التوتّر وحده سيّد المشهد الليبي بشقيه السياسي والأمني، فلم يتوقّف مسلسل الاغتيالات ولا هدأ الشارع من فوضى عصفت به، بعضه مطالب بعدم التمديد للمؤتمر الوطني العام، وآخر يؤيّد التمديد لاستكمال الاستحقاقات الدستورية، وبينهما زلازل سياسية لم تستطع حتى الآن دفع مستحقّات التحوّل إلى ليبيا الغد التي يشتهيها الجميع ويتمناها.

ويقع على عاتق السياسيين الليبيين تسريع خطى الانتقال إلى عصر دولة ما بعد القذافي في أسرع وقت ممكن، حتى تتمكنّ البلاد من النهوض مجدداً وبناء مؤسساتها القادرة على إدارة دفة شؤون المواطنين، فيما يتمثّل أول الاستحقاقات في بسط الأمن واستعادة السيطرة على موانئ البلاد النفطية، التي أصبحت نهباً للمحتجين بين الحين والآخر، ما يقعد الحكومة عن القيام بواجبها ويشل اقتصاد الدولة ويؤثّر بشكل بالغ على كل مفاصل الحياة، إذ إنّ الطريق إلى الدولة الحديثة المستقرة طويل وهذه أولى استحقاقاته.

ولعل اللحظة التاريخية التي يعيشها الليبيون تقتضي منهم، مدنيين وعسكريين، وعياً كبيراً وتفهّماً أكبر لطبيعة الظروف التي تمر بها البلاد، عبر الالتفاف حول الحكومة القائمة، أياً كانت الآراء حولها، من أجل وضع أولى لبنات ليبيا الجديدة. ولا يتأتى هذا الأمر قطعاً، إلا عبر الترفّع عن الصغائر والعمل يداً واحدة للخروج بالبلاد من دوامة العنف والانفلات الذي تعيشه ويكاد يعصف ببعض مناطقها بين الحين والآخر.

لا مكان قطعاً لليبيا مستقرّة آمنة والسلاح منتشر في غير أيدي القوات النظامية، فجمع السلاح مهمّة معقّدة لكنها واجبة إن أراد الليبيون الخروج من دوامة العنف وحالة اللا استقرار التي يعيشونها، وهذا أمرٌ يستدعي بالضرورة لجم المليشيات المسلّحة وعودتها إلى صفوف الجماهير، معاول بناء لا هدم، تؤدّي دورها المنوط بها في خلق الواقع الجديد المرجو.

إنّ الظرف التاريخي الدقيق الذي تمر به ليبيا، يتطلب تعاوناً وإيثاراً في سبيل الوطن، لا صراعاً من أجل كسب المغانم، ويفرض توحيد الجهود والتفاف الجميع حول بعضهم، وتعزيز قدرات الحكومة، حتى تتمكّن ليبيا الجديدة من تلمّس طريقها نحو الغد المنشود.