تثور ثائرة المسؤولين الأتراك كلّما تحدث أحد عن مذابح الأرمن عام 1915، وهي مناسبة تحييها أرمينيا في الثالث والعشرين من أبريل كل عام، وهذا العام اكتمل قرن كامل على القضية، فيما تكابد أرمينيا للحصول على اعتراف المجتمع الدولي بأن ما حدث عام 1915 كان إبادة جماعية للأرمن.
وبسبب هذه القضية فإن الاتفاق الذي وقّعته أرمينيا مع تركيا في أكتوبر من العام 2009 والذي قضى بإقامة علاقات دبلوماسية وفتح حدودهما البرية، أصابه الجمود في برلماني البلدين.
ومثلما لا يزال الألمان يشعرون بالخجل والحرج كلما تحدّث أحد عن الجرائم النازية، فإن تركيا تستشيط غضباً من إثارة هذه القضية، وحصل توتّر عال بينها وبين بابا الفاتيكان الذي وصف ما جرى بأنه «حرب إبادة»، مثلما حصل مع فرنسا العام الماضي على الخلفية ذاتها.
في الحربين العالميتين الأولى والثانية لم يتعرّض الأرمن وحدهم للقتل والمذابح، بمعزل عن التفاصيل والأرقام والتوصيفات، بل فقد ملايين البشر من كل الأعراق والطوائف والأكثريات والأقليات حياتهم. لذلك ما ينبغي التمسّك به على الدوام، هو الرفض المطلق لكل استهداف للإنسان وفقاً لانتماءاته العرقية أو الطائفية.
وإذا كان من الصعب إنهاء الحروب في العالم، فإن من الضروري إحياء أخلاقيات الحرب وحصرها في ميادين الجيوش، وعدم زج المدنيين العزل وقوداً في هذه الحروب.
لنلاحظ دلالات أن تغضب دول مثل تركيا وألمانيا وبولندا من إثارة هذا الماضي، ذلك أن جرائم الماضي لا تسقط بالتقادم، إن كان على المستوى السياسي أو القانوني أو الأخلاقي.
وما دام هناك في هذا العالم من يتنصّل من الجريمة، فإن باب الأمل سيبقى مفتوحاً لرسم رؤية دولية شاملة تتحوّل إلى قوانين أعمق وأشد حزماً، كما تترسّخ كثقافة عامة تعم كل الشعوب لكي يكون عنوانها السلام وليس الحرب، والمحبّة بدل الكراهية، والتسامح بدل الأحقاد.