كلمة قصيرة ومقتضبة وباللهجة المصرية العامة، لكنّها دالّة وواضحة ومؤثّرة ولها فعل القنديل في النفق.. تلك كانت كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أول حديث له بعد الانتهاء من طقوس تنصيبه رئيساً. لن نتوقّف كثيراً عند رفضه القاطع للانتقادات «الحقوقية» والدولية الموجهة للأحكام الأخيرة الصادرة عن القضاء المصري، فالرجل لخّص الموقف بكلمات بسيطة «لا تدخّل في القضاء المصري المستقل والشامخ، حتى لو كانت هذه الأحكام لم يتفهّمها الآخرون»، ويقصد بالطبع بعض العواصم الغربية ومؤسساتها، وهنا تظهر ملامح التعبير عن الاستقلال الوطني ورفض الإملاءات والتبعية.
لن نتوقّف كثيراً هنا، لأننا ندرك أنه لو استجاب السيسي لطلبهم في مناسبات مشابهة فإنهم سينتقدون «تدخّله في القضاء» وينظمون حلقات فضائية في الاتجاه المضاد والمعاكس، ويفتحون معركة بلا حدود عنوانها «أين مبدأ فصل السلطات باعتباره أحد أعمدة النظام الديمقراطي؟».
نحن أيضاً لن نتدخّل في أحكام قضائية ولن نعلّق عليها أو نتوقّف عندها، لكن ما يشدّ العقل والفكر والوجدان في كلام السيسي، هو إعلانه التنازل عن نصف ثروته، بما فيها ما ورثه عن والده، لصالح مصر.
وإذا كانت هذه الخطوة تنتهي بتنفيذها، فإنه أقدم على خطوة أخرى تنطوي على ديمومة، وهي اكتفاؤه بنصف الراتب المخصص له من الدولة.
من السذاجة الاعتقاد بأن نصف ثروة الرئيس السيسي أو ثروته كلها تستطيع أن تقترب من أي حلّ بحدوده الدنيا لأزمة مصر الاقتصادية، وهو أيضاً لم يقصد ذلك، إنما أراد أن يكرّس قيمة سلوكيّة باتت في عصر العولمة «عملة نادرة»، وهي قوة المثال.. أن تبدأ بنفسك ثم تقول للآخرين اتبعوني. مصر بحاجة إلى هذا النموذج الذي يبدأ بنفسه، والسيسي الذي انتقد البعض خلفيته العسكرية، يقدّم مثلاً لقائد يوظّف أروع ما في حياة العسكرية، وهو المقداميّة والتضحية أمام الآخرين وفي سبيلهم. مصر الجديدة لا يبنيها شخص بمفرده، بل تحتاج إلى ملحمة عمل سيمفونية يعزفها الشعب ويقودها المايسترو وهو الرئيس.
البدايات المطمئنة تؤشّر إلى طبيعة المسار وطمأنينة النهايات، والسيسي يجسّد هذه الطمأنينة مسلّحاً بغالبية الشعب، ومن يملك هذا السلاح لا تهزّه أية رياح.