عندما تقول دولة بحجم روسيا، إنها تعوّل على دور مصر في الأسرة العربية، فإن هذا الكلام يتجاوز رتابة الدبلوماسية وتبادلية المجاملات المنتهجة في كثير من الأحيان في العلاقات الدولية. صحيح أن موسكو لم تربط تصريحها بمؤتمر إعمار غزة المنعقد في القاهرة، لكن صدور الموقف في يوم المؤتمر نفسه يتناغم مع ربط موضوعي.

التصريح الروسي يستند لحقائق التاريخ ولا يكتفي بالجغرافيا، إذ إن مصر ليست مجرّد جارة لفلسطين من جهة قطاع غزة، الذي حمل هذا الاسم من عضوية العلاقة مع مصر، لأن منطقة غزة كانت واحداً من القطاعات المصرية قبل العدوان الإسرائيلي سنة 1967، ومازالت تتقاطع مع مصر ثقافياً وحتى في مناهج التعليم، فضلاً عن تداخلات الاقتصاد والعمل والمصاهرة.

هذه المعطيات التاريخية الراسخة والدائمة، هي ما يفسّر تبني مصر للهم الفلسطيني حتى في ذروة انشغالها بهمومها الذاتية، وما يفسّر أيضاً اختيار القاهرة لاستضافة المؤتمر الدولي لإعمار غزة، وهذا الحشد الدولي تحت سقف المؤتمر، بمعزل عن الآمال والتوقّعات المعلّقة عليه، والنتائج التي ستنبثق منه، بل إن هذه المعطيات هي التي تجعل الفلسطينيين على اختلافهم يتّفقون على أهمية ومحورية دور مصر إزاء القضية الفلسطينية وكل القضايا العربية.

ليست غزة وحدها، بل إن أبناء الأمة العربية والأمة الإسلامية وأفريقيا تراقب بحرص وإخلاص شاشة تخطيط القلب المصري ونبضاته، ولا شك في أن مصير الجسد العربي كلّه متعلّق بسلامة هذا القلب. ولا يساور أي متابع موضوعي لمسار التاريخ، شك في أن مصر عائدة لقيادة أمة تتعلّق بها بشغاف القلب ومشابك الآمال ووعي الضرورة وفطرية الرضاعة من حليب الأم.

إذاً، المسألة ليست عاطفية أو رومانسية بقدر ما هي تعاط واقعي مع حقائق راسخة، ومع مراعاة ضرورية للمصلحة الوطنية والقومية، وبالتأكيد مع مصير أمة كاملة، تنام إن نامت مصر وتستيقظ إن استيقظت مصر، تمرض إن مرضت مصر، وتتعافى إن تعافت مصر.