بعدما تلاشى دخان الحرب وسكنت أغبرة الأنقاض الساقطة في غزة، فإن العامل الحاسم في الحفاظ على ما حققه سكان غزة من صمود، هو المحافظة على صلابة الموقف الفلسطيني الموحد، وعدم السماح لأي جهة بكسر هذه الوحدة. إن كان أكثر ما يميز التفاوض الأخير عقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أن فلسطين كانت ممثلة فيه بوفد موحد، يتحدث باسم الشعب الفلسطيني، ويحمل على كاهله متطلبات وطموحات هذا الشعب، فإن ما حدث يمثل محطة فاصلة في تاريخ النضال الفلسطيني.
حيث واجهت غزة هذا العدوان بتماسك المجتمع الفلسطيني وتعزيز وحدته حيثما وجد، على المستويين الشعبي والرسمي، ونتيجة لهذه الوحدة تلاشى الهدف الاستراتيجي للحكومة الإسرائيلية بإبقاء الفلسطينيين منقسمين، إذ كان ذلك حجر الزاوية في استراتيجية استهدفت الحيلولة دون ولادة انسجام فلسطيني.
إن الأولوية الفلسطينية القصوى الآن هي تعزيز الوحدة الوطنية باستكمال عاجل لتنفيذ كل ملفات المصالحة، فالحرب على غزة ونجاح الوحدة الفلسطينية، يجب أن يكونا دافعاً لإعادة النظر في الأهداف الخاصة بالتحرير وفي الاستراتيجيات والتكتيكات الفلسطينية. فالقضية الفلسطينية أكبر من كل الصراعات الجانبية والمصالح الضيقة، ومهما كان الصراع محتدماً على من يستفيد ويستثمر نضال وتضحيات الشعب الفلسطيني، فإن مخزون التجربة الكفاحية أكدت أن بوصلة فلسطين لن تنتجه إلا نحو تحقيق الحقوق والثوابت الفلسطينية..
فوجود جبهة موحدة هو ضرورة ملحة للجهد الوطني الفلسطيني، ونجاح ذلك يتوقف على توحيد الأهداف والأولويات، ووضع خطة عمل واقعية لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني لرفع الحصار ووقف الاستيطان، والعمل على تحرير الوطن من الاحتلال الإسرائيلي. إن أهم سلاح يمكن للفلسطينيين أن يتسلحوا به، هو تعزيز وحدتهم، والخروج من تحت عباءات أولئك الذين يريدون انتزاع الورقة الفلسطينية لخدمة مصالحهم، ومن واجب القيادات السياسية إعادة تقييم آليات العمل الوطني الداخلي..
وعدم العودة للانقسام أو التنصل من المسؤوليات، لأن ما تحقق هو إنجاز سيكون فاتحة إنجازات أخرى لاسترداد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويعزز الشرعية الفلسطينية، ويحقق التقدم على الصعد الدولية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، إذا اتحدت الجهود وتوحدت الأهداف.