ليبيا اليوم تنزف على أيدي من أسموا أنفسهم بالأمس ثواراً واليوم صاروا أعداء الليبيين، المتأمل في المشهد السياسي الليبي الآن يجد أن الصوت الوحيد المسموع هو صوت السلاح، فالعنف أصبح يهدد الجميع دون استثناء، ولم يعد هناك أحد بمنأى عنه، ما يؤجل عودة ليبيا إلى حالة الاستقرار المنشود واستكمال بناء مؤسسات الدولة المدنية التي ثار الليبيون للإطاحة بالزعيم الراحل معمر القذافي من أجلها.

ما يحدث في ليبيا هي عملية تدمير شامل للدولة وتمزيق شامل للنسيج الاجتماعي في هذا البلد، كلما تأخرت الحلول وإيجاد حكومة قوية يتوافق عليها الجميع وجيش وشرطة تتمكن من ضبط البلاد، زادت الفوضى والفتن وبُددت خيرات البلاد وزاد خطر تفتيت البلاد إلى دويلات.

حيث إن الصراع يتحول يوماً بعد يوم إلى صراع هويات صغيرة، وهذا أخطر ما يهدد الهوية الوطنية للشعب الليبي وأمنه واستقراره، فالحالة الراهنة تؤكد أن الإجراءات التي اتخذت على الأرض، والتي قيل إنها تمهد لقيام الدولة لا تملك أية قابلية للاستمرار.

استمرار حالة الانفلات الأمني في هذه البلد سيغرقها في بحر من الدماء ولن يكون هناك منتصر ولا مهزوم فالكل مهزومون. وليس من المعقول أن يهاجر أكثر من نصف الشعب ويتركوا ديارهم إلى المجهول.

لذلك فقد حان الوقت للمساعدة على إنشاء ليبيا قابلةٍ للحياة سياسياً ومستقرةٍ، وهذه المساعدة تشترك فيها المنطقة العربية بإيجاد نموذج مناسب يحقق الاستقـرار والأمان والتوجـه للإعمار والبناء، بدل الحرب والدمار.

إن الوضع المأساوي الذي تعيشه ليبيا يستدعي تدخل الشرفاء لتكثيف الجهود لإنقاذ هذا البلد من التدخل الأجنبي، فهو بوابة إفريقيا والمستقبل والتي تتهافت عليها الآن الكيانات العظمى في صراع خفي على ثرواته النفطية.

وتبقى مهمة الحفاظ على وحدة ليبيا وإعادة الاستقرار إلى ربوعها، مهمة صعبة تتطلب الكثير من الجهد والعمل والتعاون المثمر والبناء بين أطراف العملية السياسية الداخلية، بمساعدة المخلصين من العرب لتجاوز هذه المحنة.