تونس والحوار الوطني

ربما يمثل الاتفاق على رئيس جديد للحكومة في تونس خطوة للخروج من النفق السياسي الراهن، لكن من الخطأ الرهان على هذه الخطوة، باعتبارها مخرجاً لتونس وشعبها من الأزمة المستحكمة، التي أجهضت كل الآمال المعلقة على ثورة 14 يناير الشعبية في العام 2011.

فبإحكام جماعة النهضة قبضتها، توغلت تونس في أزمة سياسية واقتصادية ضاغطة، فقدت في ظلها الدولة هيبتها وفعاليتها، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة، ووهن النسيج الاجتماعي المتماسك، بفعل مغامرات الجماعات السلفية الإرهابية، واتسعت في المقابل حركة الإضرابات الجهوية والنقابية.

كما أخفق الإسلاميون في مصر، فشلوا في تونس على نحو أفقد المجتمع التونسي نهجه العقلاني، ويهدِّد بإضاعة مكاسبه الحداثية، على كل المساقات الحياتية.

وسط الصراع المحموم على السلطة، باتت التيارات السياسية التونسية وكأنها قد أضاعت رشدها، إذ أخفقت في التوافق على الحد الأدنى لتسمية رئيس لحكومة جديدة، فتعطلت المصالح العامة، منذ يوليو الماضي، وتعطلت لغة الحوار بين أطراف الأزمة، منذ الرابع من الشهر الأخير.

بتسمية رئيس وزراء جديد، ينقشع جانب من الغبار المثار بفعل الصراع على السلطة، لكن من الصعب اعتبار تلك الخطوة مخرجاً من الأزمة التونسية، طالما استمرت القوى السياسية تنظر إلى الوضع المتردي الراهن، عبر أنصبتها من المقاعد الوزارية.

هذه رؤية مبتسرة ظلت تهيمن على طاولات ما يُسمى بالحوار الوطني في أكثر من عاصمة عربية. من المؤسف أن كل الأطراف الجالسة حول تلك الطاولات، تنظر إلى القضايا المطروحة أمامها والأزمات العالقة فوق رؤوس شعوبها، من خلال تلك الزاوية الضيقة المرتبطة بصراعها على السلطة، وحتى عندما تتفق على برنامج مرحلي، فإن الخلاف لا يكون متعلقاً بانتهاك بنوده أو عدم الالتزام بتنفيذها، بل الأغلب أن يكون ناجماً عن تغوُّل طرف على سلطات طرف آخر.

تونس منحت العرب شرارة الانتفاضات الشعبية، وربما تكون أكثر من غيرها تأهيلاً، لمنح الأمة كذلك أنموذجاً للخروج من الأزمات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات