلى إنكار الحق الشرعي لأصحابها، إلى اقتراف جريمة العدوان، إلى تجسيد الخطر الماثل الداهم الذي ما برح يتهدد أمن المنطقة العربية، وفي ربوع شرقي البحر المتوسط بالذات.

فضلاً عما حدث من اختلال التوازن العسكري ومن ثم الاقتصادي والمستقبلي، لصالح مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في أرض فلسطين، وبعيداً عن صالح الملايين التي لا تزال في ضمير الغيب من أجيال العروبة والإسلام.

 

الغزل السياسي

من هنا فليس من المصادفات أن ننشغل مثلًا بما يطرحه زعماء الحزب الجمهوري في أميركا حالياً، من أفكار ودعوات تصّب كلها في صالح دعم وتعزيز هذا المشروع الإمبريالي في قلب الأرض العربية. ولا هي صدفة أيضاً أن تتوقف الأطراف العربية عند تراجعات مطردة من طرف الرئيس الحالي أوباما، الذي كان قد بدأ ولايته بتصريحات كانت واعدة حتى لا نقول متفائلة، .

وربما كانت تنطوي على قدر من موضوعية النظرة، حتى لا نقول من عدالة التعامل إزاء قضية الشعب العربي في فلسطين..

وكانت هذه الموجة الواعدة قد بلغت ذروتها في خطاب القاهرة الشهير الذي ألقاه الرئيس الأميركي، المستجد وقتها، من فوق منبر جامعة القاهرة، وكان بديهياً أن يحظى بتأييد واسع شمل مختلف القطاعات في العالم العربي وخارجه على السواء.

ولأن مياهاً كثيرة مرت حتى الآن في نهر البوتوماك الذي يشق العاصمة واشنطن، فقد حلت سنة التجديد الراهنة التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور، كي نجد أن الرئيس الأميركي قد شرع في الدق على أوتار المعزوفة المكرورة في السياسة الداخلية الحزبية في بلاده، وهي معزوفة الغزل مع إسرائيل.

حيث تبدأ أولى نغماتها بلغة التأييد وإعلان أواصر الصداقة الحميمة والتأييد البالغ، والتقارب الودود مع الجماعات والتنظيمات التي يضمها اللوبي اليهودي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.

 

منظمة إيباك

وفي مقدمة التنظيمات اليهودية الأميركية، منظمة "إيباك" التي ترفع شعار الدفاع بغير هوادة عن اليهود، وهي تجسد بالدرجة الأولى أركان "اللوبي" اليهودي، الذي يمثل أساساً أقوى جماعات الضغط لصالح إسرائيل في سياسات أميركا.

وهذه الجماعة الضاغطة، هذا "اللوبي الإسرائيلي" على نحو ما يصفه المفكران "جون ميرشماير" و"ستيفن والت" في كتابهما الخطير الصادر تحت هذا الاسم عام 2007، يتمثل خطرها في أنها تعمل في التحليل الأخير من أجل توجيه أو تجيير دفة السياسة الخارجية الأميركية كدولة عظمى ذات مسؤوليات عولمية، لا من أجل تحقيق المصالح الكوكبية للعالم.

ولا حتى من أجل تحقيق المصالح القومية العليا لشعب الولايات المتحدة على سبيل أضعف الإيمان، كما يقولون، ولكن من أجل تحقيق مصالح إسرائيل، وهي مصالح غير مشروعة بحكم التعريف، لأنها تقوم على محاور الكيان أو المشروع الصهيوني الثلاثة، وهي: العنصرية، التوسع، والعدوان. وهذا ما سبق إلى تحديده المفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور "فايز صايغ"، منذ عقد السبعينات من القرن العشرين.

 

فانتازيا التصريحات

ورغم أننا لا نفضل التوغل في تلافيف السياسة والمعارك الانتخابية الدائرة حالياً في أميركا، بحكم كونها شأناً داخلياً يخص الأميركيين قبل سواهم، إلا أن المحلل العربي لا يمكنه أن يغضّ الطرف عن ما طرحه أخيراً واحد من أركان الجناح اليميني في الساحة الحزبية الأميركية، وهو "نيوت غينغريتش" بشأن الشعب العربي في فلسطين.

وإذا كانت الساحة السياسية الأميركية قد شهدت، وما زالت تشهد، الكثير من فانتازيا الطروحات والأفكار، في بلد يمكن أن يحفل بالكثير من الأفكار المفيدة والطروحات البناءة (تأمل مثلاً جهود وإنجازات مبدع من طراز "بيل غيتس"، سواء في ابتكاراته العلمية أو في توجهاته الخيرية العالمية)، إلا أن أميركا تعج بالقدر نفسه بما يمكن أن نصفه بأنه "فانتازيا" الأفكار وغرابة أطوار التصورات.

ومن ذلك مثلًا، أحدث ما تفوه به "غينغريتش" من تصريحات بشأن أصول وجذور الشعب الفلسطيني. وما كنا لنهتم بمثل هذه التصريحات، لولا أن قائلها يشكل رقماً مهماً في سياسة بلاده، فقد تولى رئاسة مجلس النواب خلال ولاية الرئيس "كلينتون" في التسعينات.

وهو الموقع التالي في البروتوكول الأميركي لموقع رئيس الدولة ونائبه.. ثم إن المذكور أعلاه في مقدمة المرشحين عن الحزب الجمهوري لمنافسة الرئيس "أوباما" في السباق الانتخابي المقرر أن يبدأ، كما ألمحنا، في شهر نوفمبر من العام الجاري.

 

اختراع الشعب

ومن المقرر أيضاً أن يحسم أعضاء وقادة الحزب الجمهوري، أمر اختيار مرشحهم المطروح لخوض معمعة السباق المذكور، خلال الفترة القريبة المقبلة، خاصة وقد كادت المنافسة الداخلية داخل إطار الجمهوريين، تنحصر بين "غينغريتش" نفسه وبين زميله في الحزب "ميك رومني".

حيث يتبادل الاثنان نقاط السلب والإيجاب في إطار الانتخابات الداخلية لحزبهما، وكان آخرها فوز لصالح "غينغريتش" في ولاية نورث كارولينا، ثم فوز لصالح "رومني" في ولاية فلوريدا.. والبقية تأتي إلى يوم الحسم الذي يستقرون فيه على المنافس الأوحد، الذي سيدخل في المبارزة النوفمبرية ضد "باراك أوباما".

ولقد تسامعت الأوساط السياسية في أميركا وفي العالم العربي، المقولة التي رددها أخيراً "نيوت غينغريتش"، وفحواها ما يلي: إن الشعب الفلسطيني شعب من الإرهابيين تم اختراعه (!).

ورغم أن مثل هذه الأقوال قد رددها صاحبها المشهور في كواليس ومسارح السياسة الأميركية بتقلباته وبدواته، بل ونزواته السياسية (وغير السياسية)، فسرعان ما تلقفتها الميديا اليهودية ـ الإسرائيلية ـ الصهيونية، كي تصوغها في شعار محبب إليها بطبيعة الحال، وهو "اختراع الشعب.. الفلسطيني"(!).

ورغم أن قائل هذه العبارة أو مرتكب هذا الافتراء، عمل فترة من حياته أستاذاً جامعياً، إلا أن المقولة ما هي إلا صياغة مطروقة وعبارة مأخوذة من مقولة سابقة وذائعة الشهرة.

نتحدث هنا عن كتاب صدر في عام 2009 مترجماً عن اللغة العبرية، واختار له مؤلفه، المؤرخ اليهودي "شلومو ساند"، العنوان التالي: "اختراع الشعب.. اليهودي".

 

جمال حمدان

والحق أنه قد سبق إلى هذا المبحث، العلاّمة العربي من مصر "جمال حمدان" عليه رحمة الله، في كتاب مهم أصدره في أواخر عقد الستينات الماضي، تحت عنوان كان شهيراً وقتها وهو: "اليهود: انثربولوجيًّا". ونضيف أن كتاب "حمدان" صدرت له أكثر من طبعة وجدت طريقها منذ سنوات في الفترة الأخيرة، كما أن هذا الكتاب أصبح أو يكاد يصبح قيد الصدور في طبعته الإنجليزية المترجمة عن أصله العربي.

وفي كل حال، فقد عمد كل من "جمال حمدان" و"شلومو ساند"، إلى استخدام منهج التحقيق العلمي، وخاصة في مجال علم الأنساب ـ السلالات (الاثنولوجيا)، كي يصلا إلى أن مقولة شعب يهودي ما هي إلا خرافة لا تستقيم، لا مع سياق التاريخ البشري المعروف، ولا مع علم الأجناس، ولا دراسة ديمغرافيا السكانيات، وأن ليس هناك ما يمكن وصفه بأنه جنس أو عِْرق أو دم يهودي، ولا قومية أو أرومة أو شعب يهودي.

وقد يتضح من مزاعم السياسي الأميركي المرشح جمهورياً، أنه كان يقصد من هذه الافتراءات دمغ الشعب العربي الفلسطيني بصفة الإرهاب، باعتبار أن هذه الصفة ما زالت تمثل "كلمة الساعة" كما قد نقول، التي تروج بين أوساط عامة الشعب الأميركي. ومن ثم فـ"غينغريتش" يودّ لو "يشتري" الناخبون المرتقبون صورته المجددة على أنه المناضل ضد الإرهاب.

. والمفضل أن يكون إرهاباً عربياً، فما بالنا عندما يُدمغ بوصمة الإرهاب شعب عربي بأكمله هو الشعب الفلسطيني، المالك الشرعي للأرض ـ الوطن الذي أقدمت أشتات مهاجرة من يهود شعوب الأرض، على اغتصاب حقه الشرعي في وطنه.

وهنا نصبح إزاء "صفقة متكاملة"، كما يقولون، من صفقات التقرب من قيادات وفعاليات جماعات الضغط اليهودية وأركان اللوبي اليهودي الصهيوني، بكل ما يتمتع به من نفوذ أو تأثير على جموع الناخبين، وخاصة في ولايات محورية ومؤثرة في العملية السياسية الأميركية، مثل نيويورك أو كونيتيكيت أو نيوجيرسي التي تضم، كما هو معروف، محاور مؤيدة تقليدياً للحزب الديمقراطي المنافِس.

المهم أنه بقدر ما أثار كتاب المؤرخ "ساند" غضباً شعبياً وعارماً في الأوساط الإسرائيلية، فقد كان جديراً بأن تثير مزاعم السياسي الأميركي الجمهوري "غينغريتش" غضباً واسعاً عارماً في الأوساط العربية.

لكن، وفضلًا عن التقصير العربي المعتاد في مثل هذه الأحوال، يبدو أيضاً أن هذه الأقاويل الصادرة عن موقف النفاق والممالأة ومحاولة التودد المكرور إلى جماعات الضغط اليهودية في أميركا، لم تكد ترقى إلى المستوى الذي يجعلها جديرة بالرد عليها.. رفضاً ودحضاً وتفنيداً أو.. هكذا نتصور.

 

الرئيس الأميركي الجديد ومغازلة اليهود

 

تشهد الفترة الراهنة التي بدأت مع مطالع هذا العام الجديد، وسوف تمتد إلى شهر نوفمبر المقبل، وقائع معركة انتخابات الرئاسة التي ينص عليها دستور الولايات المتحدة كل أربع سنوات، ويخوضها الرئيس الأميركي الحالي "باراك أوباما" لولاية ثانية.

والمعروف أن السنة الرابعة والأخيرة من كل من الولايتين المتاحتين لكل رئيس في البيت الأبيض، يمكن أن يطلق عليها ـ حسب المصطلح الأميركي الدارج ـ وصف مرحلة "البطة العرجاء"، حيث يشعر الرئيس أن تلك هي سنته الأخيرة التي تدفعه إلى مزيد من التودد أو الغزل السياسي تقرباً من جموع الناخبين، على نحو ما يفعل الرئيس "أوباما" في الفترة الحالية،.

أو قد تدفع الرئيس الأميركي في آخر سنوات الولاية الثانية والأخيرة، إلى العزوف عن اتخاذ قرارات حاسمة أو عن التعاطي مع المسائل الاستراتيجية أو القضايا المصيرية، لأنه يدرك مسبقاً أنه لن يقدر له البقاء في منصبه من أجل التعامل مع أبعادها طويلة الأمد، فضلًا عن تطلع الرئيس إلى الاهتمام بمستقبله الشخصي، بوصفه "سابقاً" أو مواطناً عادياً.

وفي غمار هذا كله يأتي تودد الرئيس، وأيضاً تقرب خصومه من الحزب المعارض، إلى جماعات الضغط اليهودية التي يجسدها بالذات اللوبي الإسرائيلي ـ الصهيوني في الولايات المتحدة، وهو ما فعله الرئيس أوباما أخيراً من حيث التواصل الحميم مع إسرائيل، فما بالنا بما بالغ فيه منافسه من الحزب الجمهوري المعارض، نيوت غينغريش الذي أوغل في مغازلة إسرائيل، إلى حد إعلانه أخيراً المقولة المرفوضة بشأن "اختراع الشعب الإرهابي الفلسطيني"(!).

مع توالي الأشهر من هذا العام، وفي شهر نوفمبر بالذات، تبدأ حملة الرئيس الأميركي أوباما من أجل تجديد ولايته في البيت الأبيض، طموحاً إلى 4 سنوات أخرى يمضيها في المنصب الرفيع. أما في السنة الأخيرة من الولاية الثانية، فإن البطة الرئاسية ـ العرجاء حتى لا ننسى ـ تدرك.

أو يدرك صاحبها، أن توالي الأشهر الأخيرة في المنصب الرئاسي، كفيل بنص الدستور بأن يحوله إلى "سابق"، ومن ثم فهو لا يعمد إلى إصدار قرارات حاسمة، ولا يقدم على رسم سياسات طويلة الأمد، ولا وضع أو تنفيذ خطط استراتيجية من البديهي أن يتولى تفعيلها رئيس يخلفه في المنصب..

وحسب الرئيس الموّدع أن يمضي آخر شهور ولايته الأخيرة، وهو يرتب لحياته الشخصية ويجمع أوراقه، وقد يستعد لتدوين أو إملاء مذكراته، مع حشد ما يمكن أن تحتويه "مكتبته التذكارية" التي يختصون بها كل رئيس أميركي، في إيماءة لافتة إلى اهتمامهم، لا بتسجيل التاريخ من حيث كونه تاريخاً فقط، ولكن من حيث إن هذه المكتبة التذكارية تضم بلورة لتجربة مرحلة رئاسية.

قد تكون استغرقت في العادة فترتين على 8 سنوات، أو تكون قد اقتصرت على فترة 4 سنوات فقط، وهو الاستثناء الذي جعل عدداً من رؤساء أميركا المعاصرين يدخلون التاريخ من باب ضيق، وبحيث لا يحبون ولا يحب مؤيدوهم أن يعرضوا له، وهو باب "رئيس الفترة الواحدة"، على نحو ما هو الحال بالنسبة إلى "ليندون جونسون" في آخر الستينات و"جيمي كارتر" في آخر السبعينات، ثم "جورج بوش" الأب مع آخر الثمانينات من القرن العشرين.

من هنا فالانشغال العام الحالي في أميركا، يدور حول كون 2012 سنة انتخابية تحسم مع الانتخابات الرئاسية المقرر لها، كما ألمحنا، شهر نوفمبر المقبل بحيث يعلن اسم الرئيس الجديد أو الرئيس القديم (الحالي)، ولكن المجدَّد له مع مطلع عام 2013.