ما يجرى الآن على أرض ليبيا هو شرارة البداية للحريق الكبير الذي سيلتهم كل شيء، ويحول البلد كله إلى ركام من الدمار الرهيب، ما لم يتم عاجلاً تحقيق التوافق السياسي للخروج من الفوضى، وتفويت الفرصة على بعض الدول الغربية التي تراهن على التعفين السياسي في المنطقة لحصد المكاسب.
سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، استعادة الاستقرار في ليبيا، وبناء هيكل أمني موحّد من دون إجراء مصالحة سياسية شاملة، والحل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ ليبيا مما تتخبط فيه الآن، هو بناء توافق وطني ومؤسسات تقيم قوة عسكرية موحدة تنزع السلاح وتفرض الأمن، وخلق توافق وطني لن تكون مهمة سهلة. ولكن ينبغي فهم أن هذا المسار يستوجب على الجميع تقديم تنازلات كافية، ينشئ مناخاً مناسباً للتفاهمات وتطبيقها، والتحرك منها إلى خطوات كبيرة تقي بلادهم من التدخلات الأجنبية.
العنف في ليبيا في جوهره شأن محلي، وهو نابع من شبكات المحسوبية المتجذّرة التي تقاتل من أجل المال والسلطة السياسية، وهو ما يستدعي بعث الحوار الداخلي بعيداً عن أحضان الأجندات الإقليمية أو الدولية. وهذا هو ضمانة النجاح، فالتدخل الخارجي من شأنه يعزز الانقسام الداخلي في ليبيا، ويمكن أن يسهم في إطالة عمر الأزمة لاستنزاف كل موارد هذا البلد.
لا يمكن أن يتحقق الاستقرار الأمني المنشود في ليبيا من خلال المناشدة والمطالبة وانتظار صحوة الضمير فقط، وإنما عبر الضغط الشعبي المستمر الذي يرفض الانقسام والتشظي، مع تكريس أهم قاعدة للتصالح السياسي، وهي التسليم لنتائج صناديق الاقتراع.
وإن كانت هناك نية حقيقية لبناء دولة قوية، يجب أن تعتمد على القيم الأخلاقية للمواطنين في وحدة الصف، وبعث روح التسامح بين كل فئات المجتمع، ثم تقوية جميع جوانب الدولة بتكريس دولة القانون في كل مجالات الحياة لبناء ليبيا جديدة، شعارها القانون فوق الجميع.