ليس واضحاً ما إذا كان إطلاق الحملة الانتخابية التشريعية في تونس بالتزامن مع أول أيام عيد الأضحى، توقيتاً مقصوداً منه الاحتفاء بالعيد والعرس الديمقراطي في آن أم شيئاً آخر، لكن حتى لو لم يكن التوقيت مقصوداً، فإن المصادفات تحمل أحياناً دلالات لا تقل أهمية ومغزى.

في هذه يمكن القول، إن تونس توجّه رسالة متعددة الغايات، أهمها أن شعب هذا البلد لن يقدّم مستقبله أضحية على مذبح الفوضى الهدّامة.

إذا كان لأحد أن يقارن بين تونس ومصر من جهة، ودول اشتعلت شوارعها بنيران متداخلة الأهداف، فإن تونس، ومن ثم مصر تبدوان تجربتين في ضفة واحدة مقابلة لغيرهما، سواء من حيث الآليات الانتقالية للتجربتين مقابل الفوضى وركوب المتطفّلين والإرهابيين استحقاقاً ضرورياً ومشروعاً للتغيير، أو من حيث الثمن المدفوع من أجل هذا التغيير.

صحيح أن بعض الدماء تراق في مصر، وبخاصة في سيناء، لكن هذا ليس جديداً، بل سبق انتفاضة 25 يناير 2011 بوقت طويل، مع ملاحظة أن الضبط الأمني بدأ إيقاعه يرتفع، والهدوء أصبح أكثر تسيّداً على محاولات يائسة من قوى الجذب للخلف.

الحالة شبيهة في تونس، حيث إن الاضطرابات الأمنية محدودة وضمن منسوب لا يشذ عما تشهده عشرات الدول في العالم، كما أنها حاصلة في مناطق نائية، وهي بذلك مع صعوبات أخرى لم تتمكن، كما في مصر، من ضرب بنية الدولة ومؤسساتها.

عندما تدرج أنهار من الدم في قالب التفسير الانتقالي للمشهدين السياسي والميداني، فهذه سخرية من التاريخ، أما حين يتناول البحث مشهداً تشوبه بعض التشوّهات الناجمة عن طزاجة الانتقال، فالأمر يكون مفهوماً.

من هنا يكون وجود ما يزيد على ألف قائمة وسبعين مرشّحاً للانتخابات مؤشّراً على انفلات ديمقراطي، لكنه مهضوم ومتّفق من منطق الانتقالية المؤدية لمنسوب استقرار تقل تعرّجاته رويداً رويداً مع نضوج التجربة.