تغلي المنطقة بالتوتّرات الأمنية التي أفرزتها التحوّلات السياسية في بعض دولها، ما أنتج واقعاً مضطرباً وجد فيه الإرهاب ملاذاً ومأوى لتنفيذ أجندته التي لا تمت إلى الدين ولا الأخلاق بصلة، فمن مصر إلى سوريا وتونس وما جاورها، والعراق المثخن بجراحات التشرذم والانقسام، إلى اليمن الجريح، ثمّ رأس الفوضى ليبيا، التي وجد فيها المتطرّفون داراً يستطاب مقامها لتفريخ أعداء الحياة وتصديرهم إلى الإقليم بكامله، لا سيّما الجوار غير المستقر.

نعم، تظل الأوضاع في ليبيا رأس رمح الاضطراب الأمني في المنطقة دون منازع، في ظل الصراع الدامي بين حكومتين، إحداهما منتخبة ومعترف بها دولياً، فيما الأخرى مزيج من المتطرّفين ورعاة أفكار الظلام، نزاعٌ دامٍ أدخل البلاد متاهات الفوضى، وجعلها عاصمة للإرهاب، ومركزاً للتطرّف، ومسرحاً فوضوياً تجد فيه جماعات إرهابية من الطراز فوق الرفيع، مثل تنظيم «داعش»، الذي قضّ مضاجع العالم، ولا يزال ملاذاً آمناً يضمن لها تأثيراً أكبر.

ولعل المفارقة المثيرة للحيرة حقّاً، تناقض موقف المجتمع الدولي، فمن جهة، كوّن تحالفاً كبيراً سخّر له كل الإمكانات لمحاربة الإرهاب، لا سيّما تنظيم «داعش»، والقضاء عليه، ومن الأخرى، يترك ليبيا لقمة سائغة يتخذها التنظيم قاعدة ربما في التمدّد إلى الجوار، لا سيّما سيناء بعد أن ضاق عليه الخناق في كلٍ من سوريا والعراق..

وهذا ملف لا يجب تركه ولا التراخي بشأنه، خصوصاً أن الإرهاب يكبر يوماً بعد يوم، بما يؤدي إلى تدمير الشعوب وخراب الدول، على مسمع ومرأى العالم الذي يتفرج بشبه حياد، فلا هو يرضى عما يحدث، ولا هو يبذل جهداً لوقف هذا الانهيار، الذي لن يقف عند حدود المنطقة، بل يشكل بمجمله خطراً على العالم، وقيمة الإنسان فيه، وهذه هي القيمة الكبرى المهددة وسط هذا الاقتتال.

يبقى نزع فتيل النزاع في ليبيا أولوية قصوى، يجب العمل على تحقيقها بأي ثمن كان، بما يعيد ضبط أوتار الأمن الإقليمي المنفلتة، إذ يبقى الحوار الذي يجهز له أنجع السبل لتحقيق الهدف، في ظل صعوبة الحسم الميداني، حتى تخرج ليبيا من معادلة الإرهاب في المنطقة، كخطوة جوهرية في طريق القضاء عليه وسحقه.