لا يجدر بالمرء أن يتعامل مع العلاقات بين الدول الكبرى باعتبارها شأناً خارجياً، لأنها بشكل أو بآخر تندرج في صميم الأوضاع الداخلية للدول. وعندما نتحدّث عن روسيا والولايات المتحدة، فإن الحديث يدور هنا عن قوتين تمسكان بالمجرى التنفسي للعالم، مع دور أقل لدول أخرى، بعضها عضو دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي.

هيلاري كلينتون تحدّثت ذات يوم من عام 2009 عن ضرورة الانطلاق بالعلاقات بين أميركا وروسيا من الصفر، على قاعدة بدء حقبة جديدة لعالم جديد. لكن هذا الشعار ذاب في مياه الخلافات المتدفقة بين الدولتين على ملفات بدأت بالدرع الصاروخية، ولن تنتهي بأوكرانيا مروراً بليبيا وسوريا.

ما نشهده اليوم بعد خمس سنوات على حديث كلنتون، هو الفتور المخيم على العلاقات بين موسكو والغرب الذي يجد نفسه متخبّطاً وفي حيرة من أمره إزاء كيفية التعامل مع فلاديمير بوتين، المصمّم على دفن تركة بوريس يلتسين واستعادة هيبة روسيا.

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا من جهة أخرى، يتبادلون الاتهامات بشأن ما يجري في أوكرانيا، ولا نبالغ إذا قلنا إن المفردات المستخدمة في إدارة الصراع المتجدّد، ليست جديدة بل مستنسخة من الحرب الباردة التي سادت لعقود إبان العهد السوفييتي، بعد حربين عالميتين مدمّرتين.

في هذا الصدد، قد يفيد الاستماع إلى محللين موضوعيين ودبلوماسيين سابقين، أكثر من أشخاص في مواقع السلطة محكومين باعتبارات مسبقة وخلفيات سياسية واقتصادية ولوبيّات ومطابخ خفيّة.

 فعلى سبيل المثال، لا يمكن تجاهل موقف خبير مخضرم مثل هنري كيسنجر، الذي نصح الولايات المتحدة بأن تترك لروسيا إمكانية لإيجاد مكانة لها في صفوف الأسرة الدولية، حيث هي مدعوة للعب دور أساسي في إدارة دفّة العالم.

وكثيرون في الغرب يرفعون الصوت محذّرين بأن العالم لم يعد يحتمل النزق والمصالح الضيقة، ولهذا يكرّرون القول إن الاعتراف المتبادل بمكانة الدول الكبرى، يرسي أسساً أكثر منطقية للحفاظ على أمن العالم، وتجنّب التسخين الذي قد يفضي لصدام يخرج كل شيء عن السيطرة.