برغم تهديدات المسلحين اليائسة لإلغاء الانتخابات البرلمانية أو تأجيلها وعرقلتها، فإن الشعب العراقي خيَّب آمالهم، وأصرَّ على إجرائها في وقتها المحدد دون تأخير، وكانت المشاركة في التصويت بنسبة أعلى مما في الدورات السابقة، ما يعد دليلاً على تمسك الشعب العراقي بالنظام الديمقراطي.
وإذا كان الشعب قادراً على تحقيق الانتصار على التنظيمات الإرهابية، فإن على السياسيين أن يكونوا قادرين على تحقيق الانتصار على أنفسهم بعد الانتخابات، بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين القوى السياسية، بعد فصول مؤسفة من المماحكات والصراعات السياسية غير المبررة التي أثرت في مشروع بناء الدولة ورعاية شؤون الناس، وأخرت تشريع القوانين الضرورية، وعرقلت المصادقة على الموازنة العامة للدولة.
لقد دفع الشعب العراقي ثمناً غالياً من أجل تحقيق النصر الانتخابي، ويأمل هذا الشعب ألا يضيع سياسيوه هذا الانتصار الكبير، فتجربة السنوات الأربع الماضية قد كشفت على نحو لا لبس فيه، أن العراق لا يمكن أن يدار بمنطق المناكفة والبحث عن السلطة، فهذا المنطق لا يعني سوى تعطيل الحياة العامة وشل المؤسسات.
ربما يتحدث العراقيون عن تعثر في الخدمات، وقضايا مختلفة تمس حياتهم اليومية، وهذا أمر بديهي، وهو قد يحدث حتى من دون خلل في الأداء السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإن القضية المركزية بالنسبة إلى العراق اليوم هي الإمساك بالأمن الداخلي، وعدم السماح للمجاميع الإرهابية بخطف البلاد وترويع العباد.
إن العراق يجب أن ينطلق من انتخاباته هذه ليصوغ عملية سياسية لا مناكفة فيها، ولا نزاع على المواقع، ولا تقاذف للتهم وتسفيه الآخر، بل بتوجيه الطاقات والمواهب لابتكار الحلول الناجزة التي يمكنها التصدي للعنف، ووقف شلال الدم وزهق الأرواح.
هذه الحلول ليست إعادة اختراع للعجلة، بل يجب أن تبحث في ما هو أبعد منها. وما هو أبعد يتمثل في الخطط والأساليب والتكتيك، ويتمثل أيضاً في تطوير القدرات التسليحية في مواجهة تجار الأزمات.
وهناك ضرورة للتفريق بين أعمال الإرهاب، وما تخلقه من مشاهد الدم والأشلاء، وبين الدعاوى المطلبية والمناطقية التي تسعى للإصلاح، ولتحقيق التطلعات المشروعة للأهالي في جميع أحيائهم ومدنهم.