يصعب توصيف ما آلت إليه الأمور ليبيا اليوم من دمار، فالفوضى أنهكت الليبيين، والصراعات الجهوية والإيديولوجية بين الميلشيات باتت أدهى من القبضة الأمنية والحكم الدكتاتوري السابق، حيث عجزت النخب من التوصل إلى توافق حول مصير ليبيا التي تتقاذفها أمواج المليشيات صاحبة الأفق الضيق والفكر الإقصائي المتطرف.

ولا يخلو يوم من ورود أنباء عن اشتباكات وسقوط ضحايا لجرائم بعض الكتائب المسلحة التي تريد فرض معتقداتها ورغباتها على شعب ليبيا بقوة السلاح والإرهاب، ما أدى خلال الأيام الماضية إلى سقوط عشرات القتلى ونزوح الآلاف من بنغازي وطرابلس خوفاً على حياتهم.

ليبيا لم تنضج فيها ظروف التغيير، ولم تتوافر متطلباته، لهذا كانت النتائج ما نشاهده من فوضى وغياب السلطة، وقد تحتاج إلى زمن طويل، حتى تصل إلى شاطئ الأمان، حيث إن الصراع العسكري بلغ أشده، في ظل غياب دولة القانون في بلد يتكئ على كم هائل من السلاح المليشيوي، الذي يمنع كل من يريد إعادة بناء الوطن بأسس جديدة. ولا تعدو كونها إذعاناً مريباً لإيعاز ذوي المصالح لتمديد عمر الأزمة، ودون مراعاة لحجم المأساة التي ستلحق الشعب الليبي جراء هذه الفوضى.

وإن لم تتفق جميع الأطراف فيها وتصل إلى تفاهم مشترك لإقامة دولة موحدة، يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون، فسيكون انقسامُ ليبيا أحد أبرز نتائجها المريرة، فضلاً عن دخول البلد في حرب أهلية، فعلى الشعب الذي قاد الثورة ضد الاستبداد، الإصرار على إعادة بناء مؤسساتهم الجديدة التي تتناسب مع تضحياتهم وطموحاتهم في دولة متماسكة تلتزم القانون والحريات.

وإذا لم يتم وضع خطة مناسبة لبناء جيش ليبي موحّد، وانضواء كل الميليشيات تحت لوائه، سيكون هذا البلد خزاناً لتصدير المشكلات إلى دول الجوار، التي ما فتئت تدق ناقوس الخطر حول انتشار السلاح الليبي في المنطقة، ووقوعه في أيدي الجماعات الإرهابية المتطرِّفة في الصحراء.