يضم هذا الكتاب عدة دراسات متنوعة تدور في مجملها حول الظاهرة التي حملت وصف «الربيع العربي» التي يعزو أصلها نفر من المحللين السياسيين إلى ما شهده عام 1968 من تحولات سياسية وحزبية، جسدتها تيارات ودعوات المعارضة في تشيكوسلوفاكيا
. وكانت هذه الدعوات التي قادها في ذلك الحين ألكسندر دوبتشيك موجهة ضد هيمنة الاتحاد السوفييتي على مقاليد الأمور في البلد المذكور بوسط أوروبا. وقد حملت تلك التيارات وصف ربيع براغ.
على أن كتاب العالم العربي، وقد شارك في مادته ثلاثون من الباحثين المنتمين إلى العديد من مراكز البحث الأكاديمي في ميدان العلوم السياسية، يحرص على رصد وتحليل ما طرأ من مستجدات على الساحة السياسية في العديد من دول الربيع العربي سواء في المشرق (مصر) أو في المغرب (تونس).
وقد شهدت هذه المواقع حركات الاحتجاج الجماهيرية التي تنوعت أساليبها ما بين الحوار أو الرفض السلمي للأوضاع التي كانت قائمة منذ بداية العقد الثاني من القرن الجديد، إلى انتهاج أساليب العنف، المسلح في بعض الأحيان، وهو ما لا يزال قائماً، بل ومندلعاً في أقطار أخرى ومنها بالذات كل من سوريا واليمن.
كما يحرص الكتاب على التعامل مع ظواهر الربيع العربي بنهج المقارنة مع المتغيرات التي استجدت أيضاً على مواقع أخرى في جنوب العالم وغربه على السواء.
«برز كاجارو» اصطلاح ظلت تتردد أصداؤه في كل مكان من عالم عقد الستينيات من القرن العشرين. وهو ينصرف في اللغة التشيكية بوسط أوروبا إلى معنى الربيع، وقد ذاع في عام 1968 بالذات، ورددته وسائل الإعلام ودوائر السياسة في عالم ذلك الزمان تحت الشعار التالي: ربيع براغ
وكانت تلك إشارة إلى موجة الانتفاضات السياسية والشعبية أيضاً التي اجتاحت مدينة براغ، عاصمة الدولة التي كانت تحمل أيامها اسم تشيكوسلوفاكيا (وقد انقسمت بعد زوال الكيان السوفييتي وتصدُّع المعسكر الاشتراكي في شرقي أوروبا إلى دولتين هما تشيكيا وسلوفاكيا، ولكل منهما بالطبع مقعدها الخاص بها في عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة).
ارتبط «ربيع براغ» باسم الزعيم التشيكي الذي تصدّر مسيرته وهو ألكسندر دوبتشيك (1921- 1992) الذي تحدي الهيمنة السوفييتية على مقاليد بلاده، ولكن بعد انتكاسة الربيع التشيكي المذكور أعلاه، انتكست بالتالي مصائر الزعيم المذكور، الذي ما لبث أن انزوى إلى أركان النسيان.
التعريف بالظاهرة
كان الشعار الذي لاشك استوحته قوى كثيرة وفعاليات شتى كيما تصف الأحداث التي شهدها أخيرا عالمنا العربي، وهو أيضاً الاصطلاح الذي اختاره فريق من باحثي العلوم السياسية عنواناً للكتاب الذي عُني بإعداده وتحريره البروفيسور وليام زارتمان أستاذ الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة.
وعلى نهج الدراسات العلمية فقد عني مؤلفو ومحرر هذا الكتاب باستهلال الموضوع من خلال إيراد أو إثبات تعريف أكاديمي لمحور هذه الدراسات على النسق التالي:
• إن «الربيع العربي» هو مظلة مطروحة لتعريف الانتفاضات العديدة التي شهدها العالم العربي مع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
• إن الانتفاضات (التي بدأت إرهاصاتها والتحولات التي طرأت على مواقع في الوطن العربي الكبير بدأت مع نهايات عام 2010 في تونس وانطوت على انتفاضة الشارع الشعبي في البلد العربي المغاربي المذكور إلى أن بلغت ذروتها، كما هو معروف، برحيل رئيسها بن علي إلى خارج القطر التونسي، وما لبثت تطورات الأحداث ان انتقلت إلى مصر بكل موقعها المحوري في ساحة الوطن العربي.
فكان اندلاع شرارة الانتفاضة في 25 يناير من عام 2011 وبعدها اكتملت الظروف التي هيأت المجال لاستعارة مصطلح التغيير من الأفق التشيكي بحيث بدأ العالم يستخدم ويتداول المصطلح المستجد والمستعار أيضاً: الربيع العربي.
وكما هو معروف مع حركة المقاومة الشعبية الجماهيرية التي شهدتها أرض فلسطين ضد إسرائيل، يمكن تعريفها على أنها «عمليات دينامية منتفضة بالحركة والحيوية وتتم على مستويات متعددة وبحيث تضم خلال دوران حركتها أفراداً وجماعات ودولاً».
إن هذه الانتفاضات (الشعبية) تعمد باستمرار- كما يضيف تعريف هذا الكتاب- إلى تغيير أولوياتها بينما تستخدم اسلوب التفاوض – بمعنى الحوار باختلاف أشكاله ونبراته لتحقيق أهدافها في التغيير.
إنها تواجه من ثم أخطاراً يأتي في مقدمتها خطر العنف وزعزعة الاستقرار.
نلاحظ ــ مع الفصول الاستهلالية من هذا الكتاب- وفي ضوء التعريف السابق، أن المقالات ــ البحوث والدراسات التي احتوتها فصوله تجهد في تدارس مجموعة من ظواهر ونتائج الربيع العربي التي تتراوح ـ كما يوضح محرر الكتاب- ما بين الاحتجاجات غير العنيفة والمفاوضات السلمية بين أطراف النزاعات الداخلية، إلى حيث تصل إلى تنظيم التظاهرات الجماهيرية الحاشدة بل إلى عنف التمرد المسلح في بعض الأحيان.

نتائج ومشكلات
يتعمق الباحثون عبر طروحات كتابنا في تدارس التحديات الناجمة عن نتائج الربيع العربي وخاصة فيما يتصل بالظاهرة التي يطلق عليها الكتاب الوصف التالي: تحديات إعادة بناء (أو تشكيل) الدولة في أعقاب احتدام الصراع.
بعدها تواصل الطروحات التحليلية نفسها تدارس التعقيدات التي انطوت عليها عملية بناء التحالفات- الائتلافات التي نشأت فيما بين العناصر والقوى السياسية التي أسفرت عنها ظاهرة الربيع العربي، بين الخصوم السياسيين والعسكريين السابقين فضلاً عن متابعة مسار الحوارات (المفاوضات كما يسميها الكتاب) التي دارت، وما برحت تدور، بين هذه الأطراف، وقد كان بعضها يؤدي إلى عنف اجتاح شوارع «الربيع العربي»، فيما ظل بعضها الآخر يطمح إلى بناء نظام ديمقراطي يتصف بالرسوخ أو الاستدامة.
نلاحظ – كقارئين- أن كتابنا يتوقف ملياً، وبقدر لا يخفى من التأمل عند تجليات «الربيع العربي» في مصر على وجه الخصوص. والتوقف هنا من حيث الزمان عند ما شهدته شوارع مصر – ميدان التحرير القاهري بالذات- منذ يوم 25 من يناير 2011.
والتأمل هنا يتوجه أيضاً إلى الشعارات التي رُفعت في المكان والتاريخ المذكورين وهي: عيش.. حرية.. كرامة إنسانية، ثم نلاحظ أن الكتاب يترجم شعار العيش، لا بمعنى الخبز كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن إلى معنى آخر نترجمه عن إنجليزية كتابنا على نحو يقول: الوصول إلى هدف يمكن بلوغه في حياة البشر
ثم يضيف الكتاب في نفس السياق قائلاً: إن هذه الشعارات جاء طرحها في مواجهة صورة وميراث لحكم سلطوي اتصف بالغطرسة والفساد وعدم المبالاة (بمصالح الناس واهتمامات – طموحات المحكومين).
الهدف بناء الدولة
يلاحظ القارئ تعمق مقولات هذا الكتاب، إذ يحرص أصحابها على تتبع وتقصي مسارات الأحداث التي ما برحت تشهدها، وأحياناً تكابدها، أقطار الربيع العربي، إلا أن المقولة المحورية في هذا المضمار لازالت تدور حول أمر أساسي يتمثل فيما يلي: أهمية بناء الدولة المنشودة، بمعنى الدولة التي تنبثق من إرادة الشعب على نحو ما طالبت به جماهير الربيع العربي حين طرحت شعاراتها الأثيرة، حيث اقترنت الحرية والكرامة مع المطالبة بسبل العيش الكريم.
والدولة المنشودة في هذا السياق من الكتاب تستبعد مفهوم الدولة السلطوية المتجبّرة بقدر ما تستدعي مفهوم الدولة المسؤولة بمعنى المشاركة في عمليات التنمية الاقتصادية- الاجتماعية، وهو المفهوم المنبثق منطقياً عن كونها الدولة المستندة إلى تأييد أوسع القواعد الشعبية، وبالتالي فهي مسؤولة بنفس المنطق عن تلبية مطالب هذه القواعد التي طال حرمانها في الماضي، سواء كان حرماناً من حرية التعبير عن مطالبها المشروعة، أو كان حرماناً من العيش في ظلال الكرامة من حيث لقمة الخبز والخروج من ربقة الفقر المدقع، حيث يعّز القوت وينقطع الرجاء.
مرة أخرى تشير كثير من التحليلات النقدية الصادرة عن هذا الكتاب إلى أن الدراسات التي ضمّتها الفصول تخلص إلى أحكام نراها مشوبة بالتعميم من ناحية، وإن كان بعضها بليغ الدلالة من ناحية أخرى.
ومن أمثلة هذه الأحكام ما خلص إليه الباحثون المشاركون في طروحات الكتاب على النحو الموجز التالي: تونس حالة واعدة، والجزائر حالة مجمّدة، والمغرب حالة محفوفة بالأمل في حين أن مصر تكتنفها حالة أقرب إلى الارتباك.
أما ساحات زعزعة الاستقرار وأحوال اللايقين وصراعات الأضداد فهي تغطي أقطاراً شتى في ساحة المشرق العربي على وجه الخصوص ومنها سوريا واليمن ولبنان وإن اختلفت الأقطار المشرقية المذكورة من حيث المشكلات والانعطافات والتفاصيل.
ويضم الكتاب أيضاً تصنيفات أخرى لأقطار عربية ــ مشرقية ومغاربية- ولكن من منظور يورده الكتاب تحت عنوان أميركا وتحولات الشرق الأوسط، ومع تنوع تصنيفات الدول إلا أن البحوث الواردة في هذا الخصوص لا تلبث أن تخلص إلى نصيحة موجهة إلى أميركا يوجزها أصحابها على النحو التالي: على أميركا أن تحافظ على تواصلها مع كل تلك الأطراف من الدول والنظم القائمة في منطقة الشرق الأوسط، لكن مع توخي الحيطة والتزام جادة الحذر، والاستعداد لمدّ يد المساعدة من جانب أميركا باعتبار أن هذا أمر مازال من الأهمية بمكان.
نهج البحث المقارن
يلاحظ القارئ أيضاً نهج البحث المقارن فيما يتعلق بدراسة ظاهرة الربيع العربي.
وهذا النهج يستخدم ـ كما يدل اسمه- اسلوب المقارنة بين ظواهر التغيرات التي استجدت على دول مختلفة تقع في أماكن شتى من خارطة عالمنا ما بين شرق أوروبا بعد زوال ما كان يسمي بالكتلة الشرقية أو المعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي خلال سنوات الحرب الباردة (1945- 1989) إلى دول أميركا اللاتينية التي شهدت متغيرات شتى على نحو ما حدث مثلاً في كوبا أو نيكاراغوا أو فنزويلا، أو حدث أيضاً في أقطار لاتينية أكبر حجماً وربما أشد تعقيداً مثل شيلي أو الأرجنتين أو البرازيل وصولاً إلى ما شهدته أصقاع القارة الأفريقية ومنها جنوب أفريقيا – بزعامة نيلسون مانديلا مع تسعينيات القرن الماضي.
وبديهي أن عام 1956 لازال من المعالم المحورية في التاريخ العربي المعاصر بعد أن شهد كما هو معروف قرار جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس وتخليصها من سيطرة للإمبريالية الأوروبية دامت نحو 87 عاماً.
إيقاع الأحداث العربية يتحدى جهود الباحثين
تعددت التحليلات وتباينت الاجتهادات عبر فصول هذا الكتاب، ما بين تدارس حركات العصيان المدني التي شهدتها ساحات الربيع العربي على شكل إضرابات، احتجاجات، مسيرات، شعارات، تظاهرات، وحوارات وسلوكيات منها ما كان سلمياً ومنها ما شابته نوازع العنف.
وبقدر تعدد هذه السلوكيات، بقدر تعدد الساحات القطرية من الوطن العربي الكبير التي تغطيها بحوث هذا الكتاب. وهذه الساحات هي: تونس، مصر، اليمن، الجزائر، المغرب، البحرين، سوريا وليبيا.
ومن فصول الكتاب ما يعمد إلى تدارس هذه الظواهر العربية من منظور مثيلاتها التي شهدتها أقطار أخرى ما بين جنوب أفريقيا في القارة السمراء إلى صربيا في وسط أوروبا.
وقد نرصد أيضاً الملاحظة التي يحرص محرر الكتاب ــ البروفيسور زارتمان- على تسجيلها، ومؤداها أن إيقاع الأحداث التي ما برح يشهدها العالم العربي، ربما يأتي بخطى متسارعة بما قد يتجاوز وتيرة الدرس والتحليل العلمي، وهنا تتوقف بحوث الكتاب ملياً عند مسيرة الأحداث التي تشهدها حاليا وبشكل خاص كل من ساحة سوريا واليمن، وهي مسيرة تتسم بداهة بسرعة الإيقاع من جهة وتنوع المتغيرات من جهة أخرى.
وفي هذا السياق بالذات يحذر المحللون السياسيون من الانسياق أمام إغراء التنبؤات بمسارات أو مآلات الأحداث في العالم العربي، ومنهم من يرى ــ على نحو ما نشرته مجلة «ميدل إيست جورنال» في مقالتها النقدية لهذا الكتاب- بأن هناك دراسات رصينة من ناحية الدرس الأكاديمي وقد تعرضت لقضايا المنطقة وتحولاتها من منظور ظاهرة الربيع العربي.
إلا أن هذه الدراسات، بكل عمقها البحثي، وقد صدرت حديثا 2014 (أي منذ فترة قصيرة نسبياً من عمر الأقطار والشعوب) فشلت في التنبؤ بأبعاد الصراع الدموي بين سلطة دمشق ودوائر المعارضة السورية على اختلاف فصائلها.
رصد المتغيرات
يرصد الكتاب المسار الزمني، بمعنى المتغيرات التاريخية التي طرأت على الواقع العربي في المشرق والمغرب على السواء.
وتتعدد في الكتاب آليات رصد هذا الواقع، إلى حيث ترى بعض البحوث التي يضمها الكتاب أن ظاهرة الربيع التي شهدتها هذه الألفية الزمنية الثالثة، جاءت باعتبارها فصلاً جديداً بدوره من سفر اليقظة العربية التي رصدها وكتب عنها البروفيسور ألبرت حوراني في كتابه الموسوم بالعنوان نفسه، ومن مقولات الكتاب أيضاً ما يذهب إلى تحديد عام 1956 منطلقاً لمتغيرات ــ هل نقول إرهاصات- كانت تنبئ بأن ثمة تغييرات جذرية واسعة النطاق من شأنها أن تطرأ على هذا الواقع العربي.

المؤلف
وليام زارتمان أستاذ ضليع لمادة تحمل عنوان المنظمات الدولية وحل النزاعات في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. وقد سبق أن تولى رئاسة قسم دراسات الشرق الأوسط بالمعهد الأميركي لدراسات منطقة المغرب العربي.
وقد أصدر الدكتور وليام زارتمان نحو 20 من الدراسات والبحوث في تخصصه. والمؤلف عضو في اللجنة التوجيهية لواحد من أهم المشروعات في السياسة الدولية، وهو برنامج التفاوض على المستوى الدولي.
الناشر:
مطبعة جامعة جورجتاون، نيويورك، 2015
عدد الصفحات:
304 صفحات