قادة جنوب السودان إذ يحددون محاور ومحددات للوساطة الأفريقية الرامية إلى حل الأزمة في دولتهم الناشئة، أقرب ما تكون إلى الهروب من المعالجة الحقيقية، التي يفترض أن تقوم على التشخيص الدقيق والمراجعة الضرورية للتجربة برمتها. الأزمات الكبرى بحاجة إلى معالجات بحجمها، والمعالجات تبدأ بالمراجعة التشخيصية، وليس بالطرق الالتفافية والهروب وتدوير الزوايا.

إعادة تسمية دولة جنوب السودان بإضافة «الفيدرالية» لا يضيف شيئاً، وإلا للجأت كل الدول الصغيرة لإضافة وصف «العظمى» أو حوّلت نفسها إلى «مدن فاضلة»، كما أن الفدرلة لها شروطها التاريخية ومضامينها الاجتماعية قبل السياسية.

ولا يخرج عن هذا السياق تغيير اسم الجيش الشعبي إلى «القوات المسلحة»، أو هيكلة القوات الحكومية وتحديد نسب مئوية لتشكيل الجيش والأجهزة، من دون أن يصار إلى إعادة تشكيل الوعي ونسف الولاءات غير القائمة على المواطنة ساقاً وفروعاً. وإذا لم تتغيّر البنى المجتمعية في المضامين، فإن الجوهر ستظهره الوقائع.

صحيح أن إعادة تشكيل الوعي والمضامين عملية تاريخية لا تتم بعصا سحرية، لكن الصحيح أيضاً أن العملية التاريخية يجب أن تبدأ لكي تتحقق.

ومن الواضح أن قادة جنوب السودان ذوي التكوين العسكري، لا يمتلكون المقومات الفكرية والثقافية التي تقود إلى معالجة أزمات بات واضحاً أنها أكبر بكثير من مجرّد الانفصال عن السودان، ذلك أن ما بعد الانفصال لم يشهد معالجة أية مشكلة مما كان قائماً قبله، بل إن الأزمات تفاقمت وقتل الناس وتشريدهم أصبحا ظاهرة مزمنة، تضاف إلى صراع على السلطة خارج منطق الخلاف على إنقاذ وطن وشعب ومستقبل.

وحتى يبنى على الشيء مقتضاه، لا بد من قراءته على حقيقته، فحين تحدّث رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير قبل عامين عن 75 مسؤولاً كبيراً سرقوا 4 مليارات دولار، وهرّبوها خارج البلاد، وطالبهم بإعادتها، كان يفترض أن يلمس المواطن الجنوب سوداني بعد ذلك جدية في متابعة الملف، لكن ما جرى هو إقفال الملف، بحيث يفهم أن الآليات لم تتغيّر، مثلما فهم قبل ذلك أن دعم إسرائيل للانفصال لم يكن سوى مصلحة إسرائيلية.