تخبط لا سياسة

إن كان في ما يجري شرق «الأبيض المتوسط» من فكرة ما، فهي أن الدول حينما تسلم إرادتها وقرارها لعقل مشبع بالأيديولوجيا والأوهام التاريخية، فإنها تجني على نفسها، وتغامر بمستقبل شعبها، وتضع نفسها في بؤرة الاستياء العالمي، وفي مرمى سخط المجتمع الدولي.

هذا على وجه الخصوص ما ينطبق على تركيا، التائهة اليوم ما بين أيديولوجيا عفا عليها الزمن وأوهام تاريخية متخبطة، والضائعة بين ملاحقة النزعات التوسعية غير المعقلنة، والأطماع المادية بثروات الشعوب المجاورة.

هكذا فقط يمكن أن تفهم السياسة التركية، التي تتنقل من مكان إلى مكان، ومن أزمة إلى أخرى، دون ضابط، أو هدف سامٍ؛ ففي شرق المتوسط تستعدي شعوب منطقة واسعة تمتد من ليبيا، إلى مصر، إلى قبرص، واليونان، وحتى سوريا. وفي الجهة الأخرى من حدودها البرية، لم تتورع عن صب الزيت على نار النزاع الأذربيجاني الأرميني النائم، دون توخي حتى المصلحة البديهية للدولة التركية بإقليم مستقر، هي جزء منه، وأمنها من أمنه، واستقرارها من استقراره.

في الواقع، يجدر بمن يديرون دفة الأمور في تركيا اليوم أن يدركوا أن السلوك المشاكس للمجتمع والشرعية الدوليين، لا يمكن اعتباره سياسة بأي حال من الأحوال؛ فالأفعال غير العقلانية، التي لا هدف مشروعاً يضبط سياقها، سرعان ما تنقلب على أصحابها، وتجر عليهم أسوأ العواقب.

إن شعوب المنطقة، التي تتعاطف مع الشعب التركي في محنته التي يصنعها سياسيو بلاده، تأمل له كل الخير، وهي على ثقة أنه يرغب في التقارب والانسجام مع محيطه، ولا ذنب له في تخبط السياسيين ممن أضاعوا البوصلة، وفقدوا اتصالهم بالواقع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات