بات المشهد العراقي مرعباً بعد سيطرة مجموعات مسلحة يتقدمها تنظيم «داعش» على مساحة جغرافية كبيرة شمالي البلاد، واستمرار الهجمات التي انتهت بالسيطرة على محافظة نينوى لبسط نفوذ تلك الجماعات على مواقع جديدة، والتقدم باتجاه العاصمة بغداد.
تأويلات كثيرة تحاول تفسير ما آلت إليه الأوضاع في العراق بين ليلة وضحاها، بعضها يعيد إلى المشهد رجال النظام السابق، والبعض الآخر يرمي الكرة في ملعب التدخلات والمؤامرات الخارجية، لكن ما يبدو جلياً أن سياسة رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي يواجه معارضة سياسية وشعبية واسعة باتت تهدد استمراره في السلطة رغم تطلعه إلى ولاية ثالثة، كان لها نصيب الأسد في تحريك غضب أو مآرب تلك الجماعات أياً كانت انتماءاتها، إذ كرست السياسات الخاطئة للنظام العراقي الحالي ومحاولات إقصاء أحد مكونات الشعب العراقي، مع غياب رئيس البلاد جلال طالباني عن المشهد بشكل شبه تام، موجة غاضبة عارمة ضد النظام وقوات الأمن، بدأت باحتجاجات وتظاهرات سلمية في الفلوجة، ثم عمليات عسكرية ضد الجيش وعناصر الأمن في محافظة الرمادي، وصولاً إلى حرب شعواء ممتدة يقودها «داعش» اليوم.
إن المتأمل للساحة العراقية الآن يستغرب بشدة تلاحق التطورات الميدانية لصالح التنظيمات المسلحة، مع غياب واضح للجيش بعناصره البرية والجوية والبحرية، ما يجعل تلك المعادلة الغامضة تقبل الكثير من التفسيرات والتحليلات.
ولكن بغض النظر عن الأسباب، فالواقع العراقي بات مريراً إلى درجة مرعبة حركت هواجس أطراف خارجية متعددة، لكل منها حساباته الخاصة، ليبقى العراقيون وحدهم ضحايا تلك الأحداث الدامية، التي لن تنحصر في حدود العراق وحده، بحسب توقعات المراقبين للمشهد العراقي، وتهديدات الجماعات المسلحة أيضاً. مشاهد مؤلمة ينشرها المسلحون لقتل وتعذيب ضحاياهم بشكل يحرك ضمائر العالم أجمع، ويعيد اللوم مرة ثانية على الفرقاء السياسيين والسلطات العراقية، التي آن لها أن تتعلم من التجارب المريرة السابقة التي عاشها العراق، وتوحد قواها لمواجهة هذا الخطر الجامح.