لا تزال ليبيا تعاني من مرحلة انتقالية صعبة ومرتبكة دون إحراز خطوات ملموسة لبناء دولة المؤسسات والقانون، وتلبية تطلعات الشعب، ويبدو أن الرهان على إجراء استفتاء حول الدستور من شأنه وضع قطار ليبيا على سكته بالعمل على إيجاد آلية لإنهاء فوضى السلاح التي تعم البلاد، وتجريد المليشيات المسلحة من ترساناتها.

الشعب عرف مرحلة الهدم والانتصار مع إسقاط الزعيم الراحل معمر القذافي، وهذه المرحلة لم تكن محل خلاف، بيد أن الأصعب هو مرحلة بناء الأسس ومواجهة ارتهان المشهد السياسي لقوة السلاح الذي تمتلكه كل القوى المتصارعة. التابعة بعضها لأجندات داخلية وأخرى خارجية تجعل من مصلحة ليبيا وأمن شعبها آخر الاعتبارات في ظل غياب شبه تام لسلطة الدولة.

وتكمن حقيقة المأزق الليبي في غياب جهة فاعلة تحظى بالإجماع، ولها القدرة على فرض حلول يقبلها الجميع، كما يوجد في المجتمع الليبي نقص تام للمؤسسات التي يتوجب عليها القيام بوضع خطة لبناء مجتمع جديد، فمهما كان الدستور المرتقب مرتباً ومنظماً وشاملاً لكل مطالب الشعب، إلا أنه وحده لا يمكن أن يُلبي رغبات وأماني الشعب بل يجب أن تكون هناك مؤسسات تنفيذية وتشريعية قوية قادرة على تطبيق بنود الدستور.

وفي ظل انعدام سلطة مؤسسات الدولة، وجد الليبيون أنفسهم يسيرون في النفق نفسه الذي حفره القذافي بالاعتماد على نظام القبيلة دون المؤسسات، وإلا ينكر الجميع الدور الإيجابي الذي لعبته القبائل في تحقيق الوساطة لوقف الاشتباكات إلا أنه لا بد أن يتوقف الدور السياسي للقبيلة وأن ترجع إلى الدور الاجتماعي، لأن التوجه الديمقراطي يجب أن يكون للمؤسسات.

ويبدو أن نجاح نواب المؤتمر الوطني الليبي الجديد في عقد جلساتهم في طبرق يعد بمثابة اختراق سياسي، قد يمهّد لتحقيق خطوات سياسية مقبلة على طريق بناء مؤسسات الدولة الليبية. فالبرلمان قادر من خلال الدستور الجديد على مواجهة العنف بالقانون.