لا يدرك كثيرون الإحساس الحقيقي الذي يتملّك أهل غزة وهم يترقّبون المؤتمر الدولي للمانحين المنطلق في القاهرة غداً بمشاركة دولية وازنة، كما حصل في مؤتمرات سابقة حملت نفس العنوان. وإذا كان من الأهمية بمكان ترك النتائج الحقيقية لكي يتحدث عنها المؤتمر نفسه، فإن كلاماً في السياق جدير بالإضاءة عليه، لأن المسألة ليست مجرد مشهد لدمار يحتاج إعادة إعمار.
واشنطن تتحدّث عن ضرورة مشاركة إسرائيل في إعادة إعمار غزة المدمرة جراء العدوان الأخير. هذا الكلام يعكس رعونة التبني الأميركي للعدوان نفسه استناداً للأسطوانة المشروخة عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، باعتبار أنها تواجه جيش «جمهورية غزة العظمى».
فهل يمكن التعويل على القوة التي تمارس التدمير المنهجي بأن تتحوّل إلى قوة بناء؟. المنطق الأميركي يعني أن واشنطن لا تنظر لإسرائيل كما تنظر إليها غالبية شعوب الأرض، باعتبارها قوة قائمة على الاحتلال والاستعمار الاستيطاني التوسّعي والعنصري، حتى لو نجح الاختلال الناشئ في ميزان القوى الدولي في شطب هذا التوصيف من قاموس الأمم المتحدة.
لا يمكن لإسرائيل أن تتولى وظيفتين متضادتين، التدمير والهدم، إلا في حالة واحدة تتمثّل في محاكمة دولية تدينها وتفرض عليها التعويض وإعادة إعمار ما دمّرته، ليس في غزة فحسب بل أيضاً في غيرها من المناطق الفلسطينية التي تعرّضت مراراً للاجتياحات والجرائم بحق البشر والشجر والحجر.
في كل الأحوال، يمكن تنحية هذه الاعتبارات جانباً، على المدى المؤقّت، وتمنية النفس بنتائج إيجابية تصدر عن مؤتمر القاهرة تسد رمق جياع غزة وتؤوي آلاف المشرّدين وقد زحف الشتاء إليهم وهم في خيام أو في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
ويمكن كذلك دغدغة الآمال بأن يكون اجتماع حكومة الوفاق في غزة قبل يومين بداية ترميم للحالة الفلسطينية الداخلية على طريق تنفيذ اتفاقات المصالحة لوضع نهاية أخيرة للانقسام الذي ينافس الاحتلال من حيث القوة التدميرية إن لم يتفوّق عليها.