كما كانت مهداً لانطلاق ثورات «الربيع العربي» في المنطقة، مازالت تونس تشكل في نظر الكثيرين نبراساً للانتقال الديمقراطي السلمي، دون أن تنجرّ إلى موجات العنف والفوضى التي تحاول المساس باستقرارها، كغيرها من الدول.
وفي اقتراع جديد للديمقراطية، يمثل أول انتخابات رئاسية حرة وتعددية في تاريخ البلاد، التي حكمها منذ أكثر من نصف قرن رئيسان فقط هما الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، خرج التونسيون أول من أمس لاختيار رئيس جديد للبلاد بإقبال جيد ومشرّف، ودون وقوع أي حوادث عنف.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على نهاية حكم الحزب الواحد في عهد بن علي، أصبحت تونس نموذجاً للتحول في المنطقة، من خلال وضع دستور جديد، واتباع سياسة التوافق، وتفادي الاضطرابات التي تواجه جيرانها.
وتشير استطلاعات الرأي وتسريبات النتائج الأولية للاستحقاق إلى اتجاه تونس نحو دورة ثانية في انتخاباتها الرئاسية التاريخية، سيتنافس فيها الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي ورئيس حزب نداء تونس الباجي قايد السبسي، الذي أعلن تقدمه على منافسه دون تحقيق أغلبية مطلقة.
ومع ذلك فإن إجراء الاستحقاق في حد ذاته وفي أجواء من الهدوء والسلمية والشفافية، يعكس رغبة التونسيين جميعاً في تحقيق انتقال ديمقراطي وسلمي للسلطة، ينهي تماماً حقبة الإخوان المسلمين، الذين صعدوا إلى سدة الحكم بعد إطاحة بن علي.
وهذا الانتقال يمهد لبدء مرحلة جديدة من مراحل استكمال المنظومة الديمقراطية المبنية على الاختيار الحر، وبما يخرج البلاد من بوتقة عنف الجماعات المسلحة التي تتربص بها، وتنفذ بين الحين والآخر هجمات تستهدف بالأساس قوى الأمن والجيش.
وتبقى صناديق الاقتراع وحدها، سواء في الجولة الأولى أو الثانية المرتقبة للاستحقاق الرئاسي، هي الحل الأمثل لدفع تونس نحو مرحلة جديدة من تاريخها، تعزز استقرارها الذي يسعى البعض إلى زعزعته، خدمة لأهداف أطراف إقليمية أو دولية لا تهمها مصالح التونسيين.