تلويح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلغاء اتفاق باريس الاقتصادي، بل وكل ما يرتبط بالعلاقات مع إسرائيل، وإن كان غير جديد، إلا أن صدوره من عباس خلال زيارة موسكو يبدو أكثر أهمية من صدوره خلال اجتماع لإحدى الهيئات الفلسطينية.
ربما لا يعرف الكثيرون شيئاً عن اتفاق باريس الاقتصادي الذي وقّعته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في سبتمبر من العام 1994 على هامش اتفاق أوسلو، ذلك أن الاتفاق الأخير خطف الأضواء وغطى على ما سواه. لكن اتفاق باريس يفرض على السلطة الفلسطينية الاستيراد من مصر والأردن فقط، وحتى الاستيراد المتاح يخضع لشروط وقيود إسرائيلية صارمة تبقي الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لاقتصاد الاحتلال وخاضعاً له.
في الفترة الأخيرة، وفي ضوء تعثّر عملية السلام وانحرافها عن إعلان المبادئ المتفق عليه في أوسلو، وفي ظل الانتهاكات الإسرائيلية، دأب مسؤولون فلسطينيون على التهديد مرة بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال ومرات بإلغاء الاتفاقات وحل السلطة نفسها. ليس واضحاً للمتابع العربي ما الذي يمكن أن يترتّب على مثل هذه الخطوات في حال تنفيذها، فضلاً عن إمكانية فهم جدوى التهديدات أصلاً. لكن ما هو واضح أن أي قول أو فعل فلسطيني سيبقى دائراً في حلقة مفرّغة طالما ظل الانقسام الفلسطيني سيّد الموقف حتى أصبح متربّعاً على رأس الثوابت الفلسطينية أو ما بقي منها.
يدرك كل مراقب في الكون أن عملية السلام فشلت، أو أفشلتها إسرائيل، وليس أدل على ذلك من أن عمرها الآن بلغ ربع قرن باعتبار أنها ولدت في مؤتمر مدريد عام 1991، في حين أن أي قضية أساسية لم تحل بعد، فلا المستوطنات أزيلت ولا الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس أقيمت، ولا اللاجئون عادوا إلى ديارهم. في ضوء هذا الواقع، ليس لأحد أن يقدّم وصفة سحرية للفلسطينيين، لكن على نحو عام، يمكن القول إن منطق التاريخ وبديهية الأشياء لا تتيح مخرجاً لا يبدأ بوحدة الفلسطينيين والتقائهم وصياغتهم استراتيجية موحّدة سواء للسلم أو الحرب.