عاد النسر محلّقاً في فضاءاته الرحبة، قائداً استعاد موقعه الطليعي في المنطقة، بعد ثورتين أهدرتا ثلاث سنوات من عمره في الفوضى والاضطراب، إلى أن هيأ له القدر تصحيح المسار المعوج، قوّم «يناير» بـ«يونيو» واستبدل بـ«الأخونة» دولة مدنية، وها هو يجني ثمار التغيير عودة إلى أحضان الإقليم الذي التبس عليه مفهوم التطوّرات حيناً، لكنه استدرك قراءته غير المصيبة فأرجع مصر إلى موقعها الرائد في الاتحاد الإفريقي.
لم يكن من قبيل الصدفة أن تستعيد مصر ما فقدته بعد التغيير السياسي الشامل، الذي طالها كواحدة من دول الإقليم التي هبّت عليها رياح التغيير أو ما اصطلح على تسميته «الربيع العربي». لقد بذلت الدبلوماسية المصرية جهوداً مضنية وعملاً جباراً، يستحق أن ترفع له القبعة لما صحّح من مفاهيم مغلوطة عمّا حدث في مصر منذ الثلاثين من يونيو 2013، وكيف أن شعباً ثار على من سرقوا ثورته في حشود لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، إلى جانب التغيّر الواضح في النظرة الأميركية للأحداث، الذي أثمر زيارة ربّان دبلوماسيتها جون كيري للقاهرة وإعلانه مساندة واشنطن لمستقبل مصر في ظل القيادة الجديدة.
قضايا طالما أرّقت الأعين وقضّت المضاجع واستعصت على الحلول، في طريقها إلى الذوبان في عهد مصر الجديدة، يتصدرها قطعاً ملف سد النهضة الذي أثار غباراً كثيفاً، ليس في علاقات مصر مع إثيوبيا فحسب بل مع دول حوض النيل كلها، وها هي الرؤى تتقارب بين الفرقاء بما يبشّر بحل وشيك يذوّب الأزمة ويحقّق مصالح الكل عبر الحوار البناء.
عادت مصر كذلك لتتبوأ مكانها الطبيعي في حل قضايا المنطقة المضطربة، سواء في ملف فلسطين أو غيره، باعتبارها القاسم المشترك الأكبر الذي لا سبيل إلى استقرار المنطقة دون وجوده.
أثمرت «ثورة 30 يونيو» الكثير ولا يزال في ثمارها المزيد، سواء على صعيد الداخل بما أفرزته من تراص وطني نادر هدفه «نهضة مصر»، أو في الخارج بما تمخّضت عنه من اعتراف إقليمي ودولي، واستعادة للدور المحوري.