المتتبع للمشهد في ليبيا خلال الفترة الأخيرة، سرعان ما يلاحظ صعود وتيرة العنف بشكل غير مسبوق، حيث لم يعد مقتصراً على الهجمات على المقار الأمنية أو الاغتيالات السياسية، بل بات صراعاً بين قبائل متناحرة من جهة، وبين ثوار سابقين في ما بينهم من جهة أخرى، اتحدوا من قبل للإطاحة بنظام تربع أكثر من أربعة عقود على الحكم واستولى على كل الثروات.

وبالانفلات الأمني المتصاعد، تزداد عند الليبيين مخاوف من عدم قدرة الحكومة الحالية على السيطرة على الوضع في البلاد، خاصة وأن هناك جماعات تستهدف زعزعة الأمن واستمرار الفوضى، ونشر حالة من الرعب والفزع بين المواطنين الليبيين.

لقد تحولت المدن الليبية إلى مرتع للانفجارات والاعتداءات والهجمات المتكررة، في وقت لا تزال السلطات الانتقالية عاجزة عن تحقيق الأمن وتشكيل شرطة وجيش مهنيين، مع غياب محاسبة للخارجين على القانون، وهو ما شجع الجماعات المسلحة على تصعيد هجماتها، لأنهم باتوا متأكدين من أنه لا وجود لأي تحقيقات تلاحقهم.

ويبدو أن العنف بات واقعاً يومياً اعتاد عليه المواطن الليبي، رغم مراراته، حتى بات التساؤل المطروح، هو كيف يمكن له أن يتعايش مع هذا العنف المتواصل، لا عن سبل تفاديه.

ويبقى بعد ذلك ما يطرحه البعض من أن ما تم من انضواء الميليشيات المسلحة تحت إمرة الجيش حتى هذه اللحظة، لا يعدو أن يكون انضواء صورياً بعيداً عن حقيقة المؤسسة العسكرية المنضبطة. ومع أن هذه الظاهرة يمكن أن تختفي مع تجذر مكانة الجمهورية الجديدة في ليبيا، لكنها تنتظر شرطاً أساسياً بالغ الأهمية، ألا وهو انتفاء مصادر تهديد الوحدة الليبية على أي أساس كان، وبما يعيد لهيبة السلطة مردودها في تفكيك ثقافة الميليشيا واستبدالها بثقافة الدولة الوطنية.

لا سبيل لاستتباب الأمن إلا بوقوف المواطن إلى جانب الحكومة، والعمل سوياً من أجل نزع جذور الإرهاب، والاصطفاف مجدداً حول الأهداف التي قامت عليها الثورة الليبية، والتي لا تعترف بالإقصاء أو التهميش، وتؤمن بفكرة أن يشارك الجميع في بناء الوطن الليبي، ويعمل تحت راية ليبيا لكل الليبيين، ولا مكان فيها للنزعات الفئوية أو الجهوية.