قبل عشرين سنة، وربما أكثر قليلا، انهار الصرح الجبار الذي كان يحمل اسما طالما رددته ألسنة السياسيين، وطيّرت حروفه ومعانيه ودلالاته ميديا الإعلام إلى كل أرجاء المعمورة "الاتحاد السوفيتي".
صحيح أنه في سنوات عقد الثمانينات وربما قبلها، كانت هناك إشارات تلوح أحيانا وتختفي أحيانا أخرى، وكانت تنبئ بأن ثمة صدوعا وتشققات تتهدد البنى الأساسية التي كان يقوم عليها الصرح السوفيتي، الذي كانت تتقادم على قيامه السنون والأحداث منذ إعلان الثورة البلشفية الكبرى في 17 أكتوبر عام 1917، إلا أن مؤرخي العقدين الأخيرين من القرن العشرين ومحلليه، ربما كانوا يستكثرون على خارطة عالم تلك الفترة، أن تشهد انهيار البناء الكبير الذي حمل على مدار 85 عاما اسم "اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية".
وكان عدد سكانه يصل إلى رقم 300 مليون نسمة، فيما انداحت رقعته الإقليمية ممتدة من شرق القارة الأوروبية إلى حيث اخترقت بقاع الشمال الشرقي الآسيوي، بوصفه الدولة الخَلَف أو الكيان الوريث في الأساس لتركة الإمبراطورية الروسية، التي ظل يحكمها قياصرة آل رومانوف حتى لحظة بناء الدولة الاشتراكية التي تزامنت مع نجاح ثورة أكتوبر، التي قادها زعيم البلشفيك أو الأكثرية "فلاديمير إيليتش لينين" (1870-1924).
التوازن العالمي
وبصرف النظر عن النواحي الأيديولوجية، فلقد تعمقت أهمية الاتحاد السوفيتي بالذات، عندما استجّد قرب منتصف القرن الماضي عاملان محوريان على مسرح السياسة الدولية.
العامل الأول جاء متمثلا في إضافة رقم صحيح وصحّي وبالغ الخطورة إلى معادلة القوى الدولية، ليحمل اسمه المعروف وهو "الولايات المتحدة الأميركية". كانت قد خرجت من أتون الحرب العالمية الثانية دون أن يُغير العدو (الألماني ـ النازي) على أراضيها، بل خاضت كل معارك الحرب المذكورة في مسارح عمليات خارج حدودها.
وكانت قد خرجت من عقد الثلاثينات إلى عقد الأربعينات، بعد أن تزودت بطاقة اقتصادية ـ اجتماعية متجددة، جسدتها سياسات وتطبيقات نظرية "الصفقة الجديدة" (New Deal) التي استخدمتها إدارة "فرانكلين ديلانو روزفلت" (الرئيس الأميركي رقم 32)، للتغلب على عقابيل الأزمة الدورية التي أصابت النظام الرأسمالي في أميركا.
وقد تبلورت الدروس المستفادة من سياسة "النيوديل" المذكورة أعلاه، في طروحات "النظرية العامة" التي قال بها مع أواخر الثلاثينات المفكر الإنجليزي "جون ماينارد كينز" وتمحورت، كما هو معروف، حول إسناد دور فاعل وقيادي للدولة وأجهزتها ومؤسساتها في التصدي لأدواء وأزمات النظام الاقتصادي.
أما العامل الثاني، فقد شهدته سنوات ما بعد الحرب العالمية، وهو اشتداد ساعد حركات التمرد الوطني التي طالبت بالاستقلال وإسقاط التبعية وجلاء القوات الاستعمارية الغرب ـ أوروبية عن أقطار شتى، وخاصة في إفريقيا وآسيا.
في هذا السياق من صحوة الشعوب التي طالت معاناتها خلال الحقبة الكولونيالية، شهدت أواخر الأربعينات استقلال الهند، درّة تاج الإمبراطورية البريطانية سابقا، وكان ذلك في عام 1947. ولم يكد يمضي عامان حتى انتصرت الثورة الصينية بزعامة "ماو تسي تونغ"، وأعلنت في عام 1949 جمهورية الصين الشعبية.
جوزيف ستالين
ورغم أن الاتحاد السوفيتي خاض غمرات، بل هي ويلات الحرب العالمية الثانية، وهو ما كلّفه تضحيات جساما جسدتها مثلا بطولة مدينة "ستالينغراد" التي كانت رمزا لمقاومة الغزو والاحتلال الهتلري، خلال الفترة من سبتمبر 1942 إلى فبراير 1943، إلا أن العالم كان ينظر بعين من الريبة والتشكيك ـ الأيديولوجي بالذات ـ إزاء الاتحاد السوفيتي.
وذلك بحكم شح المعلومات التي كانت تذاع عنه خلال عقدي العشرينات والثلاثينات، اللهم إلا ما يتعلق بالنظام القمعي إلى حد دموي الذي فرضه زعيم الكرملين أيامها "جوزيف ستالين" (18791-1953)، فما بالنا برفض العالم ذلك الخيار الشيوعي الروسي الذي عمد إلى إقصاء، بل نفي العقيدة الدينية، متذرعا بالمقولة المرفوضة التي سبق إليها مفكر الشيوعية الأول "كارل ماركس" (1818-1883) من أن "الدين أفيون الشعوب"!.
لكن ها هو العالم بعد الحرب، وربما خلال دورانها، وقد ظل يتسامع عن تضحيات وبلاء السوفيت ضد المد العنصري النازي، مطعّما وقتها بالمغامرات الهتلرية التي كادت تصل إلى شفا الجنون، ثم زاد مدّ التقدير حتى لا نقول الإعجاب، بأداء وتصميم الكرملين السوفيتي، بعد أن زحفت قوات المارشال "جوكوف" عبر أصقاع شرق أوروبا، إلى أن أكملت إنجازها التاريخي بإسقاط "هتلر" وتحرير العاصمة الألمانية برلين منذ عام 1944.
تشكيل المعسكرين
بعد الانتصار على النازي، انفتح المجال أمام الاتحاد السوفيتي كي يطرح نفسه أو يعاد اختراعه، على نحو ما يقول التعبير الساري، انفتاحا من جانب موسكو مع سنوات الخمسينات، وخاصة بعد وفاة "ستالين" وتولّي "نيكيتا خروتشوف" زعامة الحزب والدولة السوفيتية. وقد جاوبه انفتاح من الجانب العربي.
وخاصة من قاهرة الخمسينات والستينات، بكل ما كانت العاصمة المصرية تضطلع به من أدوار طليعية أو مسؤوليات قيادية تجاه مد الاستقلال وحركة التحرر والتنمية، في مشرق الوطن العربي ومغربه على السواء.
وعلى المستوى الدولي، ساعد وجود ونشاط الجانب السوفيتي على تحقيق قدر كان معقولا، وإن كان دقيقا ومرهفا، من التوازن بين معسكر الشرق تحت قيادة موسكو ومعسكر الغرب بقيادة واشنطن. الأول كان تجسيدا للفكر الشيوعي (الاشتراكي ـ الماركسي، إن شئت)، والثاني كان تجسيدا للفكر والتطبيق الرأسمالي.
وبقدر ما وجد الأول تجسيده العسكري في حلف وارسو، وجد الثاني تجسيده الحربي في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبلغ الأمر من دقة وإرهاف التوازن المذكور، الحد الذي جعله توازنا بالغ السلبية، بمعنى أنه لم يكن توافقا أو تفاهما بقدر ما كان خوفا مشتركا، بل رعبا متبادلا بين المعسكرين اللذين كانا قد توصّلا إلى صنع، بل وتفجير القنبلة النووية (في حالة أميركا بالذات في كل من هيروشيما ونغازاكي في اليابان). وقد حمل هذا التوازن اسمه المعروف "ميزان الرعب النووي".
العالم الثالث
وبقدر ما كانت الخمسينات هي عقد التحرر والاستقلال بالنسبة لشعوب المستعمرات، فقد كانت أيضا عهد القادة الكبار في العالم الثالث، الذين ظلوا يلتمسون سبيلا مستقلا في محيط السياسة الدولية المتلاطم، بحيث يتقون مغبة أن يحسبوا ومن ثم تحسب مصائر بلادهم، على هذا المعسكر أو ذاك.
من هنا بدأت مسيرة البحث عن سبيل يبدأ بسياسة عدم الانحياز والتزام جادة الحياد الإيجابي، بمعنى الفاعل والواعي والناشط والفاهم. وصولا إلى ما أصبح يعرف من بعد باسم: العالم الثالث. ولقد بدأت هذه المسيرة مع انعقاد مؤتمر باندونغ في أندونيسيا عام 1955 ثم تواصلت مع عقد مؤتمر بريوني، الذي دشّن إنشاء حركة عدم الانحياز بقيادة ثلاثية أوروبية ـ يوغوسلافية (تيتو) وآسيوية ـ هندية (نهرو) ثم عربية ـ مسلمة (جمال عبدالناصر).
بعدها اختار الاتحاد السوفيتي نهج التعامل الإيجابي مع تلك الحركة الوليدة، التي جاءت لتجسد "ضمير العالم" على حد ما قال عبدالناصر في تلك الأيام.
العرب وموسكو
وفيما شهد منتصف عقد الستينات ما يمكن وصفه بأنه ربيع العلاقات العربية ـ السوفيتية، حيث كانت موسكو تنعم بسمعة أكثر من طيبة في الوجدان الجمعي العربي، لاسيما في ضوء مواقفها الإيجابية؛ من تأييد قضية الحق العربي في فلسطين، والتصويت في معظم المجامع الدولية ضد إسرائيل (رغم أن موسكو السوفيتية كانت من السباقين إلى الاعتراف بإسرائيل لدى قيامها عام 1948).
وكانت ذروة الربيع العربي ـ السوفيتي، قد تمثلت في زيارة خروتشوف مع تحويل مجرى نهر النيل في مايو 1964، وسخاء المساعدات السوفيتية ماليا وتقنيا من أجل بناء السد العالي، إلا أن الإطاحة بخروتشوف نفسه جاءت ليتولى مقاليد الأمور في الكرملين ليونيد بريجنيف.
وهو القيادة التي طال عليها الأمد إلى أن شاخت في مقاعدها، فكان أن أصيبت أطراف الكيان السوفيتي ذاته بأمراض تصلّب الشرايين وتيبَّس الأطراف وثبات الأفكار، وهو ما جاءت ترجمته في إصابة أطراف الدولة والإدارة والمرافق السوفيتية على امتداد السبعينات وأواسط الثمانينات، بوباء الفساد والجمود والإحالة المستمرة إلى دوغما النظريات التي عفا عليها زمن التطور، فيما كان العالم قد تجاوزها وقتها بأشواط بعيدة وطموحة على السواء.
البيرسترويكا
في تلك الفترة، شهر مارس عام 1985 بالذات، لمع نجم جديد في سماوات الكرملين حين أعلنوا انتخاب سكرتير عام مستجد لقيادة الحزب الحاكم في الاتحاد السوفيتي.
نتحدث عن ميخائيل غورباتشوف. كان شابا، ولو بالمقارنة مع شيخوخة من سبقوه إلى المنصب الكبير، ابتداء من "بريجنيف" وإلى "أندروبوف". وكان متفتحا وراغبا في إصلاح الكيان الديناصوري، الموروث بغير تطور جذري وصحي من أيام "خروتشوف"، بل وأيام "جوزيف ستالين".
من هنا شاعت في متون المعاجم السياسية منذ تلك الفترة ـ وربما حتى الآن ـ المصطلحات التي طرحها "غورباتشوف"، وفي مقدمتها ما يلي: البيرسترويكا؛ بمعنى إعادة البناء. والغلاسنوست؛ المصطلح الذي شاءت حظوظه أن يعيش وينتشر ويشيع في كل محاولة للإصلاح، حيث بدأ من معنى الإفصاح أو البوح أو المكاشفة، إلى أن استقر عند المصطلح الذي أصبح شائعا على كل لسان وهو: الشفافية.
لكن أدوية الطبيب "غورباتشوف" جاءت متأخرة، بل جاءت بعد فوات الأوان بالنسبة للجسم السوفيتي الذي كانت قد استبدت به علل الشيخوخة، فكان أن أودت بالكيان كله مع حلول عام 1991.
لكن ها هو "ميخائيل غورباتشوف" يعاود الإطلالة لتأمل ما جرى من تطورات، كان أغلبها انتكاسات شهدتها روسيا ـ يلتسين، وكان ذلك وسط أطلال الدمار السوفيتي على امتداد سنوات التسعينات، إلى أن أمسك بمقاليد أمورها من جديد رجل المخابرات المخضرم (الكي جي بي) "فلاديمير بوتين".
غورباتشوف يتكلم
ولقد نشرت مجلة "ذي نيشن" الأميركية في أحدث أعدادها (16/1/2012)، ملفا تحت عنوان لافت يلخصه السؤال التالي: هل أصبح العالم حقا أكثر أمنا بغير وجود الاتحاد السوفيتي؟
ورغم أن الملف الأميركي لم يحسم إجابة مثل هذا السؤال، فلعل ما يهمنا في هذا السياق بالذات هو ما يذهب إليه غورباتشوف في المقال الذي كتبه خصيصا للمجلة الأميركية، مؤكدا على عدة نقاط جوهرية، طرحها الزعيم السوفيتي على النحو التالي:
(1) لقد درجت من جانبي على تذكير القادة الغربيين بأننا نحتاج جميعا إلى تغيير أسلوب تفكيرنا، ولم يكن ذلك مقصورا على الاتحاد السوفيتي، بل كان يشمل أطراف الغرب على السواء.
(2) ان انهيار الاتحاد السوفيتي، وعلى خلاف ما ظل يتردد في أوساط غربية، لم يأت نتيجة تدخلات (أو مؤامرات) غربية، ولكن جاء أساسا بسبب عوامل وتطورات داخلية، ومنها مثلا نشاط قوى المحافظين الرافضة لأي تطور أو تجديد.
على الغرب أن يعيد حساباته وأساليب تقييمه لما حدث بعد سقوط وزوال الاتحاد السوفيتي. فالعالم بغير هذا الكيان السوفيتي لم يعد أكثر أمنا ولا أوفر رخاء ولا أشد استقرارا. وبدلا من أن يسود العالم نظام عالمي جديد (على نحو ما بشر به الرئيس بوش ـ الأب عام 1991)، بمعنى نظام يحول دون نشوب الحروب واندلاع الصراعات واتباع أسلوب الحوْكمة ـ الحكم الرشيد.
فقد حدث العكس تماما على طول سنوات التسعينات ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، ولدرجة أصبح من المتعذر في ضوئها التنبؤ بما يحدث من تطورات تستجد على ما يعيشه العالم من أوضاع، ولدرجة أن بات عالمنا ينجرف إلى حيث تحمله الأحداث إلى دوامة تضطرم أنواؤها، وسط مياه غير مأهولة وساحات لا يحسب لها أي حساب. ولعل أشد مظاهر هذه الحالة تجليا، ما أصاب العالم من أزمة مالية خانقة، بدأت في عام 2008 ومازالت تداعياتها تتوالى، وغيومها تتكاثف حتى الآن.
و.. هكذا تحدث ميخائيل غورباتشوف. غورباتشوف.. الزعيم أم العميل؟
في أحدث أعدادها الصادرة، نشرت مجلة "ذي نيشن" الأسبوعية الأميركية، ملفا خاصا بمناسبة انقضاء 20 سنة على تصدع وانهيار، ومن ثم زوال الاتحاد السوفيتي من خارطة العالم. وكانت تلك مناسبة لدراسة نشأة وتطور ذلك الكيان الإمبراطوري، الذي ظهر إلى الوجود نتيجة ثورة أكتوبر عام 1917، وانهيار امبراطورية قياصرة رومانوف الذين حكموا روسيا على مدار عقود طويلة من الزمن، انتهى بهزيمة موسكو القيصرية في الحرب العالمية الأولى.. ثم تطورت أمور الكيان الذي حمل عنوان الاتحاد السوفيتي.
والذي دخل مشاركا في الحرب العالمية الثانية تحت زعامة "جوزيف ستالين"، وبعدها خرجت موسكو من معمعة تلك الحرب تسبقها سمعة إيجابية بفضل صمود وبطولة مدينة ستالينغراد أمام الهجوم النازي الألماني. وهو ما جاء متزامنا مع اشتداد ساعد حركات التحرير الوطني، التي طالبت باستقلال الشعوب عن السيطرة الكولونيالية الغربية.
ومنها شعوب الوطن العربي التي شاركت من جهة في قيام كيان جديد مستقل غير منحاز باسم العالم الثالث، فيما ربطتها من جهة ثانية علاقات أكثر إيجابية على أسس التعاون في مجالات الاقتصاد والتنمية، مع الاتحاد السوفيتي الذي شاءت أقداره أن يعيش فترات من الجمود المذهبي وسيطرة القيادات المتقدمة في السن، دون أن تفلح في إنقاذه أو الإبقاء عليه محاولات آخر زعمائه "غورباتشوف"، تحت شعارات إعادة البناء (بيريسترويكا) أو الشفافية (غلاسنوست).
الكثيرون يتهمون ميخائيل غورباتشوف بأنه هو الذي هدم الاتحاد السوفيتي بسبب سياساته الفاشلة، والبعض يبالغ إلى درجة اتهامه بالعمالة للغرب ولواشنطن، خاصة وأنه قدم تنازلات كثيرة للولايات المتحدة والغرب أثناء فترة حكمه، بتأييده لانفصال دول المعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا عن هيمنة ونفوذ موسكو.
كما أنه لعب دورا كبيرا في هدم سور برلين وتوحيد ألمانيا، وفتح المجال أمام العديد من أصحاب التوجهات الغربية داخل الاتحاد السوفيتي، لتولي المناصب المهمة ودخولهم في دائرة صناعة القرار، ووقع مع واشنطن اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية، من دون الحصول على أية امتيازات أو فوائد لبلاده.
ومازالت الاتهامات توجه إلى غورباتشوف حتى الآن في تفتيت وتحطيم القوة السوفيتية العظمى، وفي الوقت الذي يلقى فيه غورباتشوف الترحيب والتقدير في أي مكان يذهب إليه خارج روسيا، فإنه لا يستطيع الظهور في الشارع الروسي خشية الاعتداء عليه من المواطنين الروس، وقد تعرض أكثر من مرة لاعتداءات داخل روسيا.
ورغم هذا فإن القول ان غورباتشوف كان عميلا للغرب ولواشنطن، أمر غير منطقي ولا يصدقه عاقل، إذ ان العميل يعمل لحساب الجهات الأجنبية مقابل المال أو السلطة أو الشهرة، وغورباتشوف لم ينقصه شيء من هذا، فهو زعيم القوة العظمى. وكذلك من الخطأ تحميله المسؤولية عن انهيار الدولة السوفيتية العظمى، إذ ليس من المنطقي أن تكون السنوات الخمس التي حكم فيها غورباتشوف في الكرملين، هي فقط التي تراكمت فيها أسباب وعوامل انهيار الدولة العظمى التي صمدت أمام العديد من الكوارث والأزمات والحروب العالمية.
ومن المؤكد أن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي تراكمت على مدى سنوات طويلة، يرجعها البعض إلى بدايات صعود هذه الدولة العظمى ونظام الحكم الشمولي المركزي وسيطرة الدولة على كافة مجالات الحياة، وسباق التسلح ونشر الشيوعية في العالم.
والإنفاق الهائل على عشرات الدول الأخرى، وكذلك الأوضاع الداخلية وصراعات القوميات المختلفة التي كان يتكون منها الاتحاد السوفيتي، الذي كان يتشكل من خمس عشرة جمهورية من آسيا وأوروبا، بينها تباين وتناقض كبير في الثقافة والعادات والتاريخ والعقائد، وأيضا في المستوى الاقتصادي والسياسي والعلمي.
...................................
