لا شك أن أسباب انهيار الوضع الأمني في العراق ترتبط مباشرة بتعثر التوافق السياسي بين الفرقاء، وعدم توصلهم إلى مناخ موحد لإنقاذ العملية السياسية مما هي فيه اليوم، فالعراقيون كانوا يأملون تشكيل البرلمان الجديد للحكومة في القريب العاجل، وتوجيه رسالة طمأنة للخارج والداخل، بأنهم قادرون ومستعدون لتحمل المسؤولية والمهام الجسام، لكن تمسك كل طرف بمواقفه ومواقعه، خلق أجواء اعتاشت في ظلها المجموعات الإرهابية وتمكنت من تحقيق وجودها على الأرض.
هذا التصعيد المثير والانهيار الأمني، مرتبط بطبيعة المأزق السياسي الذي يصطنع له الكثيرون مطبات ومزالق وتعقيدات، فيهملون البحث عن الأسباب، وينشغلون بالمبررات عن حل الأزمة ونزع فتيلها. والكل متمسك بالعقلية الطائفية التي دفعت العراق إلى عين العاصفة المدمرة، ودخول حرب وجود مع »داعش«.
على شركاء العملية السياسية في العراق أن يفكروا في مصالح الشعب ومصير الوطن، وان يحولوا خلافاتهم للاقتراب من هموم الناس، والعمل على توزيع السلطة وفقاً لواقع المكونات العراقية، دون غبن أو إقصاء، وإنهاء الأزمة التي خلقتها ظروف سياسية استغلتها التنظيمات الإرهابية لتعزيز صفوفها والعمل على تقسيم العراق.
الجميع مشاركون في صناعة إنتاج الفشل السياسي، فكلهم مشارك في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية وبمسؤوليات مختلفة، لا سيما الملف الأمني، لهذا فالقادة السياسيون بحاجة إلى معالجة شاملة تبدأ بالنفس، ثم الجلوس على طاولة حوار يتعالى فيها على المصالح الشخصية والفئوية والطائفية، للخروج بمشروع وطني حقيقي.
ففي دولة العراق لا يقوم التفاهم والاتفاقات على القوانين وحدها، بل على توافق بين الأطراف بالدرجة الأساس، ومن هنا تنشأ الأزمات السياسية، لذلك فالوحدة في المواقف والتنازل عن رغبات السلطة، من أجل العراق ووحدته، عنصر مهم يحسب لمن يكون في مستوى المسؤولية، والتاريخ يسجل لمن يريد الحفاظ على مكتسبات العملية السياسية والحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً.