عندما يتحول ستون إنساناً إلى شظايا في رمشة عين، داخل مسجد في باكستان أو داخل سوق شعبي كما في غيرها، فإن في الأمر كل شيء إلا الدين والأخلاق والحد الأدنى من مواصفات البشر.
دم بهذا الوضوح لا يحتاج إلى معجم أو ستوديو تحليلي لكي يقول لنا، إن الإرهاب لا دين ولا هوية ولا جنسية له. إنه الإجرام الذي يتحدث عن نفسه بوضوح وبلا مواربة، وهو يهدف لإيصالنا إلى نقطة نتمنى معها أن نحتكم حتى إلى شريعة الغاب، باعتبارها أكثر رحمة ولها منطقها ومبرراتها.
المؤسف أكثر أن تجري عمليات الذبح الجماعي للبشر، سواء بالسكاكين أو القنابل والمفخخات، باسم الإسلام وتحت راية «الله أكبر»، مع أنه حتى الأمّي ثقافياً ودينياً، يعرف أن الإسلام دين سماحة وسلام، وهو يرفع من شأن الإنسان ويعلي من مكانته، ولذلك وضع أحكاماً صارمة حتى لذبح الدجاج، إذ يمنع ذبح دجاجة أمام أخرى، وحرص على عدم تعذيب الذبيحة.
بعض المحللين يغوصون في بعض التحليلات التي تصب في خانة التبرير، بقصد أو من دون قصد، فيذهبون تارة باتجاه الفقر وتارة باتجاه التخلف، وثالثة باتجاه غياب الحريات وكثير من الأعذار التبريرية، لكن من الواضح أن الإرهاب المنتشر على نحو منظم ومتزامن وبهذه الإمكانات الضخمة، يتجاوز كونه رد فعل على أي شيء.
الفقر لا يحول الإنسان السوي إلى مجرم وقاتل أبرياء، والجهل لا ينزع الرحمة من القلوب، وغياب الحريات لا يعني ترجمة الحرية بإطلاق يد الذبح والتدمير العشوائي لكل شيء؛ الإنسان والتاريخ والحضارة والمستقبل.
الواضح أن الإسلام نفسه يتعرض للتدمير بأيدي جماعات تستغل اسمه ورايته، لتمرير هذه المؤامرة الأخطر على هذا الدين الحنيف، منذ ظهوره قبل أربعة عشر قرناً، قبل أن تكون مؤامرة على الدول والكيانات الوطنية، بما تمثله من نسيج مجتمعات ووحدة شعوب ومؤسسات. وهذا يعني أن الدول المعنية، ونعتقد أن كل العالم معني، عليها مضاعفة الجهد في مواجهة هذا الوباء القاتل، بالتربية أولاً، وبتجفيف منابعه قبل أن يستفحل ويصبح لغة العصر.