بنجاح الجيش الليبي تدريجياً في تحرير مدينة بنغازي من سطوة الميليشيات، في انتظار استرجاع العاصمة طرابلس، فقد بدأت دولة القانون تتجسد في بلد عمر المختار، بعد سنوات من الفوضى غير الخلاقة منذ تحرير ليبيا من قبضة نظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتمكنت الحكومة من اجتياز خطوات مهمة، كالانتخابات وإعادة تشغيل قطاع النفط، وإصلاح ما أمكن من البنى التحتية.

لكن انتشار السلاح العشوائي لايزال حجر عثرة أمام عودة الحياة إلى طبيعتها، وإن كان الانتصار العسكري الأخير في بنغازي من شأنه أن يفضح أدوار الميليشيات المسلحة، التي لاتزال تقوم بها خلف الكواليس والمرتبطة بالعامل الخارجي الذي يسعى للحفاظ على مكتسباته في ليبيا، من خلال إبقاء الوضع يراوح مكانه أسيرا للفوضى الأمنية، وللصراعات والحروب الأهلية التي تلتهم الأخضر واليابس.

لقد سبق أن جرت عدة محاولات لإطلاق حوار جاد مع الميليشيات للسيطرة على الوضع الأمنى، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة، فكان لا بد من مواجهة هذه الميليشيات بعد أن شهرت سلاحها وعصيانها ورفضها للدولة ولخيار الشعب الليبي في بناء دولة مدنية ديمقراطية، فضلاً عن سعار اللهفة للثروة والنفوذ وحب السيطرة الذي دفعها للجوء إلى العنف على حساب المصلحة الوطنية.

وفي ظل معركة استرجاع ليبيا وتكريس دولة القانون، فقد حان الوقت لإشراك جميع الليبيين في وضع مستقبل بلادهم، بعد مشاركتهم إلى جانب الجيش في تحرير مدينة بنغازي مهد الثورة الليبية، وقد أصبح من الضروري تجاوز خطاب الانقسام والكراهية، وتغليب صوت العقل ونبذ كل أساليب العنف واستخدام القوة، والبحث عن سبل وآليات التوافق المجتمعي الذي يسمح للحكومة الليبية ببسط سيطرتها على الوضع وبناء المؤسسات، خاصة بعد انتخاب برلمان جديد بصفة دائمة.

ولابد من الإجماع الوطني على جملة الثوابت الأساسية التي تنطلق من المصلحة العليا للشعب الليبي، والتي تضمن الاستقرار وتحول دون تبديد الجهود والطاقات وتضييع الأوقات، من خلال توافق اجتماعي يحظى بإجماع الليبيين ويقي بلدهم من شبح التقسيم والتدخل الخارجي.