يبدو أن العراق لا يفيق من أزمة حتى تلد أخرى، وكأن القدر جعل هذا البلد رهين الأزمات على أنواعها، من أزمة أمنية إلى سياسية، واقتصادية، وها هو اليوم يعيد تكرار أزمة إنسانية عاشها خلال عشر سنوات من الاحتلال الأميركي، وهي النزوح الجماعي من المعارك..

حيث نزح أكثر من مليون شخص من إرهاب «داعش»، إلى مناطق آمنة في كردستان، وهم يتجرعون كأس حرب طائفية جديدة، نتيجة ترحيل الحكومة الأزمات من دون البحث عن حلول جدية لها. ويؤدي نزوح العوائل بسبب فقدان مقومات العيش الآمن، إلى الشعور بالمرارة والحرمان وتدني أحوالهم المعيشية واقتلاعهم من بيئتهم ومنزلتهم الاجتماعية والاقتصادية، فالشعب العراقي يعيش مأساة حقيقية، حيث يقطن في ساحة لتصفية الحسابات المحلية والدولية، الطائفية والسياسية.

لقد حذرت منظمة الهجرة الدولية من أزمة إنسانية مطولة في العراق، تبدو معالمها بعيدة الأمد. فعدم قدرة الحكومة العراقية على حماية المواطنين، وفشلها في إعادة دواليب الأمن في اتجاه وقف العنف، وعدم قدرتها على ضبط إيقاع الوضع الميداني، قد ساهمت في عملية دفع العراقيين خارج أسوار الوطن. والحكومة تتحمل الجزء الأكبر والأهم من المسؤولية، وكلفة ما نجم عن الاستهتار بوضع الملايين الفارين من جحيم الموت اليومي. والحل لوقف هذه المشكلة وعلاجها، يكون بمعالجة الوضع الأمني المتدهور، والقضاء على سرطان الفوضى الأمنية والسياسية المتفشي في البلد، وإزالة الأسباب التي دفعت اللاجئين للهجرة وترك ديارهم، حيث إن استمرار الوضع على ما هو عليه سيعود بالعراق إلى سنوات الحرب الطائفية من إبعاد وتهجير.

لا بد من وقفة شاملة متكاملة لإنهاء هذه المعاناة، ولا شك أن هذه المهمة ستكون طويلة وشاقة ومحـــفوفة بالمخــاطر، وتتطلــب تضــافر جهود كل القوى العراقية المخلصة وتعاوناً عربياً واسعاً، وليس أمام العراقيين لكي يعيشوا بأمن واستقرار مثل بقية شعوب العالم، إلا التلاحم الشعبي وتحمل المسؤولية، وفتح العيون والآذان لرصد تحركات القتلة ومنعهم من ارتكاب جرائمهم، وأن يترسخ في الضمائر والقــلوب، الإيمان بالمواطنة بديلا عن الطائفية والعشائرية.